سياسة

بعد “الكولخوزات والسوفخوزات”.. الزاهيدي: الحكومة تعيدنا لزمن “البلاشفة والمناشفة”

بعد “الكولخوزات والسوفخوزات”.. الزاهيدي: الحكومة تعيدنا لزمن “البلاشفة والمناشفة”

وجهت اعتماد الزاهيدي، النائبة عن فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، سهام النقد اللاذع لتوجهات الحكومة الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبرة أن عددا من اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية لا ينسجم مع الوعود التي قدمتها، ولا سيما في ما يتعلق بمعدل النمو، والإصلاح الضريبي، والدعم الاجتماعي، وتمويل قطاعي الصحة والتعليم.

وحذرت الزاهيدي، خلال مناقشة المشروع بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية اليوم الخميس، من أن الخطاب الحكومي بشأن الشركات الجهوية للتوزيع يعيد إلى الأذهان نماذج التدبير الاقتصادي التي اعتمدها الاتحاد السوفياتي، متسائلة عما إذا كان الأمر يتعلق بتوجه فعلي نحو تدخل الدولة في السوق أم بخطاب سياسي وانتخابي، ومعتبرة أن بعض مواقف الحكومة تعيد النقاش إلى زمن البلاشفة والمناشفة.

وفي ما يتعلق بالنمو الاقتصادي، سجلت المتحدثة أن المشروع المالي لسنة 2027 يتوقع تحقيق معدل نمو في حدود 3.7 في المائة، مقابل وعد سابق بتحقيق معدل يبلغ 5 في المائة على امتداد الولاية الحكومية، معتبرة أن الفارق بين الرقمين يطرح أسئلة بشأن قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها.

وأوضحت أن تحقيق متوسط نمو في حدود 5 في المائة خلال السنوات الخمس يقتضي تسجيل معدلات أعلى في السنوات المقبلة لتعويض الفارق، محذرة من صعوبة بلوغ هذا الهدف في ظل ارتباط الاقتصاد المغربي بالتساقطات المطرية وبالوضعية الاقتصادية للشريك الأوروبي، الذي يواجه بدوره تحديات اقتصادية واجتماعية.

وانتقدت الزاهيدي، في السياق ذاته، ما اعتبرته غياب رؤية تحفيزية واضحة للمقاولة الوطنية، خصوصا المقاولات الكبرى، محذرة من تنامي خطاب يشيطن هذه المقاولات رغم دورها في الاستثمار وخلق الثروة وتحقيق النمو الاقتصادي.

كما أثارت مسألة فرض رسم جمركي بنسبة 5 في المائة على بعض المنتجات المستوردة غير المحولة، من قبيل الإبر والأقلام وأجهزة الشحن، معتبرة أن هذا الإجراء قد ينعكس على الأسعار التي يتحملها المستهلك، في وقت تعلن فيه الحكومة سعيها إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطنين وتعزيز الدعم الاجتماعي.

وبخصوص الاستثمار العمومي، أشادت الزاهيدي بما وصفته بمجهود الحكومة السابقة في رفع حجمه، مشيرة إلى أنه ارتفع بنسبة 86 في المائة بين سنتي 2020 و2026، ليصل إلى نحو 380 مليار درهم.

وسجلت المتحدث ذاتها أن مشروع قانون المالية الجديد يرفع هذا الحجم إلى 400 مليار درهم، أي بزيادة قدرها 20 مليار درهم، متسائلة عن طبيعة المشاريع التي ستوجه إليها هذه الزيادة، وما إذا كانت ستخصص لتعزيز البنيات التحتية في المناطق التي تعاني خصاصا وتقليص الفوارق المجالية، أم ستوجه إلى المشاريع المرتبطة باستعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم.

واعتبرت أن تحديد وجهة هذه الاعتمادات يكتسي أهمية خاصة لضمان توزيع الاستثمارات بشكل متوازن، بما يساهم في الحد من الفوارق بين المجالات الترابية وتعزيز البنيات التحتية في المناطق التي تحتاج إليها.

