الشباب في المغرب: أبواب مفتوحة على الورق، ومغلقة أمام الكفاءات…

حين تصبح السياسة مدرسة للتطبيل بدل صناعة القرار.
ليست أزمة الشباب في المغرب مجرد أزمة شغل أو تعليم أو سكن، وليست اختزالا في جيل يطالب بفرصة عمل ثم ينصرف إلى حياته. إنها، في عمقها، أزمة علاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المؤسسات والطاقات الجديدة، وبين خطاب سياسي يتحدث باستمرار عن تمكين الشباب وممارسة سياسية لا تفتح دائما المجال أمامهم للمشاركة في القرار وصناعة البدائل. فحين يجد الشاب نفسه مطالبا بإثبات الولاء قبل الكفاءة، وبإتقان المجاملة قبل تقديم الفكرة، وبالتصفيق قبل إعمال العقل، فإننا لا نكون أمام خلل عابر في تدبير الموارد البشرية، بل أمام سؤال يتعلق بجودة الحياة الديمقراطية ومستقبل النخب السياسية في البلاد.
لقد أصبح الشباب حاضرا بكثافة في الخطب والبرامج الحكومية واللقاءات الحزبية، لكنه لا يحظى بالضرورة بالحضور نفسه داخل دوائر القرار. نراه في الصور الجماعية، وفي الحملات الانتخابية، وفي الأنشطة التنظيمية التي تحتاج إلى الحشد والتعبئة، لكننا لا نراه دائما في المواقع التي تحدد الأولويات، وتوزع المسؤوليات، وتصوغ السياسات، وتراقب نتائجها. وهنا تكمن المفارقة: نريد من الشباب أن يحملوا المستقبل، بينما لا نمنح بعضهم سوى دور محدود في تزيين الحاضر.
من سياسة تمكين الشباب إلى سياسة تدبير الانتظار
لا يمكن تقييم السياسات العمومية الموجهة للشباب بعدد البرامج التي تحمل كلمة «الشباب» في عناوينها، ولا بعدد المراكز التي يجري افتتاحها، ولا بحجم الاعتمادات المالية التي يعلن عن تخصيصها. المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه السياسات تغير حياة الشباب فعلا: هل يجد الشاب فرصة عادلة للحصول على تكوين مؤهل؟ هل يستطيع الانتقال من الدراسة إلى العمل دون أن يظل سنوات في دائرة الانتظار؟ هل يمكنه تأسيس مشروع دون أن يصطدم بتعقيدات إدارية وتمويلية؟ وهل يجد فضاء مؤسساتيا يسمح له بالمساهمة في صياغة القرار بدل الاكتفاء بتلقيه؟
الأرقام الرسمية تكشف أن التحدي يتجاوز الخطاب. فقد أظهرت معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن نحو 2.9 مليون شاب مغربي تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة لا يوجدون في وضعية شغل أو دراسة أو تكوين. وتمثل الشابات قرابة 72 في المائة من هذه الفئة، فيما لا يتوفر نحو ثلاثة أرباع أفرادها على شهادة مؤهلة. كما ارتفع معدل البطالة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة من 36.7 في المائة سنة 2024 إلى 37.2 في المائة سنة 2025. وهذه المؤشرات لا تعني أن جميع هؤلاء الشباب يعيشون الوضعية نفسها، لكنها تؤكد أن المقاربة العامة لا تكفي، وأن معالجة الظاهرة تحتاج إلى سياسات متمايزة حسب السن والمستوى الدراسي والجنس والمجال الترابي.
إن الشاب الذي انقطع عن الدراسة في قرية بعيدة ليس هو الشاب الحاصل على شهادة جامعية في مدينة كبرى، والمرأة الشابة التي تتحمل مسؤوليات أسرية ولا تتوفر على خدمات للرعاية ليست في الوضع نفسه الذي يوجد فيه شاب يبحث عن أول تجربة مهنية. لذلك فإن وضع الجميع في سلة برامج موحدة قد يحقق رقما إداريا جيدا، لكنه لا يضمن بالضرورة نتيجة اجتماعية عادلة.
