لكريني: تسوية نزاع الصحراء تتطلب استثمار التحولات القانونية والدبلوماسية

اعتبر إدريس لكريني، الخبير في العلاقات الدولية ومدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش، أن القرار الأخير لمجلس الأمن بشأن قضية الصحراء المغربية يشكل منعطفا في مسار هذا النزاع، بالنظر إلى ما يتضمنه من تأكيد على مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساسا للتوصل إلى حل، مبرزا أن هذا التطور يعكس انتقالا من مرحلة الترافع استنادا إلى الشرعية التاريخية إلى مرحلة تتعزز فيها المشروعية الدولية من خلال القرارات الأممية.
وأوضح لكريني، في مداخلة خصصها لموضوع “قضية الصحراء المغربية بعد القرار 2797.. من الشرعية التاريخية إلى المشروعية الدولية”، أن استحضار ذكرى المسيرة الخضراء وذكرى الوحدة يكتسي أهمية خاصة في ضوء التحولات التي تعرفها القضية، لاسيما أن المناسبة الأولى تستحضر محطة تاريخية جسدت، بحسبه، أسلوبا سلميا وحضاريا في تدبير النزاعات واسترجاع الأقاليم الجنوبية، بينما ترتبط المناسبة الثانية بالتطورات التي شهدها مسار الملف على مستوى مجلس الأمن، وما تحمله من دلالات بشأن مستقبل تسويته.
وسجل الخبير في العلاقات الدولية أن القرار الأممي الأخير يكتسب أهميته من تأكيده على مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، معتبرا أن الأمر يتعلق بتطور يعزز مكانة هذا المقترح في المسار السياسي الرامي إلى إيجاد تسوية للنزاع، ويكرس، في نظره، أهمية الحلول الواقعية والمستدامة بدل الاستمرار في خيارات لم تتمكن من إنهاء الخلاف.
وأضاف أن هذا التحول لا يمكن فصله عن الجهود التي بذلها المغرب على المستويين الداخلي والخارجي، سواء من خلال المشاريع التنموية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، أو عبر التحركات الدبلوماسية التي استهدفت توضيح الموقف المغربي وكسب مزيد من الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، مؤكدا أن القرار الأممي لم يكن، وفق قراءته، نتيجة موقف عابر أو مجاملة، وإنما جاء في سياق تراكم مجموعة من العوامل السياسية والدبلوماسية والتنموية.
تحولات تدبير النزاع
وشدد لكريني على أن فهم أهمية القرار الأخير يقتضي استحضار المكانة التي يحتلها مجلس الأمن داخل منظومة الأمم المتحدة، بالنظر إلى اختصاصاته الواسعة في مجال الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وقدرته على التحرك في إطار التسوية السلمية للنزاعات، فضلا عن اتخاذ تدابير أخرى متى اقتضت الضرورة ذلك.
وأوضح أن مجلس الأمن أصدر، على امتداد السنوات الماضية، مجموعة من القرارات المتعلقة بقضية الصحراء المغربية، غير أن المرحلة التي أعقبت تقديم المغرب مقترح الحكم الذاتي شهدت، بحسبه، تحولا في لغة هذه القرارات وفي طبيعة المقاربة المعتمدة لتدبير الملف، من خلال التركيز على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وتوافقي.
وأشار المتحدث إلى أن أهمية القرار الأخير لا تقتصر على مضمونه المباشر، بل تمتد إلى ما يمكن أن يوفره من مرجعية دولية للدول التي ظلت مترددة في التعبير عن مواقف واضحة بشأن النزاع، إذ أصبح بإمكانها الاستناد إلى توجه مجلس الأمن في تحديد مواقفها من المبادرة المغربية.
واعتبر أن التحولات التي شهدتها مواقف عدد من الدول الأوروبية والإفريقية تعكس، في قراءته، تنامي الاقتناع بأهمية مقترح الحكم الذاتي، لافتا إلى أن القرار الأممي يوفر أرضية يمكن توظيفها لتعزيز الترافع المغربي وتوسيع دائرة الدول الداعمة لهذا المقترح.
وفي هذا السياق، أبرز لكريني أن مقاربة مجلس الأمن للقضية لم تتشكل بصورة مفاجئة، وإنما جاءت نتيجة تطورات متراكمة، من بينها المبادرات الدبلوماسية المغربية، والمشاريع التنموية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، فضلا عن التحولات التي شهدها النقاش الدولي حول سبل إنهاء النزاع.
