رأي

المنتخب المغربي… يُصر، يُبهر ثم ينتصر

المنتخب المغربي… يُصر، يُبهر ثم ينتصر

مقابلة المغرب مع البرازيل، في كأس العالم الدائرة أطوار منافساته، ما بين أمريكا، كندا والمكسيك، مضت عليها أيام… والنتيجة التي انتهت إليها تواصِل توليدَ الحديث عنها، في الإعلام الكروي عالميا، بما هي تعادُلٌ أنقذَ البرازيل من هزيمة يبدأ بها مِشوار منافسات طويل ووعِر… وبما هي حبْلى بالدَّلالات حول المستوى المتطوِّر الذي بلغته ممارسة كرة القدم في المغرب، بالعلاقة مع ما تكشفه من تقدُّم ملموس للمغرب طال كل مقوماته، بِنياته وروافعه…

فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، كشف في بوح إعلامي له بأن لاعبي الفريق الوطني المغربي غادروا إلى نيويورك، ولا أحدَ منهم سأل عن قيمة المنحة المالية التي خصَّصتها الجامعة، تحفيزًا لهم على تحقيق نتائج إيجابية في المباريات التي سيخوضونَها… هم مُفعمون بروح الوطنية الحارَّة بأنفاس أداء واجب وطني… وقد كان ذلك واضحًا في مقابلتهم الأولى مع فريق البرازيل، وسيتضح أيضا في مقابلتهم الثانية مع سكوتلاندا… قبل الدُّربة الرياضية، والذكاء المَصقول بالخبرة، استنْفر اللاعبون فيهم طاقة الأقدام، الاندفاع والتعَمْلُق، بحرارة الروح الوطنية… يتحركون من واعِز أنَّهم كلَّفوا أنفسهم، وليسوا أجرَاء لدى أحد، بوضع بَلدهم، المغرب، في المواقع العليا، التي يستحقها، بين الشُّعوب والأمم…

اللاعبون، ولم يكن أداءهم الجيِّد، والذي أبهر العالم، في مباراتهم ضد فريق البرازيل، قبل وبعد نتيجة التعادل، مُجرَّد فورة حماس عابرة… أكدوا قُدرتهم على صَوْن هوِّية التفوق فيهم… قبل تعادلهم ثم انتصارهم، أقنعوا بتماسُك الفريق ومتانة الفعالية والتفاعُل، والتفاعل بيْن كل مكوِّناته، في مقابلتهم ضد سكوتلاندا، والتي آلت إلى نتيجة إصابة مقابل صفر، وهي مؤهِّلة للمغرب للعبور إلى الطور الموالي… كانت مباراة أخرى، تقول بأن الفريق المغربي، هو استمرار فريق الانتصارات والتميُّز في نُسخة قطر من “كأس العالم”… هو فريق من بِنية تطوَّرت، وهي ماضية في التطوُّر، وهو منتوج تصوُّر استراتيجي للتفوُّق المغربي في الرياضة، ضمن مَسار السعي إلى التفوق والنجاعة والتقدم في كل روافع وأروقة المغرب… قبل إشراقة شمس صباح السبت 20 يونيو، ومع ساعات الصباح الأولى، هنا في العاصمة التشيكية بْراغ، أكَّد الفريق المغربي أنه ذاهبٌ لرَشف نَخْبِ كأس العالم، وهو يَصْدح بحيوية السعي المغربي للتفوق، من حقل الرياضة، وفي كل شرايين المغرب…

في “براغ”، حيث أوجَدُ هذه الأيام، والخالية من أيَّة علامات تدل على انْشغالات “القوم” هنا بكأس العالم رغم أن الفريق التشيكي يُشارك فيها.. يسَّرتْ علي نتيجتا الفريق المغربي في نيويورك وفي بوسطون لقاءاتي مع شخصيات تشيكية… كنتُ أستقبَل من طرفها، بتعابير الإعجاب بمنتخب المغرب وأوَدَّع فيها بتمَنِّيات وصوله إلى أعلى مواقع نهائيات “كأس العالم”… وفي كل الأحاديث حوْل وقائع مُبهرات أداء الفريق المغربي، نصل إلى استحضار المغرب، “بمَجَاميعِه”، وبكل سياساته…

في النِّقاشات السياسية، المُبرمجة، وفي مَقراتٍ مؤَسَّساتية، كما في الدّردشات العفوية في المقاهي والمطاعم، هوِّيتي المغربية تَفرشُ لي السّجّاد الأحمر في النقاشات والتفاعُلات، وتقودُها، حتمًا، إلى وضع المغرب، كله، في الفحص والتمحيص الذي ينتهي إلى أن الشخصية المغربية هي اليوْمَ مَنتوج مَجهود نَوْعي في صوْغ مغربٍ آخر… مجهودٌ يقودُه الملك محمد السادس، بحس تاريخي، إصلاحي وتحديثي، هو اليوم بادٍ، ولامِع التشكل، لأعداء المغرب، والمُتحسِّسين منه، قبل أصدقائه، بل وقبل حتى بعض أبنائه…

