الخلفي: مشروع قانون المالية لا يحل معضلات القدرة الشرائية والشغل والحماية الاجتماعية

قال مصطفى الخلفي، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، إن مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يقدم أجوبة كافية عن المعضلات المرتبطة بالقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية والتشغيل، داعيا الحكومة إلى تغيير المسار الاقتصادي والاجتماعي، بما يحد من المضاربة والريع والمنافسة غير المشروعة، ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على جذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل.
وأوضح الخلفي، خلال مناقشة مشروع القانون المالي بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية اليوم الخميس أن الحكومة اتخذت إجراءات أولية تتعلق بالحد الأدنى للمعاشات، ومعاشات الأرامل، والضريبة على الدخل، ودعم الكهرباء، لكنه شدد على ضرورة تقييم مدى قدرة هذه التدابير على معالجة الاختلالات البنيوية، بدل الاكتفاء بالإعلان عنها.
المضاربة والتضخم المتراكم
بخصوص القدرة الشرائية، سجل الخلفي أن رفع الدخل وحده لم يعد كافيا لمواجهة تراجع القدرة الشرائية، رغم استفادة ملايين المغاربة من برامج الدعم، معتبرا أن التجربة خلال السنوات الأربع الماضية أظهرت محدودية هذا الخيار في معالجة المشكل.
وشدد على أن التضخم المتراكم يظل من أبرز التحديات، مستحضرا مثالا من سوق البصل سنة 2022، حين ارتفع سعر الكيلوغرام من درهم ونصف درهم عند المنتج إلى 17 درهما في السوق، بسبب تعدد الوسطاء واتساع هوامش الربح، قبل أن يستقر السعر لاحقا في حدود سبعة دراهم، معتبرا أن هذا المثال يبرز ضرورة التصدي للمضاربة والغش والتلاعب بالأسعار، بدل الاقتصار على إجراءات جزئية لا تعالج الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار.
كما ربط المتحدث القدرة الشرائية بكلفة الإنتاج، مشيرا إلى أن بعض المنتجات تصل إلى المغرب بكلفة محدودة، قبل أن ترتفع أسعارها بشكل كبير خلال مراحل التوزيع والتسويق، داعيا إلى الاستفادة من المعطيات المتوفرة لدى مصالح الجمارك والضرائب لتحديد هوامش الأسعار وكشف الاختلالات.
وأثار الخلفي، في السياق ذاته، وضعية القطيع الوطني في ظل الأمراض التي تهدده، إلى جانب كلفة الأدوية البيطرية والمدخلات المرتبطة بالنشاط الفلاحي، معتبرا أن هذه العناصر تستدعي معالجة أكثر فعالية.
وانتقد بعض التدابير الواردة في مشروع قانون المالية بشأن استيراد أعلاف الحيوانات، موضحا أن المغرب استورد خلال سنة 2025 ما قيمته 380 مليون درهم من هذه المنتجات، وأن 93 في المائة منها جاءت من دول تربط المملكة بها اتفاقيات للتبادل الحر، ما يجعلها غير خاضعة للرسوم الجمركية المعنية.
واعتبر أن هذا المعطى يطرح تساؤلات حول الأثر الفعلي للإجراء المقترح، داعيا إلى ربط الاستفادة من الإعفاءات بشروط واتفاقيات واضحة مع المستوردين، بما يسمح بمراقبة الأسعار والحد من المضاربة، متوقفا في الآن ذاته عند مقترح تسقيف هوامش أرباح المحروقات، مميزا بين تسقيف هامش الربح وتسقيف الأسعار، ومشيرا إلى أن تقارير مجلس المنافسة رصدت هوامش ربح متفاوتة، لكنه أكد أن هذا الإجراء يظل بحاجة إلى معالجة دقيقة لضمان فعاليته.
السياسة الضريبية والاستثمار والتشغيل
وفي ما يخص المقاولة والتشغيل، انتقد الخلفي بعض المقتضيات المرتبطة بالتدابير التجارية والإعفاءات الجمركية، معتبرا أن الاستثناءات المتعلقة بالدفاع التجاري ينبغي أن تراعي حماية المقاولات الوطنية من المنافسة غير المشروعة، وألا تتحول إلى آلية تضعف المنتجين المحليين.
وشدد على أهمية ربط الإعفاءات بشروط واضحة، من بينها إبرام اتفاقيات مع المستوردين، بما يتيح مراقبة الممارسات التجارية والحد من المضاربة، مشيرا إلى أن غياب هذه الضمانات قد يضعف الأثر المنتظر من التدابير الحكومية.
كما أثار إشكالية السياسة الضريبية وانعكاساتها على الاستثمار والتشغيل، متسائلا عن حصيلة التوجهات التي رفعت الضرائب على بعض المقاولات الصغرى، مقابل تخفيضها بالنسبة إلى الشركات الكبرى.
وفي هذا الصدد، أشار إلى معطيات تتعلق بتدفقات الاستثمار الأجنبي إلى إفريقيا والمغرب، مبرزا أن المملكة استقطبت، وفق الأرقام التي عرضها، نحو 100.9 مليار دولار خلال مرحلة سابقة، مقابل حوالي 100.4 مليار دولار خلال السنوات الأربع الأخيرة، رغم ارتفاع التدفقات إلى القارة الإفريقية من 208 مليارات إلى 274 مليار دولار.
وربط برلماني “البيجيدي” هذه المعطيات بالاختيارات الضريبية الموجهة إلى المناطق الصناعية، معتبرا أن تراجع قدرة المغرب على جذب الاستثمارات ينعكس على فرص إحداث مناصب الشغل.
وبخصوص هدف الحكومة خفض معدل البطالة إلى سبعة في المائة وإحداث مليون منصب شغل، أوضح الخلفي أن سوق الشغل يستقبل سنويا نحو 391 ألف وافد جديد، ما يفرض توفير عدد إضافي من فرص العمل لاستيعاب هذه الفئة، إلى جانب تعويض المناصب المفقودة وتقليص البطالة القائمة.
واعتبر أن بلوغ هدف خفض البطالة يقتضي مجهودا يتجاوز مجرد الإعلان عن إحداث مليون منصب شغل، بالنظر إلى حجم الوافدين الجدد إلى سوق العمل والتحديات المرتبطة بالتشغيل.
مراجعة مسار الإصلاح
وفي ما يتعلق بالحماية الاجتماعية، دعا الخلفي إلى مراجعة آليات تحديد الاستفادة من التغطية الصحية، معتبرا أن المؤشرات والعتبات المعتمدة تطرح إشكالات تستدعي التقييم، حتى لا تتحول إلى وسيلة لإقصاء فئات من المواطنين من الحماية الصحية.
وأشار إلى وجود فئات واسعة لا تستفيد من التغطية الصحية أو تواجه صعوبات في الحفاظ عليها، مستحضرا الأشخاص غير المشمولين بالتغطية الصحية، وآخرين لم يؤدوا الاشتراكات المطلوبة، مشددا على ضرورة معالجة هذه الاختلالات بما يضمن توسيع الحماية الاجتماعية، بدل التركيز على البحث عن مبررات لإخراج المستفيدين منها.
وخلص مصطفى الخلفي إلى أن التحديات المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية تفرض، بحسب تعبيره، تغيير المسار الاقتصادي والاجتماعي، من خلال محاربة الريع والمضاربة والاحتكار، والحد من الاختلالات التي تعيق المنافسة، مبرزا أن الإجراءات المعلنة لا تكفي ما لم تنعكس على المؤشرات والنتائج الملموسة.