وأضاف أن المغرب استطاع، من خلال تحركاته الخارجية، الدفع نحو إبراز مقترحه باعتباره أرضية عملية للتسوية، خصوصا في ظل المخاوف التي أثيرت بشأن استمرار النزاع وانعكاساته المحتملة على الاستقرار الإقليمي.
الحكم الذاتي.. بين التدبير والوحدة
وفي حديثه عن مقترح الحكم الذاتي، أوضح لكريني أن فهم خلفياته ومضامينه يقتضي العودة إلى السياق الذي ظهر فيه، مشيرا إلى أن قضية الصحراء المغربية بلغت، خلال مرحلة من تسعينيات القرن الماضي، حالة من الجمود، وسط تزايد المخاوف من احتمال تجدد المواجهات العسكرية وتهديد الاستقرار في المنطقة.
واستحضر في هذا الإطار استقالة المبعوث الأممي جيمس بيكر، باعتبارها مؤشرا على الصعوبات التي واجهت الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية، إلى جانب تصاعد المخاوف من العودة إلى الخيار العسكري، في وقت كانت فيه الأمم المتحدة والقوى الدولية الكبرى تبحث عن مخرج يضع حدا للنزاع.
وأضاف أن التحولات التي أعقبت أحداث 11 شتنبر 2001 عززت الاهتمام الدولي بمخاطر بؤر التوتر، في ظل تنامي الاقتناع بأن استمرار النزاعات الإقليمية يمكن أن يوفر بيئة ملائمة لانتعاش الحركات المتطرفة والإرهابية، وهو ما زاد الحاجة إلى حلول سياسية قادرة على الحد من أسباب عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، قدم المغرب مقترح الحكم الذاتي باعتباره تصورا يقوم على تدبير السكان لشؤونهم المحلية في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة، موضحا أن هذا النموذج يختلف عن اللامركزية الإدارية التي تقوم على توزيع الاختصاصات الإدارية والمالية، إذ يرتبط الحكم الذاتي، بحسب شرحه، بتقاسم السلط وإحداث مؤسسات وهيئات تتولى تدبير الشؤون المحلية.
وأكد لكريني أن المقترح المغربي لا يقوم على منح صلاحيات إدارية ومالية فقط، بل يتصور إقامة مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية، بما يتيح للسكان تدبير شؤونهم في إطار من الحرية، مع الحفاظ على مقومات السيادة الوطنية والوحدة الترابية.
واعتبر أن جوهر هذا التصور يكمن في تحقيق التوازن بين تمكين السكان من تدبير شؤونهم المحلية والحفاظ على وحدة الدولة، مشيرا إلى أن الحكم الذاتي ليس نموذجا غريبا عن التجارب الدولية، بل تعتمد دول متعددة آليات مماثلة لتدبير التنوع المجتمعي ومواجهة الاختلالات المجالية وتحقيق التنمية.
واستشهد في هذا السياق بتجارب عدد من الدول، من بينها إسبانيا وألمانيا، موضحا أن آليات الحكم الذاتي تختلف باختلاف الأنظمة الدستورية والسياسية، لكنها تظل من بين الخيارات التي تلجأ إليها الدول لتدبير التنوع وضمان مشاركة السكان في إدارة شؤونهم.
وأضاف أن مقترح الحكم الذاتي المغربي يقوم على التفاوض، ويتيح، وفق التصور الذي قدمه، وضع ترتيبات لتدبير الشؤون المحلية تستجيب لخصوصيات المنطقة، مع ضمان الحقوق والحريات الفردية والجماعية وتوفير الإمكانات اللازمة لتحقيق التنمية.
وشدد على أن المقترح يستمد أهميته أيضا من ارتباطه بمبدأ تقرير المصير، الذي يدرسه في إطار القانون الدولي، موضحا أن هذا المبدأ برز أساسا في سياق التحرر من الاستعمار، غير أن تطبيقاته لا يمكن اختزالها في الانفصال أو إقامة دول مستقلة خارج الأطر التي يحددها القانون الدولي.
وبحسب لكريني، فإن الحكم الذاتي يمكن أن يشكل آلية لممارسة تقرير المصير من خلال تمكين السكان من تدبير شؤونهم بحرية، دون أن يعني ذلك بالضرورة الانفصال عن الدولة التي ينتمون إليها.
