الممكن في تجاوز الأزمات، العرفي أم القانوني: مقاربة العدالة الانتقالية في اليمن نموذجا

عانت اليمن من ويلات ومظالم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بشكل ممنهج ومن أطراف متعددة منها (الحوثين، القوات الحكومية، التحالف العربي- المملكة العربية السعودية الامارات العربية المتحدة- والمجلس الانتقالي الجنوبي، حيث مورست من خلالها شتى أنواع من الانتهاكات كان منها القصف على المدنيين بشكل مباشر والقصف الجوي العشوائي وخارج مناطق الصراع العسكري وزرع الألغام في مناطق عشوائية وتفجير المنازل والقتل خارج نطاق القانون وممارسة الانتهاكات (القتل- التعذيب- الاعتقال- الاختفاء القسري- تصفية الأقليات العرقية).
وفي نفس السياق أقرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي تم تعينها سنة 2017 في تقررها 2020 على ارتكاب جميع طراف النزاع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني (جرائم حرب) وتجنيد الأطفال …. وذلك نتج عنه نزوح قرابة 3 ملايين إضافة الى البطالة والفقر والحصار ونقص العلاج الطبي الى جانب الأضرار النفسية والصحية، وفقدان العمل وإغلاق الطرق والاستلاء على الممتلكات والحرمان من الأجرة المالية والوضع الاقتصادي جد ضعيف…وغيرها. كيف يمكن فهم التعقيدات البنيوية للعدالة الانتقالية في اليمن؟ لماذا لم تأخذ طريقها الصحيح بعد؟ هل يمكن تحديد نهج العدالة الانتقالية أكثر فعالية لتجربة اليمن؟ هل ستلعب الأعراف والتقاليد دورا رياديا في أليات العدالة الانتقالية اليمنية؟ كيف يمكن تطبيق آليات العدالة الانتقالية بالخصوصيات اليمنية دون التركيز بشكل كبير على المقاربة الأممية للعدالة الانتقالية؟
يلاحظ بشكل عام أن الوضع في اليمن مرتبط بجذور تاريخية للصراع والنزاع وفق مشروعين متناقضين، مشروع حداثي عصري ينتهج نهج الدولة الحديثة من اختيارات الشعب اليمني مرتبط بخصائص ديمقراطية حرية الاختيار والانفتاح على نهج دولية من اتفاقيات والتزامات والحرية في المشاركة السياسية في مختلف الممارسات والفضاءات العامة، وبالتالي فهو مشروع الدولة الحديثة، أما مشروع النقيض على ذلك هو مشروع امامي سلالي يستند على ايديلوجية دينية تجسده جماعة الحوثي في فكرها ومرجعيتها وأدبياها السياسية إلى جانب هيمنة الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي يصعب عليها الاندماج والانتقال إلى تعاقد جديد بينهم وبين الدولة الحديثة وفق منظور العولمة.
وعليه، يمكن الوقوف على الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: أن العدالة الانتقالية في اليمن مفهوم جديد وحديث الاستعمال الرسمي في اليمن كسائر تجارب العدالة الانتقالية التي طبقت آلياته ونهجه، اليوم أثير نقاش واسع ما بعد مؤتمر الحوار الوطني الذي جاء في سياق سياسي حقوقي داخل السلطة سياسية موحدة كان من المفترض أن يتم بلوغ أهداف العدالة الانتقالية واليوم نلاحظ بعد المؤتمر استمر النزاع والأزمة هل هذا يعني أن مخرجات المؤتمر ساهمت في تأزيم الوضع السياسي وشكلت مخارجه مخاوف وصلت إلى عدم الاستقرار في المنطقة وتزايد عدد المتدخلين أو أطراف الصراع أو النزاع مما ساهم في إضعاف بنيات ومؤسسات الدولة اليمنية والوصول بها إلى محاولة تفتيت الدولة أو الذوبان القسري.
الملاحظة الثانية: اليمن غير محتاجة اليوم إلى آلية المحاسبة بشكل آلي…يمكن تأجيل ذلك والتركيز على الأولويات الأخرى مثل الإصلاحات المؤسساتية جبر أضرار الضحايا وإعادة الاعمار …إرجاع الممتلكات….. والبحث عن لجان فعلية لأجل القيام بالوساطة وتطبيق القوانين العرفية التي ربما أقرب إلى الضحايا من الآليات النظرية للعدالة الانتقالية للمجتمع اليمني، والتركيز على المصالحة المحلية والبحث عن نموذج ارشادي للعدالة الانتقالية اليمنية دون نهج نُهج العدالة الانتقامية.
