الحسيني: العلاقات المغربية الإسبانية محكوم عليها بالتطور رغم الخلاف بشأن سبتة ومليلية

اعتبر تاج الدين الحسيني، الخبير في العلاقات الدولية، أن العلاقات المغربية الإسبانية «محكوم عليها بأن تتطور نحو مستقبل أفضل»، رغم ما تثيره زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين من حساسيات لدى المغاربة، مؤكدا أن الروابط الجغرافية والاقتصادية والبشرية بين البلدين، إلى جانب المشاريع الاستراتيجية المشتركة، تفرض استمرار التعاون بين الرباط ومدريد، دون أن يعني ذلك تخلي المغرب عن حقوقه التاريخية والجغرافية في المدينتين.
وأوضح الحسيني في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الزيارة الإسبانية تمس المشاعر المغربية، مشيرا إلى أنها ليست المرة الأولى التي يقدم فيها العاهل الإسباني على خطوة من هذا النوع، إذ سبق للملك الإسباني أن زار إحدى المدينتين سنة 2007، وهي الزيارة التي أعقبتها ردود فعل مغربية قوية، تمثلت في استدعاء العاهل المغربي سفير المملكة في إسبانيا للتشاور، ما أدى إلى ظهور توتر واضح في العلاقات الثنائية.
وأضاف الخبير في العلاقات الدولية أن العلاقات المغربية الإسبانية ظلت، رغم الاختلافات القائمة بين الطرفين بشأن عدد من القضايا، محكومة بنوع من الاحترام المتبادل، بالنظر إلى الطابع التاريخي لهذه الخلافات، وما راكمه البلدان من علاقات تفاهم وتعاون على امتداد السنوات.
وفي هذا السياق، استحضر الحسيني ما أورده الملك الإسباني السابق خوان كارلوس في مذكراته بشأن موقف الملك الراحل الحسن الثاني من قضية سبتة ومليلية، موضحا أن العاهل المغربي الراحل كان قد أشار إلى أنه لن يطالب باسترجاع المدينتين في تلك المرحلة، تفاديا لإحراج الملك الإسباني في بداية عهده، على أن يتولى الملك فيليبي السادس والملك محمد السادس معالجة هذا الملف مستقبلا.
وبحسب الحسيني، فإن هذا الموقف عكس توجها يرمي إلى إبقاء الباب مفتوحا أمام معالجة قضية المدينتين المحتلتين، من دون أن يتنازل المغرب عن حقوقه التاريخية والجغرافية والحيوية فيهما، وفي الوقت نفسه من دون الإضرار بعلاقات التفاهم والتعاون القائمة مع إسبانيا.
وسجل المتحدث أن الملك الحسن الثاني وضع، في تصوره للعلاقات المغربية الإسبانية، تصورا مرتبطا بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة، إذ ربط بين احتمال استرجاع إسبانيا جبل طارق وإمكانية إعادة النظر في وضعية سبتة ومليلية، معتبرا أنه لن يكون من الممكن لإسبانيا، في حال استرجاع جبل طارق، التحكم في ضفتي البحر الأبيض المتوسط معا.
وأشار الحسيني إلى أن هذا التصور لم يقتصر على طرح القضية باعتبارها خلافا ثنائيا، بل شمل أيضا الدعوة إلى إحداث لجنة أو خلية مشتركة بين المغرب وإسبانيا للتفكير في الوسائل الكفيلة بإيجاد حل لهذا الملف في المستقبل، بما يسمح بالحفاظ على حقوق المغرب ومواصلة العلاقات الثنائية على أساس التفاهم والتعاون.
وبخصوص رد الفعل المغربي إزاء الزيارة الأخيرة، قال الخبير في العلاقات الدولية إن الجانب الرسمي المغربي لم يصدر، وفق ما لاحظه، رد فعل إيجابيا واضحا، مشيرا إلى أن رسالة التهنئة بمناسبة العيد الوطني الإسباني لم يظهر لها أثر في الإعلام المغربي، وهو ما اعتبره مؤشرا محتملا على موقف ذي طبيعة سلبية.