رفض الانفصال
وتوقف الخبير في العلاقات الدولية عند ما اعتبره تنامي الاقتناع الدولي بمحدودية الخيارات الانفصالية، مؤكدا أن مقترح الحكم الذاتي جاء، في قراءته، ليقدم بديلا عمليا عن مسارات يمكن أن تفضي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
وأوضح أن التعامل مع حق تقرير المصير باعتباره مبررا تلقائيا للانفصال، استنادا فقط إلى الخصوصيات اللغوية أو الثقافية أو المجتمعية، ينطوي على اختزال لهذا المبدأ، مشيرا إلى أن القانون الدولي يولي أهمية أيضا للحفاظ على وحدة الدول واستقرارها.
واستحضر في هذا الإطار موقف مجلس الأمن من محاولة انفصال إقليم كاتانغا سنة 1961، معتبرا أن هذا المثال يعكس عدم اعتبار تقرير المصير مرادفا لتفكيك الدول، كما أشار إلى تجارب أخرى شهدت رفضا دوليا للتوجهات الانفصالية، من بينها إقليم كتالونيا في إسبانيا وإقليم كردستان العراق.
وأضاف أن تجربة جنوب السودان تقدم، بحسب تقييمه، مثالا على الصعوبات التي يمكن أن تواجهها الدول والمجتمعات بعد الانفصال، مبرزا أن الاستقلال لا يضمن بصورة تلقائية تحقيق التنمية أو الديمقراطية أو تجاوز النزاعات الداخلية.
واعتبر أن الانفصال قد يفتح الباب أمام أزمات وصراعات جديدة، بما ينعكس سلبا على السلم والأمن الدوليين، محذرا من أن تحويل كل اختلاف لغوي أو ثقافي أو ديني إلى مبرر للانفصال من شأنه أن يهدد استقرار عدد كبير من الدول والمناطق عبر العالم.
وفي هذا السياق، أشار لكريني إلى أن استمرار النزاعات الانفصالية لا يخدم بالضرورة مصالح السكان، بل قد يعمق هشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مؤكدا أن الحلول السياسية التي توازن بين الخصوصيات المحلية ووحدة الدول تظل، في نظره، أكثر قدرة على توفير الاستقرار المستدام.
كما تطرق إلى موقف الجزائر من قضية الصحراء المغربية، معتبرا أن دعم التوجهات الانفصالية يطرح تساؤلات بشأن انعكاساته على استقرار المنطقة، بالنظر إلى ما تعرفه المجتمعات من تنوع ثقافي ولغوي ومجالي.
دبلوماسية الخطوط الحمراء
وفي معرض تحليله للعوامل التي ساهمت في تعزيز موقع المغرب على المستوى الدولي، تحدث لكريني عن ما سماه “دبلوماسية الخطوط الحمراء”، موضحا أن المغرب عمل على جعل قضية وحدته الترابية محددا أساسيا في علاقاته الخارجية، من خلال التعبير عن رفضه للمواقف التي اعتبرها مناقضة لمصالحه الوطنية.
واستحضر في هذا الإطار محطات شهدت توترا في العلاقات المغربية مع عدد من الدول، من بينها فرنسا وإسبانيا وألمانيا وتونس، مشيرا إلى أن ردود الفعل المغربية ساهمت، بحسب قراءته، في إعادة توضيح الموقف الرسمي من قضية الصحراء المغربية ودفع بعض الشركاء إلى مراجعة مواقفهم.
وأضاف أن التحولات التي عرفتها مواقف فرنسا وإسبانيا وألمانيا تجاه القضية تعكس، في نظره، أهمية الدبلوماسية المغربية في الدفاع عن الوحدة الترابية، معتبرا أن بناء علاقات متوازنة مع الشركاء ينبغي أن يستند إلى الانسجام بين المصالح الاقتصادية والمواقف السياسية ذات الصلة بالقضايا الوطنية الأساسية.
وأوضح أن المغرب بات يؤكد ضرورة قيام شراكات متكاملة ومتوازنة، بدل العلاقات الانتقائية التي تفصل بين التعاون الاقتصادي والمواقف المرتبطة بالوحدة الترابية، مشددا على أن السياسة الخارجية المغربية سعت إلى جعل هذا المبدأ جزءا من محددات علاقاتها مع شركائها.