الملاحظة الثالثة: توسيع نطاق المشاورات الوطنية حول العدالة الانتقالية على مستوى مختلف المناطق وتحديد جغرافية الانتهاكات في اليمن وأن تشمل ضحايا المباشرين وذويهم وخبراء ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية ،….مراعات حقوق الأقلية الدينية والاثنية داخل المجتمع اليمني مثل النموذج الغواتيمالي. هل تعيين أعضاء لجنة الحقيقة ستكون ضمن إجماع وطني؟ وكيف سيتم تعيينهم؟ وهل سيتم مراعاة العامل الجغرافي مثل جنوب أفريقيا؟ وكيف سيتم تحديد استقلالية اللجنة؟ هل تعيين أعضاء دوليين ضمن اللجنة سيعطي للمجتمع اليمني ثقة كبيرة في اللجنة؟
الملاحظة الرابعة: أن الجسم القضائي يشكل أحد النقط الأساسية في المرحلة الانتقالية، علما أن القضاء بشكل عام يكون أثناء الحروب والنزعات هش وضعيف ومصاب بالتردد في المواقف لعدم استقرار البلاد … ويتعرض إثرها إلى توجيهات من لدن أطراف الصراع والتأثير على قراراته (تمويت القضاء(، وبالتالي فإن هذه الفترة تكون حرجة حيث القضاء فيها غائبا لعدة أسباب منها:
- تعرض العديد من المحاكم وبنياته للتدمير والإهمال؛
- اتلاف أرشيف المحاكم وغيرها؛
- تعرض القضاة وغيرهم الى الاغتيالات والتهديدات المباشرة وغير المباشرة؛
- تعرض القضاة الى ” التسيس القضائي”؛
- انقسام القضاة إلى أطراف الصراع؛
- الانهيار الأمني ” غياب التجهيزات، الماء -الكهرباء- الاتصالات-
الملاحظة الخامسة: يلاحظ أن النظام القانوني والمؤسساتي اليمني مستمد من القوانين العرفية وأن اليمن تعترف بذلك في قوانينها وهذه نقطة أساسية يمكن استثمارها في مداخل العدالة الانتقالية لبناء الدولة من خلال إجراءات وقواعد عرفية لإنشاء محاكم قبلية وانتخاب قضاة محلية وإنشاء حوار مجتمعي لأجل التسوية السريعة للنزاعات فهي آلية لتحقيق المصالحة الاجتماعية ومدخل للوساطة والتحكيم والاعتذار وطلب العفو..، كما هو الشأن في تيمور الشرقية، بالرغم من أن هذه الآلية تقليدية إلا وأنها يمكن أن تحقق أهداف العدالة الانتقالية في اليمن وتنتج قواعد جديدة مستقبلية للعدالة الانتقالية نفسها وفق خصوصيات محلية.
وفي الخلاص، يمكن التركيز على النقط التالية في مقاربة العدالة الانتقالية اليمنية دون استحضار وتغليب الذاتية أثناء الحوار ووضع أولية تحديث الدولة وبناء المستقبل:
- البحث عن مداخل الشرعية السياسية لمختلف المؤسسات كيف ما كان نوعها وأن يكون لها تأييد شعبي وواسع وملزم؛
- توسيع حرية الاختيارات السياسية والمشاركة في الانتخابات العامة لتحديد ممثلي الشعب اليمني في برلمان ديمقراطي منتخب وفق النصوص القانونية والمؤسساتية بعيدا عن الصراعات الاثنية والدينية لتحقيق الوحدة الوطنية ودعم آليات العدالة الانتقالية؛
- نهج نُهج قانونية ومؤسساتية لضمان استقلالية الجسم القضائي عن أي طرف سياسي وليمارس مهامه دون التحكم من أطراف الصراع؛
- توسيع المشاورات الوطنية في مختلف مناطق اليمن وخصوصا منهم الضحايا وذويهم؛
- تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة بعد اتفاق سياسي لمختلف الفرقاء مع تحديد أولوية وبشكل عاجل جبر أضرار الضحايا ودويهم؛
- أولوية جبر الأضرار ومأسسة الإطار القانوني والمؤسساتي على طرح العدالة العقابية التي تقوي الشرذمة والانقسام الاجتماعي.
- تقوية الأنظمة العرفية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بما تتسم من المرونة والسرعة فإصدار الأحكام مقارنة مع القضاء الرسمي، عوض استيراد نماذج ارشادية من العدالة الانتقالية على أن يتم بناء الدولة ومؤسساتها.
- تقوية نهج المصالحة المجتمعية والوحدة الوطنية لبناء الدولة لا عن تقسيمها.
- الأعراف والتقاليد القبلية أعتقد هي الوسيلة الأكثر فعالية لضمان الأمن وحل الخلافات المحلية المعقدة في ظل الظروف الصعبة لسد الفراغ الأمني والقضائي من لدن “المحكمين” أو “الوسطاء القبليين” الذي يمتازوا بالمصداقية والشرعية محلية عبر آليات محلية وهي “الصلح” و ” الدية” و” الكفالة القبلية”، هذا يساهم في “حل نزاعات معقدة” و ” إبرام اتفاقيات تبادل الأسرى وإطلاق سراح المعتقلين” و ” فتح الطرقات” و ” تخفيف الاحتقان الطائفي والسياسي” ….وبالتالي فإن هذا النظام القبلي العرفي سيكون “المساند الأول للدولة” ودور في إنجاح العدالة الانتقالية.
مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية*







