جالية | سياسة

مغاربة العالم في البرنامج الحكومي.. تطمينات المنصوري تُواجه بانتقادات الجالية

مغاربة العالم في البرنامج الحكومي.. تطمينات المنصوري تُواجه بانتقادات الجالية

أعلنت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، عن توجه حكومي جديد يروم إرساء سياسة مندمجة لفائدة مغاربة العالم، تقوم على صيانة حقوقهم وتعزيز مشاركتهم المواطنة وتيسير مساهمتهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة، غير أن هذه التعهدات تأتي في سياق تثار فيه انتقادات بشأن موقع قضايا الجالية المغربية المقيمة بالخارج ضمن أولويات الحكومة الجديدة، ومدى استعدادها لمعالجة الملفات التي ظلت تشغل أفرادها خلال السنوات الماضية.

وأكدت المنصوري، خلال عرضها توجهات الحكومة الاثنين الماضي أمام مجلسي البرلمان، أن السلطة التنفيذية تضع ضمن أولوياتها الاستجابة لحاجيات مغاربة العالم، من خلال تبسيط المساطر الإدارية وتوفير قنوات تواصل دائم ومباشر معهم، بما يضمن تعزيز ارتباطهم بالوطن الأم وتيسير استفادتهم من الخدمات والحقوق المرتبطة بوضعيتهم.

كما شددت رئيسة الحكومة على أهمية تشجيع استثمارات المغاربة المقيمين بالخارج، عبر توفير الظروف الملائمة لانخراطهم في الاقتصاد الوطني، إلى جانب تثمين كفاءاتهم وخبراتهم المكتسبة في بلدان الإقامة، وإشراكهم في الأوراش والمشاريع الاستراتيجية التي تشهدها المملكة، بما يجعل من الجالية شريكا أساسيا في مسار التنمية.

وفي مقابل هذه الالتزامات، تظل فعالية السياسة الحكومية المرتقبة رهينة بمدى ترجمة الوعود المعلنة إلى إجراءات عملية تستجيب لانتظارات مغاربة العالم، خصوصا في ما يتعلق بتيسير المساطر الإدارية لفائدة مايقارب سدس ساكنة المغرب ، وتعزيز التواصل مع المؤسسات العمومية، وضمان مشاركة فعلية في القضايا التي تهمهم. كما يطرح هذا السياق تساؤلات بشأن الآليات التي ستعتمدها الحكومة لإشراك الجالية في بلورة القرارات والسياسات العمومية المرتبطة بأوضاعها

وسجلت قضايا مغاربة العالم غيابا، نسبيا، عن برامج معظم الأحزاب منذ فترة الحملات الانتخابية، والتي توجهت من خلالها غالبية التيارات السياسية إلى التركيز على قضايا اقتصادية واجتماعية، وهو مايعتبره مغاربة العالم الذين يمثلون قرابة سدس ساكنة البلد”إقصاء” و”تهميشا” يتجدد وقعه مع توالي الولايات الحكومية.

وفي هذا السياق، اعتبر توفيق سلمون، مواطن مغربي مقيم بإسبانيا، أن عدم إيلاء الحكومة الجديدة اهتماما واضحا لقضايا مغاربة العالم يعكس، في نظره، توجها عاما، مبرزا أن غياب هذه الفئة عن التصورات الحكومية يثير تساؤلات بشأن موقعها ضمن السياسات العمومية خلال الولاية التشريعية الجديدة.

وأوضح سلمون، في تصريح لجريدة “مدار21″، أن الجالية المغربية لم تعد تنتظر الكثير من الوعود الحكومية، بالنظر إلى أن البرامج التي أعلنتها حكومات متعاقبة لم تترجم، بحسب تقييمه، إلى نتائج ملموسة تستجيب لتطلعاتها، مضيفا أن هذا الوضع لا يشكل مفاجأة بالنسبة إلى عدد من أفراد الجالية، لكنه يعزز شعورهم بالتهميش عندما تغيب قضاياهم عن النقاش بشأن الأولويات الوطنية.

