الهشومي: المصداقية الحقوقية للأحزاب تقاس بثبات الموقف أكثر مما تقاس بجمال الخطاب

قال كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بكلية الحقوق أكدال بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن “المرجعية الحقوقية لا ينبغي أن تكون انتقائية أو مرتبطة بالظرف السياسي”، معتبرا أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يعيد إلى الواجهة سؤال موقع حقوق الإنسان داخل الخطاب الحزبي المغربي، ومدى قدرة الأحزاب على تحويلها من شعارات وبرامج انتخابية إلى مواقف ثابتة وممارسات سياسية قابلة للقياس والمساءلة.
وسجل الهشومي، في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن دستور 2011 جعل الحقوق والحريات أحد الأسس المؤسسة للنظام الدستوري المغربي وربط الشرعية الديمقراطية باحترامها وحمايتها، غير أن المشهد الحزبي، وفق قراءته، ما يزال يعرف تفاوتا بين حضور المرجعية الحقوقية في الخطاب ومدى اندماجها الفعلي في المشاريع السياسية والممارسة اليومية؛ مشددا على أن المصداقية الحقوقية لا تقاس بجمال الخطاب بقدر ما تقاس بثبات المواقف، خصوصا عندما تنتقل الأحزاب من المعارضة إلى مواقع تدبير السلطة.
وفي الوقت الذي تتصدر فيه قضايا القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية أجندة الأحزاب، رفض أستاذ القانون الدستوري وضع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مواجهة الحقوق المدنية والسياسية، مؤكدا أن “الدولة الاجتماعية ليست بديلا عن دولة الحقوق، بل هي إحدى تجلياتها”، داعيا إلى الاحتكام، عند تقييم صدقية الأحزاب، إلى سجلها التشريعي ومواقفها من الملفات الحقوقية الكبرى وحصيلة تدبيرها للشأن العام ومستوى الديمقراطية داخل تنظيماتها، معتبرا أن التحدي يتمثل في بناء “رأسمال حقوقي” يقلص المسافة بين الخطاب والممارسة ويجعل حقوق الإنسان جزءا من الثقافة السياسية اليومية بدل بقائها لغة انتخابية موسمية.
نص الحوار كاملا
قبل أشهر من الانتخابات، كيف تقرأ حضور حقوق الإنسان في الخطاب السياسي للأحزاب المغربية؟ هل أصبح هذا الحضور يعكس رؤية سياسية متماسكة، أم أنه لا يزال محكوما بمنطق الظرفية والاستحقاقات الانتخابية؟
من الناحية الدستورية، لا يمكن لأي حزب سياسي اليوم أن يتجاوز المرجعية الحقوقية، لأن دستور 2011 لم يكتف بدسترة الحقوق والحريات، بل جعلها أحد الأسس المؤسسة للنظام الدستوري المغربي، وربط الشرعية الديمقراطية باحترامها وحمايتها. ولذلك أصبح الحديث عن حقوق الإنسان جزءا من القاموس السياسي لجميع الأحزاب، سواء ذات المرجعية اليسارية أو الليبرالية أو المحافظة.
غير أن المشكلة لا تكمن في اعتقادي في حضور الخطاب الحقوقي، وإنما في درجة اندماجه داخل المشروع السياسي للحزب. وهنا أعتقد أن المشهد الحزبي المغربي ما يزال يعيش نوعا من الازدواجية؛ فهناك فرق بين أن تكون حقوق الإنسان مرجعية بنيوية تؤطر التفكير السياسي، وبين أن تتحول إلى أداة تواصلية تشتد خلال الحملات الانتخابية وتخفت بعد الوصول إلى السلطة.
إذا تأملنا البرامج الحزبية خلال السنوات الأخيرة، سنلاحظ أن الحقوق تحضر غالبا في شكل عناوين عامة، بينما يقل حضورها في صورة التزامات تشريعية أو مؤسساتية دقيقة قابلة للقياس والتتبع. وهذا يعني أن جزءا مهما من الخطاب الحقوقي لا يزال محكوما بمنطق المنافسة الانتخابية أكثر مما يعكس رؤية فلسفية متكاملة حول الدولة والحرية والمواطنة.
إن الحزب الذي يؤمن فعلا بحقوق الإنسان لا يجعلها مجرد فصل في برنامجه الانتخابي، ولكن يجعلها منهجا في اتخاذ القرار، وأسلوبا في تدبير الاختلاف، ومعيارا في إنتاج التشريع وممارسة السلطة.