والخلل لا يكمن فقط في نقص الفرص، بل في ضعف الربط بين التكوين وحاجات الاقتصاد، وبين التمويل والمواكبة، وبين البرامج والنتائج. فليس كافيا أن نكوّن آلاف الشباب في تخصصات لا تجد طلبا حقيقيا في سوق الشغل، وليس من الإنصاف أن نمنح شابا دعما ماليا لإطلاق مشروع ثم نتركه وحيدا أمام الضرائب والتراخيص والمحاسبة والتسويق وتقلبات السوق. السياسة العمومية الناجحة ليست تلك التي تفتح باب الاستفادة فحسب، بل التي تضمن أن تكون وراء الباب فرصة قابلة للاستمرار.
الأحزاب: من صناعة النخب إلى إعادة تدوير الوجوه
إذا كانت الدولة مطالبة بمراجعة نجاعة سياساتها العمومية، فإن الأحزاب السياسية مطالبة بمراجعة أعمق لطريقة اشتغالها الداخلي. فالحزب ليس مجرد آلة انتخابية تستنفر الشباب حين تحتاج إلى الأصوات والأيدي والوجوه الجديدة، ثم تعود بعد انتهاء الاستحقاق إلى دوائرها المغلقة. وليس مدرسة سياسية حقيقية إذا كان صعود أعضائه مرتبطا، في بعض الحالات، بمدى قربهم من مراكز النفوذ أكثر مما يرتبط بقدرتهم على التحليل والاقتراح والتأطير والتواصل مع المواطنين.
إن فتح الأبواب أمام الشباب لا يكتسب أي معنى إذا كان الدخول إلى الحزب ممكنا، لكن الوصول إلى القرار يظل محكوما باعتبارات الولاء الشخصي أو العلاقات أو شبكات المصالح. فهناك فرق جوهري بين أن يكون الشاب عضوا في تنظيم سياسي، وأن يكون فاعلا في تحديد توجهاته. وبين أن يحضر اجتماعات الحزب، وأن يشارك في صناعة قراراته. وبين أن يتلقى التعليمات، وأن يمتلك حق النقاش والاعتراض وتقديم بديل مختلف.
ولا يعني ذلك أن كل الأحزاب تتصرف بالطريقة نفسها، أو أن كل اختيار تنظيمي تحكمه الزبونية؛ فالأحزاب تختلف في بنيتها وتجاربها وممارساتها. لكن المعيار الذي ينبغي أن تخضع له جميعا هو مدى قدرتها على ضمان تكافؤ الفرص، وشفافية الانتقاء، وديمقراطية التداول على المسؤولية. وعندما تتقدم العلاقات على الاستحقاق، أو يصبح القرب من القيادة طريقا أقصر من العمل الفكري والتنظيمي، فإن الحزب يخاطر بتحويل الانتماء السياسي من مساحة للتكوين والمشاركة إلى علاقة انتظار ومقايضة.
والأخطر من ذلك هو إنتاج نموذج من الشباب يتعلم أن الطريق إلى المسؤولية لا يمر عبر إعداد مشروع أو قراءة ميزانية أو فهم الدستور أو دراسة حاجات المواطنين، وإنما عبر إتقان لغة التطبيل، وتجنب الأسئلة المحرجة، وتكرار ما يرضي المسؤولين. وهكذا يصبح الصمت ذكاء تنظيميا، والاعتراض مخاطرة، والنقد دليلا على ضعف الانضباط، بينما الأصل في الحزب الديمقراطي أن يكون فضاء لتدبير الاختلاف لا لإلغائه.