الإصلاح الضريبي والدعم الاجتماعي

وفي ما يخص الإصلاح الضريبي، انتقدت الزاهيدي ما اعتبرته غموضا في كيفية استفادة الموظفين والأجراء من الإعفاءات المعلن عنها في الضريبة على الدخل، خصوصا الفئات التي تتراوح أجورها بين 5 آلاف و7 آلاف درهم.

وأوضحت أن الخطاب السياسي للحكومة خلق انتظارات لدى هذه الفئات بشأن تحسن دخلها الشهري، غير أن تفاصيل مشروع قانون المالية، بحسبها، لا توضح بما يكفي كيفية احتساب الاستفادة الفعلية، داعية إلى تقديم أمثلة رقمية مبسطة تبين مقدار التغيير الذي سيطرأ على الأجور الصافية.

واعتبرت أن عدم وضوح هذه المعطيات يثير تساؤلات بشأن مدى انسجام الخطاب الحكومي مع الإجراءات الفعلية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات، وما يفرضه ذلك من ضغط على القدرة الشرائية للأسر.

كما شككت في إعلان الحكومة الوفاء بجميع التزاماتها منذ السنة الأولى، مشيرة إلى أن الدعم الاجتماعي المباشر يبلغ، وفق قراءتها للمشروع، 600 درهم، في حين كانت الوعود السابقة تتحدث عن مبالغ تتراوح بين 500 و1000 درهم، مع زيادة سنوية قدرها 100 درهم، بما يعني بلوغ مستوى 1000 درهم في أفق سنة 2031.

وأثارت كذلك مسألة المعاشات، معتبرة أن بعض المتقاعدين الذين يتقاضون معاشات في حدود 1700 درهم لن يستفيدوا من الزيادة التي كانت منتظرة بالشكل الذي يلبي تطلعاتهم.

وفي المقابل، دافعت الزاهيدي عن حصيلة الحكومة السابقة في مجال الدعم الاجتماعي، مستحضرة تصريحات عمومية قالت إنها أقرت بوصول 280 مليار درهم إلى المغاربة عبر الدعم المباشر والزيادات في الأجور وصندوق المقاصة ودعم مهنيي النقل.

واعتبرت أن هذه التدابير تندرج ضمن بناء الدولة الاجتماعية، مشيدة بما وصفته بجرأة الحكومة السابقة في رفع الميزانيات المخصصة للقطاعات الاجتماعية، ومشيرة إلى أن الميزانية العامة للدولة ارتفعت، وفق الأرقام التي قدمتها، من نحو 400 مليار درهم إلى 700 مليار درهم خلال خمس سنوات.

الصحة والتعليم في صلب الانتقادات

وفي تقييمها للإنفاق الاجتماعي، توقفت نائبة “الأحرار” عند قطاع الصحة، مشيرة إلى أن ميزانيته ارتفعت من 19 مليار درهم سنة 2021 إلى 42 مليار درهم سنة 2026، مقابل زيادة لا تتجاوز ملياري درهم في المشروع المالي الجديد.

كما ذكرت أن البرنامج السابق شمل إنجاز أو برمجة 3000 مركز صحي للقرب، من بينها 1400 مركز قالت إنها أُنجزت، فيما تمت برمجة 1600 مركز آخر. وأشارت أيضا إلى مشاريع مستشفيات جامعية في سلا وأكادير والعيون، معتبرة أن المنظومة الصحية ما تزال بحاجة إلى استثمارات إضافية، من بينها مستشفيات جامعية في مدن كبرى مثل الدار البيضاء.

وأشادت بالإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي عرفها القطاع خلال الولاية السابقة، ولا سيما ما يرتبط بإحداث المجموعات الصحية الترابية وتحسين الوضعية الاجتماعية للأطباء والأطر الصحية، فضلا عن توسيع العرض الجامعي في مجال الطب ليشمل مناطق من المغرب العميق.