يلاحظ أن الأحزاب تتحدث بكثافة عن قضايا التنمية والقدرة الشرائية والدولة الاجتماعية، بينما يبدو الحديث عن الحقوق والحريات أقل بروزا، فهل يعكس ذلك تحولا في أولويات الفاعل الحزبي، أم أن الحقوق المدنية والسياسية أصبحت موضوعا “مكلفا” انتخابيا؟
أعتقد أن هذا التحول يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أولها، المجتمع المغربي يعيش اليوم ضغطا اجتماعيا واقتصاديا واضحا، ولذلك أصبحت قضايا التشغيل، والأسعار، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية تتصدر أولويات الناخبين، وهو ما دفع الأحزاب إلى إعادة ترتيب أجندتها الخطابية بما يستجيب لهذا الطلب المجتمعي.
لكن من الخطأ تقديم الأمر كما لو أن هناك تعارضا بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبين الحقوق المدنية والسياسية. فالمنظومة الدولية لحقوق الإنسان تقوم على وحدة الحقوق وعدم قابليتها للتجزئة؛ فلا يمكن بناء دولة اجتماعية قوية في غياب حرية التعبير، ولا يمكن حماية الحقوق السياسية في ظل هشاشة اجتماعية واسعة.
الإشكال الحقيقي أن بعض الأحزاب أصبحت تتعامل مع الحقوق المدنية والسياسية باعتبارها ملفات ذات كلفة سياسية وانتخابية مرتفعة، لأنها ترتبط بموضوعات حساسة مثل حرية التعبير، والاحتجاج، والحريات الفردية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستقلال القضاء. ولذلك نجد نوعا من الحذر أو حتى الصمت تجاه هذه الملفات مقابل التركيز على الملفات الاجتماعية الأقل إثارة للاستقطاب.
والحال أن الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد البرامج الاجتماعية، وإنما أيضا بقدرة النظام السياسي على حماية المجال العام وضمان الحقوق والحريات. فالدولة الاجتماعية ليست بديلا عن دولة الحقوق، بل هي إحدى تجلياتها.
إلى أي حد يمكن اعتبار الخطاب الحقوقي الحالي للأحزاب مؤشرا على مواقفها الحقيقية من قضايا مثل حرية التعبير، والاحتجاج، والمساواة، والعدالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ أم أن الاختبار الحقيقي يبدأ فقط عند ممارسة السلطة؟
في علم السياسة، لا يتم تقييم الأحزاب انطلاقا من خطابها، وإنما من خلال ما يسمى “الانسجام بين الخطاب والممارسة”. فالبرامج والبلاغات والندوات تعكس النوايا، أما المواقف التشريعية والسياسات العمومية فهي التي تكشف القناعات الحقيقية.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما ينتقل الحزب من موقع المعارضة إلى موقع تدبير السلطة، أو عندما يشارك في الأغلبية البرلمانية. ففي تلك اللحظة يصبح ملزما بالتصويت على القوانين، وباتخاذ مواقف واضحة من القضايا الحقوقية الكبرى، وبترجمة شعاراته إلى سياسات عمومية.
وقد بينت التجارب المقارنة أن كثيرا من الأحزاب تتبنى خطابا حقوقيا قويا وهي في المعارضة، لكنها تصبح أكثر تحفظا عندما تتحمل مسؤولية الحكم، بسبب منطق التوازنات السياسية، أو الإكراهات المؤسساتية، أو الحسابات الانتخابية.
لذلك فإن المعيار الحقيقي ليس ما يقال في المؤتمرات الحزبية، وإنما: كيف يصوت الحزب داخل البرلمان؟ وما هي المبادرات التشريعية التي قدمها؟ وكيف دافع عن الحقوق عندما كان جزءا من الحكومة أو الأغلبية؟وهل حافظ على الموقف نفسه عندما تغير موقعه السياسي؟
ولذا غإن المصداقية الحقوقية تقاس بثبات الموقف أكثر مما تقاس بجمال الخطاب.
من الناحية الدستورية والسياسية، هل تعتقد أن الأحزاب المغربية نجحت في تحويل حقوق الإنسان إلى جزء من هويتها الفكرية وخطابها اليومي، أم أنها ما تزال تتعامل معها باعتبارها مرجعية تُستدعى في مناسبات معينة أكثر مما تؤطر الممارسة السياسية؟
يمكن القول إن الأحزاب المغربية قطعت أشواطا مهمة على مستوى تبني المرجعية الحقوقية، لكن هذا التبني لم يتحول بعد، لدى جزء مهم منها، إلى ثقافة تنظيمية وممارسة يومية. فالهوية الفكرية للحزب لا تظهر فقط في وثائقه المرجعية، وإنما في طريقة تدبيره للاختلاف الداخلي، وفي احترام الديمقراطية الداخلية، وفي معايير اختيار مرشحيه، وفي علاقته بالشباب والنساء، وفي مستوى الشفافية داخل أجهزته.
