رأي

الدعم السينمائي بالمغرب: لماذا أصبحت مضاعفة الغلاف المالي ضرورة استراتيجية؟

الدعم السينمائي بالمغرب: لماذا أصبحت مضاعفة الغلاف المالي ضرورة استراتيجية؟

لم يعد الدعم السينمائي في المغرب مجرد آلية لتمويل الأفلام الوطنية، بل تحول إلى رافعة أساسية لمنظومة متكاملة تشمل الإنتاج الوطني، واستقطاب الإنتاجات الأجنبية، ودعم القاعات السينمائية، وتنظيم المهرجانات والتظاهرات الفنية. وفي ظل التحولات التي يعرفها الاقتصاد الثقافي عالميا، بات من المشروع التساؤل حول مدى قدرة الغلاف المالي الحالي على مواكبة الطموحات المتزايدة للقطاع، خاصة وأن السينما أصبحت اليوم صناعة قائمة بذاتها تساهم في خلق فرص الشغل وجذب الاستثمارات وتعزيز القوة الناعمة للدول.

يظل الإنتاج الوطني جوهر السياسة السينمائية لأي دولة تسعى إلى حماية هويتها الثقافية وتعزيز حضورها في الأسواق الدولية. فالفيلم المغربي لا يقتصر دوره على الترفيه، بل يساهم في توثيق التحولات الاجتماعية وصناعة الذاكرة الجماعية وإبراز التنوع الثقافي للمملكة.

غير أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والتقنيات الحديثة ومتطلبات التوزيع والتسويق الدولي يفرض اليوم مراجعة حجم الدعم الموجه للمنتجين المغاربة. فكلما ارتفعت جودة الإنتاج، ازدادت فرص الفيلم المغربي في المنافسة داخل المهرجانات والأسواق العالمية، وهو ما يجعل الاستثمار في الإنتاج الوطني استثمارا في صورة المغرب ومستقبله الثقافي.

أصبح المغرب خلال العقدين الأخيرين أحد أهم الوجهات السينمائية في إفريقيا والعالم العربي. وقد استقطبت مناطق مثل ورزازات ومراكش والرشيدية والداخلة عشرات الإنتاجات الدولية الكبرى التي ضخت استثمارات مهمة في الاقتصاد الوطني.

وتؤكد التجارب الدولية أن تحفيز الإنتاجات الأجنبية يشكل خيارا اقتصاديا ناجحا. ففي المملكة المتحدة مثلا، ساهم نظام الحوافز الضريبية في جعل البلاد واحدة من أكبر مراكز التصوير السينمائي في العالم، بينما استطاعت إسبانيا جذب استثمارات ضخمة بفضل برامج الاسترداد الضريبي الموجهة لشركات الإنتاج الأجنبية.

ويمكن للمغرب أن يعزز هذا التوجه عبر رفع الموارد المخصصة للتحفيزات السينمائية وربطها بخلق القيمة المضافة المحلية وتشغيل الكفاءات المغربية ونقل التكنولوجيا والخبرات.

إذا كان الإنتاج هو قلب الصناعة السينمائية، فإن القاعات هي رئتها التي تتنفس من خلالها. غير أن المغرب ما يزال يعاني من محدودية عدد القاعات مقارنة بحجم السكان واتساع المجال الترابي.

وقد أثبتت تجارب دول مثل فرنسا وكوريا الجنوبية أن دعم القاعات لا يقل أهمية عن دعم الإنتاج. ففي فرنسا، تخصص الدولة والجماعات المحلية ميزانيات مهمة للحفاظ على القاعات المستقلة وتحديثها، بينما ساهمت السياسة الكورية في توسيع شبكة العرض السينمائي لتصبح إحدى ركائز النهضة التي عرفتها السينما الكورية خلال العقود الأخيرة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى جعل دعم القاعات السينمائية أولوية استراتيجية بهدف تقريب الثقافة السينمائية من المواطنين وخلق سوق داخلية قادرة على استيعاب الإنتاج الوطني.