إن الطاعة التنظيمية لا تعني تعطيل العقل، والانضباط الحزبي لا ينبغي أن يتحول إلى تنازل عن الاستقلال الفكري. فالشاب الذي لا يستطيع مساءلة قرار داخل حزبه، كيف سيدافع غدا عن حق المواطنين في مساءلة الحكومة؟ والذي يتعلم أن رضا المسؤول أهم من جودة الفكرة، كيف سيواجه تضارب المصالح أو يدافع عن المال العام؟ والذي يعتاد التصفيق لكل قرار، كيف سيطور قدرة مستقلة على التشخيص والتقييم؟
الأحزاب التي تريد تجديد نخبها لا تحتاج إلى تغيير أعمار الوجوه فقط، بل إلى تغيير القواعد التي تحدد من يصعد، ولماذا يصعد، وكيف يحاسب بعد توليه المسؤولية. فالشاب ليس قيمة سياسية لمجرد أنه شاب، كما أن الأكبر سنا ليس عبئا لمجرد أنه أكبر. القيمة الحقيقية هي في الكفاءة والنزاهة والقدرة على العمل، وفي وجود نظام داخلي يمنح الجميع فرصة عادلة لإثبات ذلك.
حين يصبح الولاء بديلا عن الكفاءة
الزبونية ليست مجرد عيب أخلاقي في السلوك السياسي؛ إنها مشكلة مؤسساتية لها كلفة اقتصادية واجتماعية. فعندما يشعر الشباب بأن الفرص لا توزع على أساس الاستحقاق، فإن الحافز إلى التعلم والاجتهاد والابتكار يتراجع، بينما تتزايد جاذبية البحث عن الوساطة والعلاقة الشخصية. وحين يعتقد صاحب الكفاءة أن مجهوده لن يكون كافيا، فقد ينسحب من المشاركة، أو يتجه إلى القطاع غير المهيكل، أو يفكر في الهجرة، أو يفقد ثقته في المؤسسات.
ولا يمكن الجزم بأن كل حالة من الإحباط أو العزوف السياسي سببها الزبونية وحدها؛ فالبطالة وتفاوت الفرص وضعف الثقة وتعقيدات سوق العمل عوامل متداخلة. لكن معالجة هذه العوامل تصبح أكثر صعوبة حين لا يطمئن المواطن إلى عدالة قواعد المنافسة.
وفي هذا السياق، أظهرت نتائج استطلاع نشره «أفروباروميتر» في مارس 2026 أن نحو ثلث الشباب المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة فقط يعبرون عن ثقة جزئية أو كبيرة في البرلمان والأحزاب السياسية، سواء المشاركة في الحكومة أو المعارضة. هذه الأرقام لا تعني أن الشباب جميعا يرفضون السياسة، لكنها تشير إلى فجوة تستحق أن تؤخذ بجدية. ولا يجوز مطالبة الشباب بالثقة في المؤسسات من دون أن تكون هذه المؤسسات مستعدة لتجديد طرق اشتغالها وإثبات قدرتها على الاستجابة لمطالبهم.
إن الخطر ليس في أن ينتقد الشاب حزبا أو حكومة، بل في أن يصل إلى قناعة مفادها أن النقد لا يغير شيئا، وأن المشاركة لا تفتح أي أفق، وأن النتيجة محددة سلفا مهما كانت جودة المقترحات. فالديمقراطية لا تضعف فقط حين يتراجع التصويت، بل تضعف أيضا حين يصبح المواطن غير مقتنع بأن صوته وفكرته ومشاركته يمكن أن تحدث فرقا.
ما العمل؟ من خطاب التمكين إلى عقد جديد مع الشباب
إن الخروج من هذه الحلقة لا يحتاج إلى شعار جديد، بل إلى إعادة بناء السياسات العمومية على أساس الحقوق والنتائج والمحاسبة. ويمكن الانطلاق من ستة مداخل عملية:
أولا: الانتقال من برامج متفرقة إلى سياسة وطنية مندمجة للشباب.