ولهذا فإن الحديث عن حقوق الإنسان لا ينبغي أن يظل موجها إلى الدولة فقط، بل يجب أن يبدأ من داخل الأحزاب نفسها، فمن الصعب أن يدافع حزب عن الديمقراطية خارجيا إذا كانت ممارساته الداخلية لا تعكس قيم المشاركة والتعددية والشفافية.
وفي تقديري فانه يمكن ان نقدر جهود مجموعة كالأعضاء على ممارساتها الداخلية الديمقراطية وانفتاحها على آراء واختيارات اعضائها وهي مسألة أساسية، وبصدق نجد قوة النقاش وصلابته وصعوبته لدى لدى الاحزاب ذات المرجعية اليسارية التي تجعل من الاختلاف الديمقراطي منهجا أساسا في عملها الجماعي داخل الحزب.
وهو ما يدفعني إلى القول أن المرحلة المقبلة تستدعي انتقال الأحزاب من مرحلة دسترة الحقوق إلى مرحلة مأسسة الثقافة الحقوقية داخل التنظيمات الحزبية، لأن الحزب الديمقراطي هو المدرسة الأولى للمواطنة، وإذا لم تمارس الحقوق داخله، فمن الصعب أن يدافع عنها بفعالية داخل المؤسسات.
مع اقتراب الانتخابات، ما المعايير التي ينبغي اعتمادها لتقييم صدقية الخطاب الحقوقي للأحزاب؟ هل يكفي ما يقال في التجمعات والبلاغات، أم أن التقييم يجب أن يستند أيضا إلى مواقفها السابقة داخل البرلمان، ومبادراتها التشريعية، وطريقة تدبيرها للشأن العام عندما كانت في مواقع المسؤولية؟
في تقديري، لا ينبغي أن يكون تقييم الخطاب الحقوقي قائما على الوعود الانتخابية وحدها، لأن الحملات الانتخابية بطبيعتها تنتج خطابا يغلب عليه البعد التعبوي. أما التقييم العلمي والموضوعي فيجب أن يستند إلى مؤشرات ملموسة وقابلة للتحقق.
أهم هذه المؤشرات هي:
1- السجل التشريعي للحزب داخل البرلمان؛ أي نوع القوانين التي اقترحها أو دعمها، وخاصة تلك المرتبطة بالحريات والعدالة والحكامة.
2- مواقفه السياسية خلال الأزمات والملفات الحقوقية الكبرى، لأن المواقف في اللحظات الصعبة تكشف حقيقة المرجعيات.
3- حصيلة تدبيره للشأن العام عندما مارس المسؤولية الحكومية أو الترابية، ومدى احترامه لمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة
4- مستوى الديمقراطية الداخلية داخل الحزب نفسه، لأن الحزب الذي لا يحترم الحقوق داخل تنظيمه يصعب أن يكون مدافعا عنها في المجال العام.
5- مدى اتساق خطابه مع التزاماته الدولية والدستورية، لأن المرجعية الحقوقية لا ينبغي أن تكون انتقائية أو مرتبطة بالظرف السياسي.
وفي النهاية، أعتقد أن الناخب المغربي أصبح أكثر نضجا من أن يكتفي بالشعارات. إنه يقارن بين الخطاب والسلوك، وبين الوعود والحصيلة، وبين المرجعية المعلنة والممارسة الفعلية. فالمصداقية السياسية اليوم لم تعد تبنى على قوة البلاغات، وانما على تراكم المواقف، واستقرار المبادئ، والقدرة على احترام الدستور في زمن المعارضة كما في زمن ممارسة السلطة.
وخلاصة القول، إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأحزاب المغربية ليس في إنتاج خطاب حقوقي أكثر بلاغة، وإنما في بناء “رأسمال حقوقي” يقوم على الاتساق بين الفكر والممارسة، وبين النص الدستوري والسلوك السياسي، فكلما تقلصت المسافة بين الخطاب والممارسة، تعززت الثقة في الأحزاب، وترسخت الديمقراطية الدستورية، وأصبحت حقوق الإنسان جزءا من الثقافة السياسية اليومية، لا مجرد لغة انتخابية موسمية