وأضاف المتحدث أن اختزال هذا الغياب في موقف شخصي لرئيسة الحكومة لا يبدو مقنعا، معتبرا أن الأمر قد يعكس توجها أوسع داخل مكونات الأغلبية الحكومية ومؤسساتها. وشدد على أن مغاربة العالم يشكلون شريحة أساسية من المجتمع المغربي، بالنظر إلى ارتباطهم الاقتصادي والاجتماعي بوطنهم الأم ومساهمتهم في الاقتصاد الوطني.

وفي هذا الإطار، تساءل سلمون عن أسباب عدم حضور قضايا الجالية ضمن التصورات المعلنة للحكومة الجديدة، رغم أهمية مساهمتها الاقتصادية، معتبرا أن تحويلات مغاربة العالم وأدوارهم في المبادلات التجارية والاستثمار تفرض التعامل مع انتظاراتهم باعتبارها جزءا من السياسات التنموية للبلاد، وليس ملفا ثانويا.

وبخصوص أبرز انتظارات مغاربة العالم، أوضح أن المطالب المطروحة ليست وليدة المرحلة الراهنة، بل ترتبط بإشكالات وصفها بالمزمنة، وفي مقدمتها النزاعات المرتبطة بالعقار، وتعقيدات الحالة المدنية، وصعوبات التعامل مع الإدارات العمومية، فضلا عن الحاجة إلى تبسيط المساطر الإدارية وتيسير الاستثمار بالمغرب.

وأكد سلمون أن استمرار هذه الإشكالات يعكس، بحسب تعبيره، محدودية الاستجابة الحكومية لتطلعات الجالية، لافتا إلى أن مطالبها تشمل أيضا تعزيز التمثيلية السياسية، وإطلاق برامج خاصة بالشباب المغربي المقيم بالخارج، وتطوير آليات استقطابهم وتأطيرهم وربطهم بمؤسسات وطنهم الأم.

واعتبر أن غياب برامج واضحة ومستمرة لفائدة هذه الفئة يترك أفراد الجالية أمام تحدي تدبير أوضاعهم بشكل فردي، دون الاستفادة من مواكبة مؤسساتية تستجيب لخصوصياتهم واحتياجاتهم، مضيفا أن المرحلة الجديدة كانت تستدعي تقديم تصورات عملية تتجاوز الصيغ العامة والوعود غير المفصلة.

وفي قراءته لمضامين التوجه الحكومي المعلن بشأن مغاربة العالم، سجل سلمون أن الحديث عن اعتماد سياسة دامجة تضمن المشاركة المواطنة والتواصل الدائم مع الجالية، والاستجابة لحاجياتها وتيسير مساهمتها في تنمية الوطن، يظل غير كاف ما لم يقترن بتدابير محددة وآليات واضحة للتنفيذ والتقييم.

ورأى أن الفجوة بين الأهداف المعلنة وغياب التفاصيل العملية تعزز مخاوف الجالية من تكرار التجارب السابقة، التي لم تفض، بحسب تقديره، إلى معالجة الإشكالات المتراكمة، داعيا إلى إدراج انتظارات مغاربة العالم بوضوح ضمن برنامج الحكومة وأولوياتها خلال السنوات الخمس المقبلة.

وحذر سلمون من أن استمرار تغييب قضايا الجالية عن الأولويات الحكومية قد يفاقم استياء أفرادها، معتبرا أن الحاجة قد تبرز إلى تدخل مؤسسات الدولة لتدارك هذا الوضع من خلال مبادرات وبرامج عملية تعيد الاعتبار لانتظارات مغاربة العالم.

