رأي

كأس العالم… المغرب ذاهب لنخبها… ويستحق

كأس العالم… المغرب ذاهب لنخبها… ويستحق

لشهر، وأيام زيادة، ستكون كرة القدم، لعبة، كلاما وأحلاما مُهيمِنة على فضاءات العالم: انشغالات الشعوب ومشاعرها، كل مرافق الاعلام، وفي هموم الدول وتطلعات سياسات تنافساتها الدولية…  إنها أسابيع من “كأس العالم”… “الكأس” الفوارة باللذة إلى درجة أن “محتسيها” يكرهون أن يروها ملأى ويكرهون أن تبقى فارغة… لا تغادر الأفواه إلا لتعود إليها…

الشغف بكرة القدم يستبد بالعالم… الدول الثمانية والأربعون، سلمت أعلامها لستة وعشرين لاعبا من أبناء كل دولة على حدة، للصعود بها إلى قمة المنافسات، مرورا بتصفيات في منعرجات حادة… ووراء تلك الكتائب من محترفي المراوغات، التمريرات والتسديد، شعوب تهتف، كل بمايتوق إليه من نوعية وموضوع انتصاراته، تفوقه وتميزه… وحمل تلك الكتائب ينوء بما لا يدخل معه ملاعب المقارعات، والكر والفر في مستطيل محدد وفي مساحة دقائق… أوسعها، مائة وعشرون دقيقة… لكنه الشغف، ومنه ما أنهك وحتى قتل، وقليله، فقط، أوْصل…

الرئيس الليبي، المرحوم معمر القذافي، كان قد استنكر في “النظرية العالمية الثالثة” التي وثقها في “الكتاب الأخضر”، استنكر، أن تمارس الأقلية للرياضة بينما الأغلبية من الجماهير تتفرج… يُفترض كما “شرحَ”، أن تكون للرياضة تجلياتها “الجماهيرية”: لتكتسح الجماهير الملاعب “لتعزل” في المدرجات “أقلية” المحترفين للرياضة… ونتيجةُ تلك “النظرية” أن ليبيا اليوم لا تحضر في المنافسات الرياضية بفرق قوية ولا بلاعبين مَهرة، وأيضا لم تتمكن “الجماهير” من التمرن على التنافس الرياضي، ولا على صحة التنافس السياسي… الأدهى أن القائد القذافي اهتم “بتجييش” الشعب وتعميم حيازة السلاح، حتى على من هم دون سن الرشد، واستصغر من شأن تمنيع الجيش بمقومات المهنية العسكرية (خطب مرة في حفل تخرج ضباط من مدارس عسكرية بأن دورهم مقتصر على خدمتهم تحت إمرة الجماهير المسلحة) … فكان أن طاردته تلك “الجماهير” المسلحة، زنقة زنقة وصحراء صحراء، إلى أن قتلته وهو أعزل من مرافقة وحراسة القوات النظامية، لا العسكرية ولا الأمنية…

ولعل العقيد أصاب في جانب من تداعيات نظريته العجيبة، وحتى دون قصد منه… إذ المنافسات الرياضية، وأساسا منها منافسات كرة القدم، ليست مسؤولية حصرية للاعبين اللذين يخوضونها… أو هكذا تحولت في ساحاتها الدولية… هي حرب بكل أدواتها المعنوية، في جريانها وفي مؤداها، وتشترك الدول والشعوب في خوضها… بالحماس والنشيد الوطنيين… مواجهة يؤطرها إعلام وطني الإيقاع، مستعيرا من القاموس العسكري مفردات من قبيل، الهجوم، الدفاع، الحملة المضادة، التكتيك والاستراتيجية، الإصابة القاتلة، وغيرها كثير…