كما أبرز أن التحرك الدبلوماسي المغربي شمل مواجهة عدد من الملفات المرتبطة بالنزاع، من بينها محاولات توسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو” لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، فضلا عن النقاش المتعلق باستغلال الثروات الطبيعية في الأقاليم الجنوبية.
وفي ما يتعلق بالتنمية، أكد لكريني أن المغرب استند إلى الاستثمارات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية لتقديم حججه بشأن تدبير المنطقة، مشيرا إلى ما شهدته من مشاريع في البنيات التحتية والطرق والموانئ وغيرها من المنشآت، التي اعتبرها جزءا من الجهود الرامية إلى تعزيز التنمية وتحسين ظروف العيش.
وأضاف أن هذه المشاريع تكتسي أهمية في الترافع الدولي، لأنها تبرز، بحسبه، ارتباط قضية الصحراء المغربية أيضا بأبعاد تنموية واجتماعية، ولا تقتصر على الجوانب السياسية والقانونية وحدها.
وتحدث المتدخل كذلك عن قدرة المغرب على تدبير الأزمات التي عرفتها المنطقة، مستحضرا أحداث معبر الكركرات، التي اعتبرها مثالا على التعامل مع وضع كان يهدد حركة التجارة والاستقرار، مشيرا إلى أن المغرب استطاع تحويل هذه المحطة إلى فرصة لتعزيز مواقفه وكسب دعم عدد من الدول الإفريقية.
وسجل أن التطورات المرتبطة بمعبر الكركرات أظهرت، في قراءته، أهمية الجمع بين التحرك الميداني والتواصل الدبلوماسي، خصوصا عندما تكون الأزمات ذات انعكاسات تتجاوز الأطراف المباشرة للنزاع لتطال المبادلات التجارية والاستقرار الإقليمي.
لغة مجلس الأمن
وعاد لكريني إلى التحولات التي عرفتها لغة مجلس الأمن منذ تقديم المغرب مقترح الحكم الذاتي، مشيرا إلى أن قرار المجلس رقم 1754 الصادر في 30 أبريل 2007 شكل، بحسب قراءته، محطة بارزة في مسار تطور المقاربة الأممية، بعدما بدأت القرارات تركز على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وتوافقي.
وأوضح أن هذه التحولات شملت، وفق تحليله، تراجع مركزية خيار الاستفتاء في المقاربة المعتمدة، مع تنامي التركيز على المفاوضات والبحث عن تسوية سياسية مقبولة، فضلا عن إبراز مسؤولية الأطراف المعنية في الدفع بالعملية السياسية نحو الأمام.
وأضاف أن قرارات مجلس الأمن أولت أهمية متزايدة لدور الجزائر في النزاع، داعية إلى انخراط الأطراف المعنية بحسن نية في المسار السياسي، كما أكد أن التقارير الأممية التي استند إليها المجلس تناولت الوضع في الأقاليم الجنوبية، في مقابل ضرورة احترام وقف إطلاق النار وتجنب الخطوات التي يمكن أن تهدد الاستقرار.
واعتبر أن هذه العناصر تعكس انتقالا تدريجيا من مقاربة تركز على إدارة النزاع إلى مقاربة تستهدف التوصل إلى حل سياسي مستدام، مبرزا أن القرار الأخير يعزز هذا التوجه من خلال وضع مقترح الحكم الذاتي في صلب المسار الرامي إلى التسوية.
وفي هذا الإطار، رأى أن القرار رقم 2797 يمثل، وفق قراءته، منعطفا في مسار القضية، بالنظر إلى ما يوفره من مرجعية يمكن للدول الاستناد إليها في تحديد مواقفها، خصوصا تلك التي كانت تفضل التريث أو التعبير عن مواقف أقل وضوحا.
وأشار إلى أن هذا التطور قد يفتح المجال أمام مزيد من التقارب بين المواقف الدولية والمقترح المغربي، كما قد يعزز عزلة جبهة البوليساريو إذا استمرت في رفض الانخراط البناء في المسار السياسي، معتبرا أن رفض الحلول المطروحة والعودة إلى التلويح بالخيارات العنيفة من شأنهما تعقيد وضعها على المستوى الدولي.
