التواصل في عصر الخوارزميات.. ندوة دولية بالرباط تناقش التضليل والثقة والمسؤولية

في سياق التحول الرقمي وتأثير الذكاء الاصطناعي على حقل التواصل بالمغرب، انطلقت صباح اليوم الاثنين، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أشغال الدورة الثامنة للندوة الدولية “التواصل والفضاء العمومي بالمغرب (CEPUM)”، التي تنظمها شعبة علوم التواصل وتقنياته يومي 26 و27 أكتوبر 2026، بمشاركة أكاديميين وباحثين وطلبة دكتوراه ومهنيين من المغرب وخارجه.
ويأتي هذا المحفل العلمي في سياق تتسم فيه البيئة الرقمية بإعادة تشكيل طرق إنتاج المعلومات وتداولها، وفرض تحديات جديدة على المؤسسات والمهنيين، سواء من حيث سرعة التفاعل مع الجمهور أو ضمان موثوقية الرسائل ومصداقية المحتوى.
كما تثير هذه التظاهرة قضايا توظيف الذكاء الاصطناعي والإشكالات المرتبطة بالتضليل المعلوماتي والتحيزات الخوارزمية وحماية المعطيات الشخصية، فضلا عن الضوابط الأخلاقية المؤطرة لاستخدام التكنولوجيا.
وخلال الجلسة الافتتاحية، أكد زكرياء بودحيم، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أن استمرار تنظيم هذه الندوة العلمية، التي تبلغ هذه السنة نسختها الثامنة، يعكس استجابة المحفل للحاجة الحقيقية إلى تعزيز النقاش وتبادل الخبرات بين الباحثين والأساتذة وطلبة الدكتوراه والمهنيين.
وأوضح بودحيم في كلمته بالمناسبة أن الجامعة تشكل فضاء يكتسب حيويته من اللقاء والتفاعل بين مكوناته، مشيرا إلى أن حضور مؤسسات جامعية وثقافية وجمعوية في هذه التظاهرة يبرز أن الاتصال لا يقتصر على المجال الأكاديمي، بل يمتد إلى الثقافة والتربية والحياة الجمعوية، منوها في هذا السياق، بمشاركة باحثين ومهنيين قدموا من مدن مغربية مختلفة ومن خارج المغرب.
وأضاف عميد الكلية التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط أن موضوع هذه الدورة يجسد التحولات المتسارعة التي يشهدها حقل التواصل، خاصة مع انتقال الذكاء الاصطناعي من موضوع للنقاشات النظرية والمؤتمرات إلى أداة يستخدمها عدد متزايد من المهنيين في المجال.
وأورد أن هذا المعطى يغير طبيعة مهنة التواصل والكفاءات المطلوبة لممارستها، مبينا أن هذه التغيرات تفتح آفاقا جديدة، لكنها تطرح، في المقابل، أسئلة أساسية تتعلق بجودة التكوين، ومواجهة التضليل الإعلامي، وفهم الخوارزميات، وحماية المعطيات الشخصية، وتحديد المسؤولية عن المحتوى الذي تنتجه الأنظمة الرقمية.
وشدد عميد الكلية على أن الجامعة مطالبة بمواكبة هذه التطورات عن كثب، من خلال مقاربة نقدية ومتوازنة، بعيدا عن التخوف المفرط أو الانبهار غير المشروط بالتكنولوجيا، مؤكدا أن مسؤولية المؤسسة الأكاديمية تتمثل في إعداد طلبة قادرين على التحكم في الأدوات التكنولوجية.
من جانبها، أكدت سمية المنديلي، رئيسة شعبة علوم التواصل وتقنياته بالكلية ذاتها، أن التحولات الرقمية وتطور الذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل ممارسات التواصل ومهنه، فضلا عن تأثيرهما في طبيعة العلاقات بين المؤسسات والمنظمات والمواطنين، مبرزة أن هذا المعطى يطرح تساؤلات جوهرية بشأن مكانة الإنسان والثقة والأخلاقيات والمسؤولية في بيئات اتصالية يتزايد اعتمادها على التكنولوجيا.
وأردفت المنديلي أن محاور هذه الدورة تتيح مناقشة تطور الفضاءات العامة والممارسات الاتصالية، ودور الرقمنة في إحداث أشكال جديدة من المشاركة المواطنة، فضلا عن انعكاسات الذكاء الاصطناعي على المهن والكفاءات والتكوين، والتحولات التي تعرفها العلوم الإنسانية الرقمية وعلاقة الإنسان بالمعرفة.
وتشمل محاور الندوة كذلك وفق المسؤولة نفسها التواصل الترابي والحكامة، وما يرتبط بهما من رهانات القرب والوساطة وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين، فضلا عن جودة الممارسات داخل المنظمات، لافتة الانتباه إلى أن هذه الجودة لا تقتصر على فعالية الخدمات، بل تشمل أيضا الإنصات إلى الأطراف المعنية، والشفافية، والتطوير المستمر لأساليب العمل، مع الحفاظ على الأبعاد الأخلاقية والديمقراطية للاتصال.
وشددت رئيسة الشعبة على أنه لا يمكن اختزال التواصل في بعده النظري، باعتباره مجالا علميا يتقاطع مع التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية والبيئية والإنسانية، مبرزة أن التحدي الأساسي في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي لا يتمثل فقط في تعدد وسائل التواصل، وإنما في منحها معنى وامتدادا إنسانيا أكبر، قائمين على الحوار والتفاهم المتبادل واحترام الآخر.
وفي ختام كلمتها، جددت سمية المنديلي التأكيد على أن هذا اللقاء العلمي يشكل فرصة لتعزيز التبادل والتعاون بين الباحثين، وتشجيع الطلبة الباحثين على الانخراط في البحث العلمي.
وتراهن الجهة المنظمة، من خلال هذه الدورة، على تعزيز الحوار بين البحث العلمي والممارسة المهنية، وتبادل الخبرات والتجارب، والإسهام في تطوير مقاربات جديدة للتواصل تستجيب لمتطلبات العصر الرقمي، دون التفريط في المسؤولية المهنية وجودة المعلومة واحترام القيم الإنسانية، حيث من المقرر أن تختتم أشغال الندوة بعرض التقارير ومناقشة أبرز الخلاصات والتوصيات المنبثقة عن الجلسات العلمية.





