رأي

بنكيران يعيد تأطير المعركة السياسية لـ”العدالة والتنمية” مع “الأصالة والمعاصرة”

بنكيران يعيد تأطير المعركة السياسية لـ”العدالة والتنمية” مع “الأصالة والمعاصرة”

حاول عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلال لقائه بالفريق النيابي للحزب يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، إعادة تأطير الصراع مع حزب الأصالة والمعاصرة، ولكن ليس من خلال حدة الخطاب السياسي فحسب، وإنما في إعادة المعركة إلى جذورها الأولى، حيث لم يكن هذا الصراع السياسي مجرد تنافس بين حزبين على تدبير الشأن العام، بل مواجهة بين تصورات مختلفة حد التناقض، للسلطة والدولة، وبين مرجعيات وأفكار وقيم ومبادئ في الحكم.

فالمعركة مع الأصالة والمعاصرة، حسب ما يُفهم من خطاب بنكيران، ليست معركة التزامات وإنجازات حكومية في مقابل أخرى، ولا سجالا حول نجاعة السياسات العمومية وحدها، وإنما هي معركة حول طبيعة الاختيار السياسي الذي ينبغي أن يحكم المغرب، وحول حدود التنافس الحزبي وعلاقته بالدولة ومؤسساتها ومرجعياتها الجامعة.

ولعل أقوى ما في هذا التأطير المتجدد، هو استحضار تجربة جماعة الاتحاد والترقي التي ارتبطت بالإطاحة بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، باعتبارها مدخلا للتحذير من المسارات التي قد تنطلق من ادعاء شعارات في إطار التنافس على السلطة او حمايتها، لتنتهي إلى إعادة تشكيل موازينها ومرجعياتها.

هذه المقارنة السياسية، أو الاحالة التاريخية، تستمد قوتها من نقل النقاش من سؤال من يرأس الحكومة إلى سؤال أعمق، يتعلق بطبيعة المشروع الذي يسعى إلى توسيع نفوذه، وإلى أي حدود يمكن أن يمتد هذا النفوذ.

وهنا تتجلى دقة الرسالة السياسية لبنكيران، فهو لا يكتفي بمواجهة حزب الأصالة والمعاصرة في ساحة التنافس الانتخابي، بل يسعى إلى نزع مساحيق التجميل التي يضعها ليواري خطيئة نشأته وخلفياته السياسية، وإعادة وضعه أمام الأسئلة التي رافقت تشكله منذ البداية.

كما يلوّح بنكيران بالتحذير من أن تمدد الأصالة والمعاصرة، إذا لم يتوقف عند حدود رئاسة الحكومة وتسييرها، فقد يثير أسئلة أكثر حساسية تتصل بإمارة المؤمنين والملكية، باعتبارهما من ثوابت النظام الدستوري المغربي ومرتكزات شرعيته.

وفي مستوى آخر من هذا التأطير، يسعى بنكيران إلى قطع الطريق على محاولة الأصالة والمعاصرة تحويل الإجراءات الاجتماعية المضمنة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، إلى رصيد سياسي خالص، أو تقديمها باعتبارها ابداعا او جرأة سياسية، في وقت يعتبرها مجرد وسيلة لحجب الأسئلة المتعلقة بطبيعة المشروع السياسي للبام وخلفياته.

بهذا التفسير، يعيد بنكيران ترتيب أولويات المواجهة مع حزب الأصالة والمعاصرة، فقبل تقييم ما تقدمه الحكومة للمواطن، ينبغي مساءلة المشروع الذي يقودها، وقبل الانشغال بعائد الإجراءات الاجتماعية انتخابيا، ينبغي التمييز بين واجب الدولة في الاستجابة لحاجات المجتمع وفئاته المستحقة، وبين توظيف تلك الاستجابة لتوسيع النفوذ الحزبي.

إنها محاولة لنقل المعركة من ملعب تدبير السياسات العمومية، حيث يسهل تسويق الإنجازات والوعود، إلى ملعب الأفكار والمرجعيات وطبيعة السلطة وحدودها،  وهناك تحديدا يريد بنكيران أن يضع الأصالة والمعاصرة في مواجهة تاريخه وأسئلة نشأته، لا أن يتركه يختبئ خلف واجهة اجتماعية أو التزامات حكومية ربما توفر لها الإمكانات من هنا وهناك، لتصبح واقعا ملموسا.

فالمعركة، كما يعيد بنكيران تأطيرها، ليست فقط حول من يرأس الحكومة، بل حول طبيعة المشروع الذي يحكم، والمرجعية التي يستند إليها، والحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News