ومع ذلك، شدد الحسيني على أن التعامل مع هذه التطورات ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة العلاقات التي تجمع البلدين، خاصة أن الملك الإسباني أكد، خلال زيارته، روح التعاون واستمرار العلاقات الإيجابية بين المغرب وإسبانيا.
مشاريع استراتيجية تجعل التعاون ضرورة
وأكد الحسيني أن العلاقات بين الرباط ومدريد لا تقوم على الجوار الجغرافي وحده، بل تستند أيضا إلى مشاريع استراتيجية كبرى يُرتقب أن تعزز الروابط بين البلدين خلال السنوات المقبلة، معتبرا أن حجم المصالح المشتركة يجعل استمرار التعاون أمرا أساسيا بالنسبة إلى الطرفين.
وفي هذا الإطار، توقف الخبير عند مشروع الربط القار بين المغرب وإسبانيا، الذي من شأنه أن يربط أوروبا بإفريقيا عبر البلدين، معتبرا أن إنجاز هذا المشروع سيشكل حدثا فريدا من نوعه، بالنظر إلى أبعاده الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية.
كما أشار إلى استضافة المغرب وإسبانيا والبرتغال نهائيات كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، باعتبارها محطة إضافية لتعزيز التعاون بين البلدان الثلاثة، وفتح آفاق جديدة أمام المبادلات الاقتصادية والتجارية والاستثمارات المشتركة.
وأضاف أن مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب يمثل بدوره أحد الأوراش الاستراتيجية التي يمكن أن تعزز موقع المغرب في العلاقات الاقتصادية مع أوروبا، موضحا أنه في حال إنجاز هذا المشروع، الذي سيمر عبر نحو 14 دولة، يمكن لإسبانيا أن تضطلع بدور مهم في استقبال الغاز وتوزيعه على بلدان أوروبية أخرى.
واعتبر الحسيني أن المشاريع الصناعية والتجارية، إلى جانب التعاون الاقتصادي، تتيح إمكانات واسعة لتطوير العلاقات الثنائية، مبرزا أن إسبانيا أصبحت من أبرز المستثمرين في المغرب، وأن أكثر من ألف شركة إسبانية تنشط في المملكة.
ولفت المتحدث إلى أن العلاقات الاقتصادية لا تنفصل عن الروابط البشرية والاجتماعية بين البلدين، في ظل الحضور المهم للجالية المغربية في إسبانيا، فضلا عن حركة تنقل أفراد الجالية المغربية المقيمة بأوروبا عبر الأراضي الإسبانية خلال رحلات العودة إلى المغرب، خصوصا في الفترات التي تشهد ارتفاعا في حركة العبور.
وبحسب الحسيني، فإن هذه الروابط المتعددة تؤكد أن العلاقات المغربية الإسبانية تتجاوز الخلافات الظرفية، بالنظر إلى تشابك المصالح الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية بين البلدين.
وأضاف أن الجغرافيا تظل عنصرا ثابتا في العلاقات الدولية، لا يمكن تجاهله عند تدبير الخلافات بين الدول، محذرا من أن إغفال هذا المعطى قد تكون له انعكاسات على مستقبل العلاقات الثنائية.
موقف مدريد من الصحراء يعزز أسس الشراكة
وفي ما يتعلق بموقف إسبانيا من قضية الصحراء، اعتبر الحسيني أن موقف مدريد أصبح ثابتا، وفق تقديره، في دعم مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007، مشيرا إلى أن هذا الموقف يشكل أحد العناصر المهمة في تطور العلاقات بين البلدين.
وأوضح الخبير أن إسبانيا، باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة في الصحراء، تتوفر على معرفة تاريخية بالملف وتطوراته، بالنظر إلى مسؤوليتها السابقة عن الإقليم، وإشرافها على إحصاء السكان الصحراويين، فضلا عن طبيعة المؤسسات التي كانت تؤطر السلطة المحلية في تلك المرحلة.
وأضاف أن هذه الخلفية التاريخية تجعل إسبانيا على دراية بتعقيدات القضية وتداعياتها، معتبرا أن دعمها لمقترح الحكم الذاتي يندرج ضمن التطورات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة.
