فن

“سوق الكلام”.. عرض مسرحي يستحضر إرث الطيب الصديقي ويسائل زيف الخطاب

“سوق الكلام”.. عرض مسرحي يستحضر إرث الطيب الصديقي ويسائل زيف الخطاب

يستعيد العرض المسرحي الجديد “سوق الكلام فمقامة المشاوشية بالقافية” روح فن “البساط”، مستلهما تجربة الراحل الطيب الصديقي وإسهاماته في تطوير المسرح المغربي، من خلال صيغة معاصرة تمزج الفرجة الشعبية بالسخرية والقافية، وتفتح النقاش حول مكانة الكلمة في مجتمع يتراجع فيه الصدق أمام التضليل، ويتحول فيه الخطاب إلى وسيلة للتأثير وصناعة الأوهام.

ويضع العمل، الذي أخرجه إدريس السبتي، الجمهور أمام حكاية الفقيه “بريطل”، الرجل البسيط محدود الحيلة، الذي يجد نفسه في مغامرة غير محسوبة بعدما تعثر زوجته “لالة بريطلة” على جوهرة ضائعة تعود للأميرة، فترى فيها فرصة لتغيير مصيرهما، وتقنع زوجها بادعاء العلم والتبصر، وتدفعه إلى دخول عالم لا ينتمي إليه، مرتديا جلباب الفقيه، وفق ما توصلت له جريدة “مدار21” من طاقم العمل.

ومن خلال سلسلة من المواقف الكوميدية والساخرة، يدخل “بريطل” قصر السلطان مرتبكا ومتلعثما، لا يملك سوى كلمات مبعثرة وإشارات غامضة، لكنه ينجح، على نحو غير متوقع، في اكتشاف الجوهرة، ليجد نفسه محاطا بالثقة والامتيازات، رغم أنه لا يمتلك المعرفة التي ينسبها إليه الآخرون.

غير أن هذا الصعود المفاجئ لا يظل مجرد مفارقة كوميدية، إذ يجد “بريطل” نفسه متورطا تدريجيا في لعبة أكبر منه، بعدما يُطلب منه كشف أسرار القصر وخفاياه، لكن وبمحض الصدفة، يتنصت على حديث يكشف سرقة صناديق الذهب من طرف رجال نافذين، ليتحول من شخص يسعى إلى الحفاظ على وهم صنعه لنفسه إلى طرف في مواجهة منظومة فساد معقدة.

ومع تصاعد الأحداث، يتحول الضحك إلى توتر، واللعب إلى خطر حقيقي، إذ إن الصعود السريع لـ”بريطل” يثير الشكوك حوله، ويجعله هدفا لمكائد السلطة ومؤامراتها، كما يدفعه إلى اختبارات قد تكلفه حياته، ليعيش وسط ضغط الحقيقة وإغراء الامتيازات، صراعا داخليا بين الاعتراف بما يعرفه وخسارة كل شيء، أو الاستمرار في الوهم الذي فتح أمامه أبواب النفوذ.

وتتجاوز الحكاية حدود الكوميديا لتسلط الضوء على واقع تحولت فيه اللغة إلى سلعة، وأصبح فيه الخطاب أداة للتوجيه والتأثير، يمكن أن يسهم في بناء الوعي كما يمكن أن يُستعمل لتزييفه، إذ في هذا السياق، ترمز شخصية “بريطل” إلى الصعود الوهمي القائم على الصدفة وسوء الفهم، في فضاء عمومي ابتعد تدريجيا عن الحوار وتبادل المعرفة، وأصبح يعج بالضجيج والإشاعة والخطاب السطحي.

ويستند العرض، وفق صناعه، إلى التراث الشفهي المغربي والعربي، ولا سيما فنون المقامة والحلقة والملحون، التي تحتفي بالكلمة والبلاغة والإيقاع اللفظي، لتوظيفها في مساءلة التحولات التي عرفها الخطاب، وما يرافقها من تراجع للدلالة والمعنى، إذ لا تقتصر اللغة في هذا العمل على أداء وظيفة التواصل، بل تصبح موضوعا أساسيا في البناء المسرحي، من خلال الاشتغال على القافية باعتبارها عنصرا بنائيا، وعلى الصمت بوصفه مساحة دلالية موازية للكلام.

وتقوم الرؤية الإخراجية لإدريس السبتي على المزج بين الفرجة الشعبية والتفاعل المباشر مع الجمهور والتشخيص الكاريكاتوري الذي يكشف المفارقات الاجتماعية، إلى جانب توظيف بناء بصري معاصر يمنح العرض أبعادا رمزية ودلالية، إلى جانب اعتماد العمل على إيقاعا متصاعد تتناوب فيه المشاهد الجماعية ذات الطابع الاحتفالي واللحظات الفردية المكثفة، وصولا إلى ذروة درامية تكشف هشاشة “سوق الكلام” وانهياره الرمزي، بحسب المصدر ذاته.

وتحتل الموسيقى الحية موقعا مركزيا على الركح، إذ ترافق التحولات الدرامية وتضبط إيقاع العرض، من خلال الاستعانة بآلات تقليدية، من بينها العود والبنادير والطعارج، لاستحضار الذاكرة السمعية الجماعية والانتقال بين اللوحات المسرحية، إضافة إلى توظيف لحظات الصمت للتعبير عن التوتر الذي يرافق شخصية “بريطل”، فيما تسهم الإضاءة في إبراز التحولات النفسية والدلالية، والانتقال بين فضاءات السوق والبيت والزقاق والقصر، والتعبير عن حالات الوضوح والغموض.

وفي الجانب البصري، تجمع الأزياء بين المرجعية التراثية واللمسة المعاصرة، لإبراز التحولات التي تمر بها الشخصيات، فيما تُستثمر الإكسسوارات في الربط بين الماضي والحاضر، وتعزيز الدلالات التي يحملها العرض.

ويشارك في المسرحية عبد الله شيشة، وفاتيحة فخفاخي، وهدى أجبيلي، ورضى رضوان، ومعاذ بوامر، وعبدو قطب، ونادية المغربية، وعبدو الصلح، وحميد السايح، ومحمد مغفول، بينما تولى محمد أمين آيت حمو السينوغرافيا، وعبد الكبير مقبول المحافظة العامة، وسلوى يسير الملابس، فيما أشرف عبد الفتاح المكشط على الإضاءة والصوت، تحت إدارة المخرج إدريس السبتي.

ويأتي هذا العمل بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، وتبلغ مدة عرضه 90 دقيقة، لإعادة وصل الجمهور المغربي بفن “البساط” واستحضار ذاكرة أحد أبرز رواد المسرح المغربي، من خلال رؤية معاصرة تجمع بين استلهام التراث والانفتاح على أساليب الفرجة الحديثة، إذ تنطلق عروضه خلال هذا الشهر الجاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News