وشدد على أن حجم الجالية واستمرار ارتباطها بالمغرب يفرضان عدم التعامل مع مطالبها باعتبارها ملفا ثانويا، خصوصا ما يتعلق بالمشاركة في الشأن العام وتعزيز الصلة بين مغاربة العالم ومؤسسات بلدهم الأصلي، مؤكدا أن التحدي المطروح أمام الحكومة الجديدة لا يقتصر على الإعلان عن نوايا عامة، بل يشمل القدرة على الانتقال إلى إجراءات ملموسة لمعالجة الملفات المتراكمة والاستجابة الفعلية لانتظارات الجالية.

من جانبه، عبر طارق بانور، فاعل جمعوي مغربي مقيم بإيطاليا، عن قلقه وخيبة أمله إزاء غياب إشارة صريحة وواضحة إلى قضايا المغاربة المقيمين بالخارج في عرض البرنامج الحكومي، معتبرا أن هذا الغياب يعزز الشعور بالتهميش والإقصاء لدى أفراد الجالية، الذين كانوا ينتظرون إجراءات ملموسة تعيد الاعتبار لمطالبهم وتضمن حضورها ضمن الأولويات الحكومية.

وأوضح بانور، في تصريح لجريدة “مدار21″، أن من أبرز انتظارات مغاربة العالم إعادة الاعتبار للمؤسسات الممثلة لهم، من خلال إحداث وزارة أو كتابة دولة منتدبة تعنى بشؤونهم لدى وزارة الشؤون الخارجية، على غرار الصيغ المؤسساتية التي سبق اعتمادها، مشددا على أن اختزال علاقة الدولة بالجالية في تحويل الأموال والمساهمة الاقتصادية لا يعكس مختلف انشغالاتها الاجتماعية والحقوقية والسياسية.

وسجل أن الأسر المغربية المقيمة بالخارج تواجه تحديات اجتماعية ونفسية تستدعي مواكبة مؤسساتية تتجاوز حدود البرامج الموجهة إلى الأسر داخل المغرب، داعيا إلى تعزيز أدوار القطاعات الحكومية المعنية، ولا سيما في مجال الدعم الاجتماعي والنفسي، بما يراعي خصوصيات العيش في بلدان المهجر ويساعد على الحفاظ على الهوية والروابط مع الوطن الأم.

وفي هذا الإطار، نبه بانور إلى ما وصفه بتصاعد الهجمات والمضايقات التي تتعرض لها الجاليات في بعض البلدان الأوروبية، ولا سيما إيطاليا، من طرف تيارات اليمين المتطرف، معتبرا أن هذه الظروف تفرض تنسيقا ميدانيا ومؤسساتيا مستمرا بين الجهات الحكومية المعنية والفعاليات الجمعوية، من أجل مواكبة المواطنين المغاربة والدفاع عن حقوقهم في بلدان الإقامة.

وأكد أن الحاجة إلى مخاطب حكومي واضح ومستقل تزداد إلحاحا في ظل هذه التحديات، مبرزا أن الجمعيات المغربية بالخارج تحتاج إلى قنوات مؤسساتية فعالة لنقل انشغالات أفراد الجالية والتفاعل مع مشكلاتهم، بدل الاكتفاء بمبادرات ظرفية لا تضمن استمرارية المواكبة.

ورغم تأكيده أهمية العناية الملكية بقضايا مغاربة العالم، أعرب بانور عن أسفه لما اعتبره غيابا للتفاعل الحكومي والمؤسساتي بالمستوى المطلوب، داعيا الحكومة الجديدة إلى تدارك هذا الوضع عبر بلورة رؤية مندمجة تستجيب لانتظارات الجالية وترتقي بمكانتها ضمن السياسات العمومية.

وختم طارق بانور بتجديد التأكيد على أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من “الإشارات العامة” إلى إجراءات عملية تضمن تمثيلية الجالية ومواكبة أسرها وشبابها، وتعزز التنسيق مع جمعياتها، بما يجعل مغاربة العالم شركاء فعليين في تدبير القضايا المرتبطة بهم والمساهمة في تنمية وطنهم الأم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News