وتطرق المتحدث إلى النقاش المرتبط بمسودة القرار الأممي التي أعدها الوفد الأمريكي، مشيرا إلى ما أثارته من اعتراضات لدى جبهة البوليساريو، ولا سيما ما يتعلق بالصياغات المرتبطة ببعثة المينورسو وطبيعة مهمتها. واعتبر أن هذه التطورات تعكس تحولات في النقاش الدولي حول كيفية مواكبة الملف، في ضوء المستجدات التي عرفها المسار الأممي.
وأضاف أن استمرار هذا الاتجاه قد يفضي إلى مواقف أممية أكثر تشددا تجاه الأطراف التي تعرقل جهود التسوية، كما قد يفتح المجال أمام مساءلة الأطراف المعنية بشأن مسؤولياتها السياسية والقانونية في حال عدم الانخراط بحسن نية في تنفيذ القرارات الأممية.
وشدد لكريني على أن المرحلة المقبلة ستظل مرتبطة بمدى قدرة الأطراف على التفاعل الإيجابي مع المرجعية التي أقرها مجلس الأمن، معتبرا أن أهمية القرار لا تكمن فقط في مضمونه، وإنما أيضا في إمكانات توظيفه لتقريب وجهات النظر وتعزيز فرص الوصول إلى تسوية دائمة.
من الشرعية إلى المشروعية
وفي ختام مداخلته، عاد لكريني إلى مفهوم الانتقال من الشرعية التاريخية إلى المشروعية الدولية، موضحا أن المغرب استند، منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى مجموعة من المرتكزات التاريخية والقانونية في دفاعه عن سيادته على الأقاليم الجنوبية.
وذكر، في هذا السياق، روابط البيعة التي ربطت المنطقة بسلاطين المغرب، مشيرا إلى أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية تناول طبيعة الروابط التي كانت قائمة بين المغرب والصحراء قبل الاستعمار، كما استحضر مشاركة أبناء الصحراء في مقاومة الاستعمار إلى جانب جيش التحرير، وممارسة المغرب لاختصاصاته السيادية في المنطقة قبل الاستعمار الإسباني.
وأوضح أن هذه المرتكزات ظلت حاضرة في الترافع المغربي، لكنها تكتسب، وفق قراءته، بعدا إضافيا مع تطور المواقف الأممية وتعزيز مكانة مقترح الحكم الذاتي في قرارات مجلس الأمن، وهو ما يتيح الانتقال من التركيز على الحجج التاريخية إلى الاستناد أيضا إلى مرجعية دولية تدعم المسار السياسي للتسوية.
واعتبر أن القرار الأممي الأخير يشكل أساسا إضافيا يمكن توظيفه في الدفاع عن الموقف المغربي، بالنظر إلى مكانة مجلس الأمن داخل منظومة الأمم المتحدة وما تتمتع به قراراته من أهمية في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين.
ولم يفصل لكريني هذا التطور عن الجهود التنموية والسياسية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، مشيرا إلى انخراط سكان المنطقة في الحياة السياسية ومساهمتهم في تدبير شؤونها، كما استحضر المشاركة الانتخابية التي قال إنها تسجل مستويات مرتفعة في الأقاليم الجنوبية مقارنة بمناطق أخرى.
وأكد أن الترافع بشأن القضية لا ينبغي أن يتوقف عند امتلاك الأسس التاريخية والقانونية، بل يتعين أن يمتد إلى حسن توظيفها في النقاش الدولي ومواجهة الحجج التي تقدمها الأطراف الأخرى، مبرزا أن الدبلوماسية تظل مجالا مفتوحا للتحرك والتنافس من أجل التأثير في المواقف الدولية.
كما نوه بدور الجامعة في هذا المسار، معتبرا أن انخراط المؤسسات الأكاديمية في ما يعرف بالدبلوماسية العلمية والجامعية يمكن أن يساهم في تعزيز الترافع المغربي، من خلال البحث العلمي وإنتاج المعرفة وتوضيح الأبعاد التاريخية والقانونية والسياسية للقضية.
وختم لكريني بالتأكيد على أن أهمية القرار الأممي ترتبط، في نهاية المطاف، بمدى القدرة على استثماره في تعزيز الموقف المغربي ومواصلة الترافع بشأن القضية، مشددا على أن توفر الأساس التاريخي والقانوني يظل خطوة أساسية، لكن تحويله إلى عنصر مؤثر في النقاش الدولي يقتضي عملا متواصلا وانخراط مختلف الفاعلين، بما في ذلك المؤسسات الجامعية والبحثية.