وفي معرض حديثه عن منح الجنسية الإسبانية لنحو 70 ألفا إلى 80 ألفا من الصحراويين، أشار الحسيني إلى أن هذه الخطوة قد تثير تساؤلات بشأن انعكاساتها المحتملة على الأوضاع في الصحراء وعلى العلاقات المغربية الإسبانية، لكنه استبعد أن تؤدي، في حد ذاتها، إلى تأثير جوهري على العلاقات الثنائية.
وأوضح أن المغرب لا يمنع مواطنيه، سواء كانوا من الأقاليم الجنوبية أو من مناطق أخرى من المملكة، من الحصول على جنسية أخرى، مضيفا أن اكتساب جنسية أجنبية لا يؤدي، بحسب ما أشار إليه، إلى فقدان الجنسية المغربية الأصلية.
وبناء على ذلك، اعتبر الحسيني أن مسألة منح الجنسية الإسبانية لهذه الفئات لا تبدو، في المرحلة الحالية، عاملا من شأنه التأثير بصورة حادة على العلاقات بين الرباط ومدريد، رغم ما قد تثيره من نقاشات بشأن تداعياتها المحتملة.
وشدد المتحدث على أن العلاقات المغربية الإسبانية تستند إلى مجموعة من المصالح المشتركة التي تتجاوز الملفات الخلافية، مؤكدا أن تطور الموقف الإسباني من قضية الصحراء يندرج ضمن العوامل التي ساهمت في تعزيز أسس التعاون بين البلدين.
قرار مجلس الأمن والحكم الذاتي
وفي ما يتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بقضية الصحراء، اعتبر الحسيني أن ما شهده الملف خلال الأشهر الماضية كان متوقعا في ضوء التحولات التي عرفتها طريقة التعاطي الدولي معه، متوقفا عند القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن، الذي وصفه بأنه يشكل منعطفا في مسار معالجة القضية داخل الأمم المتحدة.
وأوضح الخبير أن أهمية هذا التطور، وفق قراءته، تكمن في طبيعة التعاطي مع مقترح الحكم الذاتي وإمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة في معالجة الملف، معتبرا أن التطورات التي عرفها مجلس الأمن تفتح المجال أمام نقاش مختلف بشأن سبل تطبيق هذا المقترح.
وأشار الحسيني إلى أن الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية ينبغي، في تصوره، أن يمنح المغرب الصلاحية الكاملة لتطبيقه في الإقليم، مع إمكانية تنظيم استشارة شعبية بشأنه، على غرار ما تضمنه مشروع الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007.
وأضاف أن المقترح المغربي عرف تطورا من حيث التفصيل والمضمون، منتقلا من الصيغة الأولية التي جاءت في أربع صفحات إلى صيغة أكثر تفصيلا، قال إنها تضم 40 صفحة وجرى تقديمها إلى مجلس الأمن.
واعتبر أن تنظيم استشارة شعبية، في إطار التصور الذي عرضه، يمكن أن يشكل مرحلة ضمن المسار النهائي لمعالجة الملف، بما يتيح الانتقال من النقاش بشأن المبادئ العامة إلى بحث آليات التطبيق.
وختم الحسيني بالتأكيد على أن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية لا يمكن اختزاله في الخلاف بشأن سبتة ومليلية، رغم حساسية هذا الملف بالنسبة إلى المغرب، مبرزا أن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية والروابط البشرية بين البلدين تظل عوامل أساسية في تحديد مسار العلاقة بينهما.
وبحسب الخبير في العلاقات الدولية، فإن الحفاظ على التعاون بين الرباط ومدريد لا يعني التخلي عن الحقوق المغربية في المدينتين المحتلتين، كما أن استمرار الخلاف بشأنهما لا يلغي الحاجة إلى تطوير الشراكة الثنائية، في ظل المشاريع المشتركة والتحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة.
واعتبر أن هذه المعطيات تجعل العلاقات المغربية الإسبانية، رغم ما قد تعرفه من توترات مرتبطة بقضايا تاريخية وسياسية، «محكوم عليها بأن تتطور نحو مستقبل أفضل».