أما في قطاع التعليم، فانتقدت الزاهيدي ما اعتبرته غياب اهتمام واضح بالمدرسة في التصريح الحكومي، مشيرة إلى أن تعميم التعليم الأولي بلغ، بحسب الأرقام التي قدمتها، نسبة 83 في المائة خلال الولاية السابقة، مسجلة في هذا الصدد غياب تصور واضح، لتطوير هذا القطاع وتحسين أوضاع المربيات والمربين، كما ذكرت أن البرنامج السابق ترك ورش تعميم مؤسسات الريادة، إلى جانب تسوية ملف التعاقد في قطاع التعليم وتحسين أجور العاملين فيه.

وتساءلت الزاهيدي عن الإضافة التي ستقدمها الحكومة الحالية في هذا المجال، في ظل ما وصفته بالاستقرار الاجتماعي الذي تحقق في القطاع خلال الولاية السابقة، داعية إلى توضيح الرؤية الحكومية بشأن مواصلة الإصلاحات التعليمية.

محدودية الشركات الجهوية

وفي محور آخر، خصصت الزاهيدي حيزا من مداخلتها لانتقاد مشروع إحداث الشركات الجهوية للتوزيع، معتبرة أن التصور المعروض يثير مخاوف بشأن طبيعة تدخل الدولة في السوق، ومدى استحضاره للتجارب السابقة في تدبير الأنشطة الاقتصادية.

وشبهت هذه الشركات بنموذجي «الكولخوزات» و«السوفخوزات» اللذين ارتبطا بالتعاونيات والمزارع الجماعية في الاتحاد السوفياتي، معتبرة أن هذا التوجه قد يعيد المغرب إلى نماذج تدبير سبق أن جربها خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قبل أن تتجه البلاد لاحقا إلى الخوصصة.

وتساءلت عن الطبيعة القانونية والاقتصادية لهذه الشركات، وما إذا كانت ستعمل باعتبارها منصات للتوزيع أو وسطاء في السوق أو آليات لتدخل الدولة بشكل مباشر، كما أثارت مصير الأسواق الأسبوعية وأسواق الجملة التي قالت إن لها ارتباطا اجتماعيا واقتصاديا بالمجتمع المغربي.

وأكدت برلمانية “الحمامة” أن هذه التساؤلات تروم فهم طبيعة الإصلاح وأهدافه، وما إذا كان يؤسس لنموذج جديد لتدخل الدولة في السوق أو يندرج ضمن خطاب سياسي لا تتضح آليات تنزيله إلا بعد تقديم النصوص القانونية المنظمة له.

وفي السياق نفسه، انتقدت ما اعتبرته غموضا في بعض القرارات المرتبطة بالتعليم العالي، متسائلة عن مدى انسجام فرض رسوم تصل إلى 15 ألفا و20 ألف درهم على بعض الفئات مع الخطاب الحكومي الذي يؤكد حماية القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة.

كما أثارت تساؤلات بشأن دور ما وصفته بالنجاعة العمومية في تدبير الإنفاق العمومي، معتبرة أن أجهزة الرقابة القائمة، بما فيها المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية، تضطلع أصلا بأدوار في مراقبة التدبير وتقييم الإنفاق.

وطالبت بتوضيح طبيعة الاختصاصات الجديدة ومدى تكاملها مع المؤسسات القائمة، مستحضرة إحداث الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، ومتسائلة عن حدود التداخل المحتمل بين هذه الآليات.

واختتمت الزاهيدي مداخلتها بالتأكيد على أن الأرقام والالتزامات المعلنة ستظل موضوع تقييم ومحاسبة، مشيرة إلى أن الحكومة السابقة تركت، بحسبها، حصيلة في مجالات الاستثمار العمومي والدعم الاجتماعي وتمويل القطاعات الاجتماعية، مجددة التأكيد على أن التحدي المطروح أمام الحكومة الحالية يتمثل في تقديم بصمتها السياسية الخاصة وتوضيح أوجه الاختلاف بين اختياراتها والبرامج التي سبقتها، معتبرة أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يعكس، في نظرها، بالقدر الكافي ملامح تغيير المسار الذي تعهدت به الحكومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News