أصدقاء المغرب، في السياسة، لا يصادقونَه لمجرد كسب مَحبته… لا مجال للعاطفة في السياسة، عُموما، وفي الدولية منها خاصة… المغرب مَطلوبةٌ صداقتُه، دوليا، لكونه مٌفيدا، ولما يمكن أن يُفيدهم، أو “يَتنافع” معهم به… لما يملكه من تموقُع مُنتج في ممكنات عطاءاته في التفاعلات الجيواستراتيجية، ولمردوديته في التفاعلات الاقتصادية عبر حقولها الصِّناعية، التجارية والسياحية… والمغرب طوَّر ممكناته، تلك، وهو فيها رائدٌ ومتقدِّم لذاته وفي إفريقيا وعربيا، وفي حَوْض المتوسط…

تلك الوضعية، هي واحدةٌ من مُفسِّرات الإقبال الدولي على المغربي، من البوابة السياسية وصولا إلى المجالات الإنتاجية المختلفة… ولتأمين تلك الغاية وتسهيلها، أنتجت الإرادة الدولية قرار مجلس الأمن 2797، الخاص بحلِّ نزاع الصحراء المغربية، عبر تنزيل مُقترح الحكم الذاتي… وقبل ذلك القرار وبَعده، تحصَّل المغرب على دَعمٍ دوْلي جاوز اليوم 150 دولة، لمقترحه السِّلمي، هو تعبيرٌ عارم وصارخ بالحاجة الدولية للمغرب، وهو مُتخلِّص من “مَشغلة” ذلك النزاع المختلَق ومن شَغبٍ عُدواني انْفِصالي موَجّه فقط، بعداءٍ، مُزمِن لقيادة الجزائر ضد المغرب…

إزعاج تعرّض له المغرب وتشويشٌ على مُضيِّه على مَسار التقدم، لم يُفرمل المسار التنموي المغربي، بل شَحنَه أكثر بالعزيمة الوطنية لكل فئات الشعب المغربي ولكل فعالياته، وضمنها الرياضية وفي طليعتها كرة القدم المغربية، كما نتابع مبهراتها، في منافسات كأس العالم الجارية الآن…

في العالم، أكثر الدول تُثَمِّن التقدم المغربي، الملموس في كل المجالات… وتحاول أن تجد لها معه مداخل للإفادة منه… إلا الإخوة في الجزائر، سامحهم الله، لا يُخفون تبرُّمَهم من تقدُّم المغرب، ويُعبِّرون عن ذلك في إعلامهم الرسمي… وحتي اليومَ في هذه الحالة العيْنية المباشرة يأخذون تقدم المغرب، من نتائج مبارياته، كأنها ضدَّ الجزائر… مع أن للمسار التنموي المغربي أهدافٌ واضحة، لفائدة المغاربة، ولفائدة الشعوب المغاربية، وأولها، الشعب الجزائري، إذا ما رغبت قيادتُه في ذلك…

يبدو أن تلك القيادة غير مُستعِدة لاقتحام مستقبلٍ مُنتج في علاقاتها مع المغرب… ويبدو أنها مُنزَعِجَة من أن الملك محمد السادس يُلح على مدِّ يده إليْها، للحوار وللتعاون وللمستقبل… تتعامى عن القراءة السليمة للمدِّ الدولي النوعي والعارم الداعم لحق المغرب في مَسعاه الوطني والوحدوي… والتي منطقيا، يُفترض أن تلاحظ فيها، قيادة الجزائر، تموقُعا رياديًا للمغرب في الأوضاع الجيواستراتيجية في الدوائر المُتداخِلة، دوائر إفريقيا، حوض المتوسط والمنطقة المغاربية… وهو تموقُعٌ بدّد مُبَرِّرات نزاع الصحراء والحاجة الدولية، السابقة، له ونَقَضَ سرديات ذلك النِّزاع لما قبل 2007…

المؤسف، أن القيادة الجزائرية تعرف أنها لا تملك مَفرًّا لها من الانصياع للإرادة الدولية، والتي يُعبِّر عنها قرار مجلس الأمن رقم 2797، ولكنها تكابِر وتُناور في محاولة تمديد، ما لا يمكن تمديده، من صلاحية سرديات مُتلاشية، أضرَّت بالجزائر، وحالت دونَ امتلاكها لمقوِّمات المتانة الاقتصادية، وجواز مُرورها إلى الفعالية الدولية، بدءًا من قَبولها في تجمع البريكست، والذي كان حلم الرئيس السيد عبد المجيد تبون ولكنه خاب…

الكلام الذي أطلقه السيد بنجامع ممثل الجزائر في الأمم المتحدة (خلال اجتماع اللجنة الرابعة والعشرين) مُحزِن أن تكون قيادة الجزائر أمرَت به… كلام لما قبل قرار أكتوبر الماضي في مَجلس الأمن، والسيد بنجامع كان حاضرا حين صدر… كلام يعني أن الجزائر تتحرك خارج الشرعية الدولية، وهي تعرف أن هامشها في ذلك التحرك ضيق ووقتُه قصير…

والمغرب لا يبالي، اعتاد على ذلك العناد، وتلك المشاكسات لنصف قرن… وهو فاعل في موقع الاتجاه الصحيح للتاريخ، ومحاطٌ بالإرادة الدولية… المغرب مُنتشي اليومَ بذلك النشيد الذي يتردد في ملاعب كرة القدم، وفي كل بُيوت وفضاءات المغرب وفي كل قلوب المغاربة وهم يعلنون “إخوتي هيا للعلا سعيا”…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News