مجتمع

سقوط مسؤولين قضائيين كبار يعيد جدل محاربة الفساد بالجسم القضائي

عاد جدل الفساد داخل الجسم القضائي ليرخي بظلاله من جديد على الفضاء العام، بعد الفضيحة المدوية التي تم على إثرها اعتقال شبكة إجرامية متورطة في الارتشاء والوساطة، يتزعمها نواب لوكلاء الملك، مستغلين في ذلك علاقاتهم المتشعبة مع شبكة من الوسطاء الذين يربطون بينهم وبين الزبناء.

القضية التي يجري التحقيق بها مع 28 متهما أساءت بقوة للجسم القضائي، قبل أن يسارع التحقيق الذي تمت مباشرته إلى استئصال هذا الداء، الذي جعل متهمين في قضايا متنوعة بعيدا عن متناول أيدي العدالة، وإيقاف المتورطين الذين فضحتهم ألسنتهم، بعدما تمكن التحقيق من تفريغ المكالمات الهاتفية التي جرت بين المتورطين.

تدخلات مقابل المال وأخرى مقابل الجنس، والمستفيدون وسطاء ونواب لوكلاء الملك باعوا ضميرهم، وامتهنوا الارتشاء وتخلوا عن ضميرهم المهني لنصرة متهمين جناة، وإضعاف موقف أصحاب حق، دون وجه حق، وذلك ما تكشفه تسجيلات المكالمات الهاتفية واعترافات المتهمين أمام الشرطة القضائية.

الوسيط “العمومي”.. همزة “النصب”!

يعد الوسيط “ب. ع.” الملقب بالعمومي من بين أكثر الأسماء الرائجة في فضيحة الفساد القضائي، إذ إنه يعد همزة وصل بين المجموعة المعتقلة والشبكة الجديدة التي تم تتداخل حلقاتها، والتي تضم نواب وكيل الملك وقضاة ورجال شرطة وموظفين عموميين، يبلغ عددهم الإجمالي 28 شخصا.

وتأكد أن الأشخاص الذين تم إلقاء القبض عليهم في سياق الفضيحة الأخيرة هم عبارة عن حلقات ممتدة للعصابة الإجرامية التي كان يسيرها أحد نواب وكيل لدى المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع سابقا، والذي يقضي الآن عقوبة سجنية مدتها 08 سنوات.

وتبين أن عناصر هذه العصابة لا زالوا يقومون بأدوار مختلفة في ميدان الوساطة والسمسرة في الأحكام القضائية بالمحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء، وذلك ما تبين من خلال المكالمات التي أجروها مع الوسيط “ب. ع.” الملقب بالعمومي، الذي كان على تواصل مع نائب وكيل الملك بابتدائية البيضاء “م. ج.” من أجل التماس تدخله في ملفات مقابل تلقيه رشاوى.

واتضح بعد تفريغ المكالمات المتبادلة بين المتورطين ضمن العصابة الإجرامية المحترفة للارتشاء والارتشاء والوساطة في ذلك لدى موظفين عموميين، ضلوع العديد من الوسطاء في التواصل مع نواب وكلاء الملك المتورطون، من أجل التدخل لإطلاق سراح معتقلين وطي ملفات متابعين وغيرها، إذ اتضح أن مسؤولين قضائيين هم النقطة التي يلتقي عندها عدد من الوسطاء.

رمال “دار بوعزة” في مهب الريح!

ويعد ملف سرقة رمال “دار بوعزة” أمام تواطؤ السلطات المحلية، من بين الملفات التي شكلت مفتاح فضيحة الفساد القضائي بمحكمة الدار البيضاء، ذلك أن الوسيط “العمومي” تدخل لدى قائد قيادة دار بوعزة من أجل أن يتغاضى عن سرقة الرمال مقابل رشوة 20 ألف درهم.

غير أن عدم التزام المتهمين مع القائد، وتسليمه 10 آلاف درهم فقط، جعله يحتج على الوسيط “العمومي” ويطالبه بإرجاع حمولة الرمال إلى مكانها، بعدما تخلف الأشخاص المستفيدين منها عن الوفاء بالاتفاق.

مساطر تحت الطلب مقابل “الكسكس”!