ينبغي وضع إطار وطني متعدد السنوات يربط التعليم والتكوين والتشغيل والسكن والصحة النفسية والثقافة والرياضة والمشاركة المدنية والسياسية. على أن يتضمن هذا الإطار أهدافا محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، وميزانية معلنة، والجهة المسؤولة عن التنفيذ، وآلية لتقييم النتائج. ويجب نشر لوحة قيادة دورية تبين ما تحقق وما تعثر، لا الاكتفاء بالإعلانات والبلاغات. كما ينبغي إخضاع البرامج لتقييم مستقل، وإعادة توجيه الاعتمادات نحو المبادرات التي تثبت فعاليتها.
ثانيا: جعل الانتقال من الدراسة إلى العمل أولوية عملية.
تحتاج البلاد إلى شراكة أقوى بين الجامعات ومؤسسات التكوين والمقاولات والقطاعات المنتجة. ويقتضي ذلك تطوير التكوين بالتناوب والتدريب المؤدى عنه، ووضع معايير واضحة لجودة التدريب، وتوفير مواكبة مهنية للطلبة قبل التخرج، وتحديث التكوينات وفق حاجات الاقتصاد دون التضحية بالتكوين العلمي والإنساني. كما ينبغي تقييم برامج دعم التشغيل على أساس الوظائف المستدامة التي تخلقها، لا على أساس عدد المستفيدين المسجلين فقط.
ومن الضروري كذلك دعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى، لأنها قادرة على خلق فرص محلية إذا توفرت لها شروط الاستمرار. ويشمل ذلك تبسيط المساطر، وتسهيل الولوج إلى التمويل، وتوفير المواكبة المحاسباتية والتسويقية، وربط بعض برامج الدعم بالتشغيل والتكوين ونقل المهارات. أما منح التمويل دون متابعة، فقد يحول الدعم العمومي إلى نفقة مؤقتة لا تترك أثرا مستداما.
ثالثا: محاربة الزبونية بقواعد معلنة وآليات للتظلم.
كل برنامج عمومي موجه للشباب يجب أن يعلن مسبقا شروط الاستفادة ومعايير التنقيط والوثائق المطلوبة وآجال البت وطرق الطعن. وينبغي رقمنة مسار الطلبات حيثما أمكن، ونشر نتائج مجمعة تسمح بتقييم عدالة التوزيع بين الجهات والفئات، مع احترام المعطيات الشخصية. كما يجب إتاحة آلية مستقلة لتلقي الشكايات، وتدقيق حالات تضارب المصالح، وإجراء افتحاص دوري للبرامج ذات الميزانيات المهمة.
ولا يكفي أن نقول للشباب إن الفرص متاحة للجميع؛ بل يجب أن نثبت ذلك بإجراءات يمكن مراقبتها. فتكافؤ الفرص لا يتحقق بالنوايا وحدها، وإنما بقواعد تجعل التفضيل غير المشروع أصعب، وتتيح كشفه وتصحيحه حين يقع.
رابعا: ديمقراطية داخل الأحزاب قبل المطالبة بالثقة خارجها.
على الأحزاب أن تجعل اختيار مسؤوليها ومرشحيها أكثر شفافية، عبر معايير معلنة تراعي الكفاءة والنزاهة والتجربة والعمل الميداني، مع تمكين التنظيمات الشبابية من صلاحيات حقيقية في إعداد البرامج وتقييم السياسات. ويمكن اعتماد مسارات تكوين سياسي مفتوحة، وانتخابات داخلية تنافسية حيث تسمح القواعد التنظيمية، ونشر تقارير عن مشاركة الشباب في الأجهزة القيادية والهيئات التقريرية واللوائح الانتخابية.
كما ينبغي الفصل بين النقد الداخلي المشروع وبين السلوك المخالف لقواعد التنظيم. فمن حق الحزب أن يطلب من أعضائه احترام قراراته وفق قوانينه، لكن ليس من مصلحته أن يعاقب كل رأي مخالف أو أن يجعل الولاء الشخصي معيارا للترقي. فالشباب الذين يمتلكون القدرة على الاعتراض بالحجة هم أنفسهم الذين يمكن أن يطوروا بدائل سياسية أكثر نضجا.