لم تعد المهرجانات مجرد فضاءات للعرض والتتويج، بل أصبحت أدوات للترويج السياحي والثقافي والاقتصادي. ويكفي أن ننظر إلى التأثير الدولي لمهرجان “كان” الفرنسي أو مهرجان “برلين” الألماني لفهم الدور الذي يمكن أن تلعبه التظاهرات السينمائية في تعزيز صورة الدول.

وفي المغرب، يشكل مهرجان مراكش الدولي للفيلم والمهرجان الوطني للفيلم بطنجة وغيرهما من المواعيد السينمائية فضاءات للحوار الثقافي والتكوين والتسويق المهني. غير أن تطوير هذه التظاهرات يتطلب موارد إضافية تسمح لها بالارتقاء إلى مستويات أعلى من الاحترافية والإشعاع الدولي.

إذا كان توسيع الغلاف المالي ضرورة ملحة، فإن نجاح هذه الخطوة يظل رهينا بتعزيز الحكامة والشفافية. فكل زيادة في الإنفاق العمومي ينبغي أن تقترن بآليات أكثر صرامة في التقييم والتتبع والمساءلة.

وتقدم التجربة الفرنسية نموذجا لافتا في هذا المجال من خلال المركز الوطني للسينما والصورة المتحركة (CNC)، الذي يعتمد منظومة دقيقة لقياس أثر الدعم وتوجيهه نحو الأهداف الاستراتيجية للقطاع. كما تعتمد كندا آليات تقييم دورية تربط التمويل العمومي بالنتائج المحققة على مستوى الإنتاج والتوزيع والتشغيل.

وفي المغرب، أصبح من الضروري الانتقال من منطق توزيع الدعم إلى منطق قياس الأثر، عبر مؤشرات واضحة تتعلق بعدد المشاهدين، وحجم التوزيع، والمشاركة الدولية، وفرص الشغل المحدثة، والقيمة الاقتصادية الناتجة عن المشاريع المدعومة.

تكشف التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في بناء صناعة سينمائية قوية لم تعتمد على السوق وحدها، بل على سياسات دعم طموحة ومستمرة.

ففرنسا تخصص سنويا مئات الملايين من اليوروهات لدعم مختلف حلقات الصناعة السينمائية. أما كوريا الجنوبية فقد جعلت من السينما جزءا من استراتيجيتها الثقافية والاقتصادية، وهو ما مكنها من التحول إلى قوة عالمية في مجال الصناعات الإبداعية. كما استثمرت الإمارات العربية المتحدة بشكل مكثف في البنية التحتية السينمائية واستقطاب الإنتاجات الأجنبية لتصبح مركزا إقليميا متقدما في هذا المجال.

وتؤكد هذه النماذج أن الاستثمار في السينما ليس عبئا على المالية العمومية، بل رافعة للتنمية الاقتصادية والثقافية.

تتزامن المرحلة الحالية مع استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية وثقافية عالمية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. وهو ما يفتح فرصا استثنائية أمام القطاع السينمائي لتعزيز حضوره الدولي والاستفادة من الدينامية الاقتصادية المرتقبة.

وتتمثل الآفاق المستقبلية في تطوير الاستوديوهات الوطنية، وتوسيع شبكة القاعات السينمائية، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتشجيع المنصات الرقمية المغربية، وتعزيز التكوين في المهن السينمائية الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والمؤثرات البصرية والإنتاج الرقمي.

كما أن توسيع الغلاف المالي للدعم يمكن أن يشكل حجر الأساس لبناء صناعة سينمائية قادرة على تحقيق التوازن بين الإبداع والربحية، وبين البعد الثقافي والبعد الاقتصادي.

إن مضاعفة الغلاف المالي للدعم السينمائي لم تعد مطلبا قطاعيا ضيقا، بل أصبحت خيارا استراتيجيا ينسجم مع طموح المغرب في بناء اقتصاد ثقافي قوي ومؤثر. غير أن نجاح هذا التوجه يقتضي ربط الدعم بحكامة حديثة، وبمؤشرات واضحة للنجاعة والأثر.

فالسينما ليست مجرد أفلام تعرض على الشاشة، بل صناعة تخلق الثروة وفرص الشغل، وتعزز صورة المغرب في العالم، وتساهم في ترسيخ مكانته كقوة ثقافية صاعدة في محيطه الإقليمي والدولي.

رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News