من بين الملفات التي فجرها تفريغ المكالمات، ملف إعداد مساطر في مواجهة أشخاص تحت الطلب مقابل مبلغ 10 آلاف درهم كرشوة. إذ طلب من الوسيط “العمومي” التدخل في قضية تتعلق بالضرب والجرح بحي الألفة لصالح شخص أنجز شهادة طبية مدة العجز فيها 27 يوما.

واتضح من المكالمات مع الوسيط أن هذا الأخير وافق مقابل 10 آلاف درهم، ليتواصل بعدها مع نائب وكيل الملك بابتدائية الدار البيضاء “ع. ز.” الذي شكره على طبق الكسكس الذي توصل به في منزله، والذي لا يستبعد أنه يتعلق بنصيبه من الرشوة.

واتصل نائب وكيل الملك المذكور، وفق المكالمات، بأحد موظفي الشرطة الذي اتفق بدوره مع زميل له على تقاسم المبلغ. وأكد بعدها “م. ج” نائب وكيل الملك بالمحكمة نفسها في اتصال مع الوسيط أنه سيقوم بتحريك المتابعة وتعيين الجلسة من أجل أن يدلي الضحية بالشهادتين الطبيتين.

الرشوة بواسطة الجنس

فضيحة من العيار الثقيل كشفتها المكالمات بين المتهمين، ذلك أن نائب وكيل الملك “م. ج” متورط في فضيحة التدخل في قضايا مقابل ممارسة الجنس مع إحدى الوسيطات المدعوة “إ. س”.

وتطلب الوسيطة في اتصال هاتفي مع نائب وكيل الملك تدخله في قضية تخص خالتها، وتطلعه على ملف آخر يتعلق بأحد الأشخاص المعتقلين، وأنها مستعدة لممارسة الجنس بشقتها، قبل أن يطلب منها ممارسة الجنس هاتفيا، وهو الأمر الذي وثقته المكالمة الهاتفية بين الاثنين.

كما طلبت الوسيطة نفسها، ضمن مكالمة هاتفية، من نائب وكيل الملك التدخل في قضية تتعلق بالسرقة مقابل رشوة 20 ألف درهم، وهي المكالمة التي انتهت بطلبه ممارسة الجنس عن طريق الهاتف بمجرد وصوله إلى المكتب.

ملفات شغب الملاعب

كما كشفت المكالمات الهاتفية عن تورط الوسيط “العمومي” ونائب وكيل الملك “م. ج” في ملف إطلاق سراح أحد القاصرين مشجع لفريق الرجاء البيضاوي مقابل مبلغ مالي يبلغ 5 آلاف درهم كرشوة.

بالإضافة إلى التدخل في ملف شقيقين تم إيقافهما هما الآخرين بسبب شغب الملاعب مقابل رشوة مالية، وهو الملف الذي تورطت فيه الموظفة بالمحكمة “ن. ر”، التي أوصلت مبلغ مالي ل”ع. ز” نائب وكيل الملك، بمكتبه بالمحكمة الابتدائية، وذلك ما تأكد من خلال مكالمتها مع الوسيط “العمومي” لتستشيره حول إدخال المبلغ معها إلى المكتب.

جميع الملفات قابلة للحل

شبكة السمسرة والارتشاء المتابعة أمام القضاء، والتي تضم مسؤولين قضائيين وموظفين عموميين، أثبتت أن جميع الملفات قابلة للحل مقابل مبالغ مالية، بغض النظر عن حجم القضية وتفاصيل الملف، أو حجم المبلغ المالي المؤدى أو الأطراف المنتصبة فيه.

هذا المنطق تؤكده المواضيع المتنوعة للملفات المتابع على أرضيتها المتورطون، من رجال شرطة ومسؤولين قضائيين وموظفين ووسطاء وغيرهم، في انتظار ترتيب الجزاءات في حقهم.

وتنوعت المواضيع التي تضمنتها الملفات بين التدخل في قضايا الشيكات، وحوادث السير، والضرب والجرح، وعدم أداء النفقة، وإهانة موظفين، وملفات حيازة المخدرات، وقضية تتعلق بالهجرة غير النظامية، وتكوين عصابات إجرامية والسرقة باستعمال السلاح وغيرها من القضايا، ما يعبر على أن هاجز المتورطين كان هو تسلم المقابل في أكبر عدد من القضايا الممكنة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.