والأهم أن تفتح الأحزاب فضاءاتها أمام الباحثين والطلبة والمهنيين والفاعلين الجمعويين، لا لاستعمالهم في تزيين الواجهات، بل لإشراكهم في إعداد البرامج ودراسة الميزانيات وصياغة المقترحات التشريعية. فالكفاءة التي لا تجد مكانا داخل الحزب قد لا تعود إليه بمجرد توجيه دعوة جديدة.
خامسا: إشراك الشباب في القرار، لا في الاستشارة الشكلية فقط.
يمكن إحداث مجالس شبابية محلية وجهوية ذات قواعد واضحة في التمثيل والاختيار، وربطها بالمجالس المنتخبة والقطاعات الحكومية، مع إلزام الجهات المعنية بنشر ردود معللة على توصياتها. كما يمكن تنظيم جلسات استماع دورية للشباب حول مشاريع الميزانيات المحلية وخطط النقل والتشغيل والتكوين، وإتاحة آليات للمشاركة الرقمية والحضورية.
لكن ينبغي الحذر من إنشاء هيئات جديدة لا تملك سوى إصدار التوصيات. فالمشاركة المؤثرة تتطلب أجندة معلنة، وحق الوصول إلى المعلومات المتاحة قانونا، وآجالا للرد، وآلية لتتبع تنفيذ المقترحات. كما يجب أن تشمل هذه المشاركة الشباب خارج التنظيمات الحزبية، حتى لا تتحول المجالس الشبابية إلى امتداد للتوازنات نفسها التي يفترض أن تراجعها.
سادسا: توزيع الفرص بعدالة ترابية واجتماعية.
لا يمكن بناء سياسة ناجعة للشباب من مركز واحد وبمنطق موحد. فحاجات المناطق القروية تختلف عن حاجات المدن الكبرى، وحاجات الشابات اللواتي تعترضهن صعوبات التنقل والرعاية تختلف عن حاجات فئات أخرى. لذلك ينبغي توجيه البرامج وفق تشخيص ترابي دقيق، وتوسيع خدمات التوجيه والتكوين والنقل والحضانة، وإتاحة مسارات تأهيل للشباب الذين غادروا المدرسة دون شهادة، بدل تركهم خارج منظومة التعليم والتشغيل والتكوين.
ويجب أن تتضمن كل سياسة عمومية مؤشرات مفصلة حسب الجنس والعمر والمجال الترابي والمستوى التعليمي، حتى نعرف من يستفيد فعلا ومن يبقى خارج التغطية. فالمعدل الوطني قد يخفي تفاوتات عميقة، والبرنامج الذي ينجح في مدينة كبرى قد لا ينجح بالطريقة نفسها في منطقة قروية أو هامشية.
السياسة ليست فن إرضاء المسؤول، بل فن خدمة المجتمع
قد تقول الأحزاب إن الشباب لا ينخرطون بما يكفي، وقد تقول المؤسسات إن البرامج متاحة وإن الاستفادة تتطلب شروطا ومساطر، وقد يحمل بعض الشباب جزءا من المسؤولية بسبب ضعف المشاركة أو نقص المبادرة. لكن النقاش الجاد لا ينبغي أن يتحول إلى تبادل للاتهامات. فالمطلوب هو أن يفحص كل طرف مسؤوليته: هل توفر الدولة فرصا عادلة وقابلة للقياس؟ هل تفتح الأحزاب فضاء حقيقيا للتنافس الفكري؟ هل تتيح المؤسسات قنوات للمشاركة والمحاسبة؟ وهل يحصل الشباب على التكوين والمعلومة والأدوات التي تمكنهم من المشاركة الفعالة؟
ومن الخطأ أيضا تقديم الشباب باعتبارهم كتلة واحدة ذات رأي واحد أو انتظارات متطابقة. بينهم من يريد العمل، ومن يريد تأسيس المقاولات، ومن يطمح إلى البحث العلمي، ومن يفضل العمل الجمعوي، ومن يرغب في ممارسة السياسة، ومن لا يرى نفسه داخل الأحزاب أصلا. والسياسة العمومية الرشيدة هي التي تعترف بهذا التنوع وتوفر لكل فئة مسارا مناسبا، دون أن تفرض عليها نموذجا واحدا للنجاح أو المشاركة.
إن المغرب لا يحتاج إلى شباب يرددون الخطاب نفسه بوجوه جديدة، بل إلى مؤسسات تستطيع الاستفادة من اختلافهم وتنافسهم وأفكارهم. ولا يحتاج الحزب إلى أعضاء يجيدون التصفيق بقدر حاجته إلى من يستطيعون قراءة مشروع قانون، وتحليل ميزانية، وفهم أثر قرار على الفئات الهشة، واقتراح بديل قابل للتنفيذ. فالممارسة السياسية ليست مسابقة في الولاء، وإنما مسؤولية في التشخيص والاختيار والمحاسبة.
إن معيار النجاح ليس أن يتصدر الشباب الصور، بل أن يصبحوا شركاء في تحديد الأولويات. وليس أن تزداد أعدادهم في الاجتماعات، بل أن تتحسن قدرتهم على التأثير في القرارات. وليس أن ترتفع ميزانيات البرامج الموجهة إليهم فقط، بل أن تنخفض معدلات الإقصاء، وتتوسع فرص العمل اللائق، وتتحسن جودة التكوين، وتصبح قواعد الاستفادة أكثر شفافية وعدالة.
الخاتمة: من يفتح الباب للشباب، عليه أن يقبل أيضا بأفكارهم
إن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه المؤسسات والأحزاب هو أن تطلب من الشباب الثقة دون أن تمنحهم أسبابها، وأن تطالبهم بالمشاركة ثم تضيق ذرعا بأسئلتهم، وأن تدعوهم إلى تحمل المسؤولية بينما تترك القرار الفعلي في أيدي دوائر لا تتجدد. ففتح الباب لا يعني السماح للشاب بالدخول فقط؛ بل يعني أن يجد داخله فرصة حقيقية للتعلم والاقتراح والمنافسة والتأثير، وأن يكون قادرا على التقدم بفضل كفاءته، لا بسبب مقدار صمته أو مهارته في إرضاء الآخرين.
والأحزاب التي تخشى النقد الداخلي قد تكسب هدوءا مؤقتا، لكنها تحرم نفسها من فرصة تصحيح أخطائها وتجديد أفكارها. والمؤسسات التي تكتفي بإحصاء المستفيدين قد تنجح في تقديم حصيلة إدارية، لكنها لا تستطيع وحدها إثبات أن سياساتها أحدثت تحولا اجتماعيا. أما الشباب الذين يرغبون في التغيير، فعليهم بدورهم أن يحولوا الغضب إلى معرفة، والانتقاد إلى مقترحات، والمشاركة إلى عمل منظم ومحاسبة مستمرة.
إن المعركة الحقيقية ليست بين جيل وآخر، ولا بين الشباب والأحزاب في حد ذاتها، بل بين منطق يجعل الاستحقاق أساسا للمسؤولية، ومنطق يسمح للعلاقات والولاءات بأن تزاحمه. وليست القضية أن نمنح الشباب مقاعد رمزية، بل أن نبني مؤسسات لا تخشى وصولهم إلى مواقع القرار حين تتوفر فيهم الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
فحين يصبح التطبيل أقصر طريق إلى الترقي، يخسر الحزب قدرته على التفكير، وتخسر الدولة فرصة الاستفادة من كفاءاتها، ويخسر المجتمع ثقته في عدالة قواعده. أما حين تصبح الفكرة أقوى من العلاقة، والكفاءة أسبق من الولاء، والمحاسبة أصدق من الشعارات، فإن تمكين الشباب ينتقل من وعد سياسي إلى ممارسة مؤسساتية قابلة للقياس.
وعندها فقط يمكن أن نقول إن الأبواب فتحت فعلا: ليس لأن الشباب دخلوا القاعات، بل لأنهم أصبحوا قادرين على تغيير ما يجري داخلها.