شعبية كرة القدم، محليا ودوليا، بلغت الدرجة القصوى من بين جميع أنواع الرياضات الأخرى… حتى الولايات المتحدة الأمريكية التي بقيت لعقود مكتفية بأنواع أخرى من المنافسات الكروية، أدركتها حمى كرة القدم، وأضحت اليوم تملك فريقا كرويا منافسا لفرق دول عريقة في اللعبة… هذه الشعبية لها أسباب وروافع اجتماعية، رياضية وسياسية، وأضيفت لها الرافعة الاقتصادية، من حيث هي قوامها، ومجال استثمار لها، تستعيض بها دول وشعوب عن الانتصار في تحديات التنمية، وإنجاز أسباب وعلامات التقدم، وربح رهانات التنافس الدولي فيها، وبها تخوض دول حروبا طاحنة ضد خصومها أو أعدائها… حروبٌ، الأسلحة فيها الركلات والتسديدات المفضية إلى إصابات، لا تدمي الأجساد ولكنها تدمع وتجرَح كبرياء شعوب…

المغرب من صنف الدول التي أدمجت الرياضة عامة، وكرة القدم خاصة، في مشاريعها التنموية… المشروع التنموي المغربي، الإصلاحي والتحديثي الذي أرسى دعاماته واستهدافاته الملك محمد السادس، متسم بالشمولية وبالتمفصلات المندمجة والمتفاعلة، وضمنها الرياضة، دعامة للتملك المغربي لأسباب التقدم…في المستوى الإنساني الفردي فيها، منها، وأساسا، شحن الانتماء الوطني بالروح الإيجابية، المفعمة بالاعتزاز بالهوية الوطنية دون تعصب منغلق لها… مع التطلع، المتحمس وغير المتنطع، إلى قرن التفوق والتميز بالكفاءة والاستحقاق وليس بالغش والتآمر والحذلقة… بحيث تكون تربية العضلات على القوة والصلابة متصلة بالتربية الأخلاقية، قوام الوطنية المتأصلة في أمة ذات عمق حضاري ومتحصلة على أهلية، معنوية وفعلية، للتفاعل مع السعي العالمي للسلم والتضامن والتعاون بين الشعوب…

على المستوى المحلي المغربي، سُجِّلت وتُسجل حالة عنف “رياضي” بين أنصار فرق محلية لكرة القدم… حالات لها تفسيرات، في تعصب إقليمي مرَضي، في الأصول الاجتماعية لبعض الشباب المنساق إلى الشغب، في إفرازاتٍ لتطورات توسع عمراني مُنفلت من التأطير الاجتماعي والاقتصادي…غير أن ذلك الشغب لم يمارَس أبدا على هامش المنافسات الدولية… الفرح بانتصارات المنتخب الوطني، في المغرب وفي الخارج مورسَ بدرجات عُليا من الحماس والانتشاء، ولم يُلوّث قط بالتشفي من الخصوم والمكابرة عليهم…وحتى في حالة هزيمة الفريق الوطني، يُلجم المغاربة غضبهم ويُضمِّدون جراح الكبرياء الوطني بالصمت وبالثقة في انتصارات مُقبلة…

في المباراة النهائية لكأس إفريقيا، في المغرب، شهد العالم كيف أخمد الجمهور المغربي استفزاز بعض أنصار الفريق السينغالي، في الملعب، وامتنعوا عن نقل ذلك الشغب السينغالي إلى حقل العلاقات المغربية السينغالية، الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية…

في دورة تلك “الكأس”، كان المغاربة هدف حملة إساءة للمغرب ومحاولة إفشال ذلك العرس القاري، وكان واضحا، أن الحملة تلك، عن سبق إصرار وترصد، بل إن تقارير إعلامية غربية كشفت بأن البلد المغاربي، المتربص بالمغرب، أنفق حوالي 6 ملايين دولار، خلال سنة، لتمويل مخطط “شمولي” للإضرار بالاحتضان المغربي، الناجح، وغير المسبوق لمنافسات “كأس إفريقيا”، وبشهادة الاتحاد الإفريقي في خلاصات رسمية له، قومت مظاهر ومقومات ذلك النجاح… ومع ذلك ترفّع المغاربة، في الدولة وفي المجتمع، عن الرد على تلك الحملة أو الانفعال ضدها…

“كأس العالم”، الجارية أدوارها، يدخلها المغرب، فريقا وجماهير، بنفَس الواثق من المشاركة فيها بروح المنتصر… الفريق المغربي، يحفُّه احترام العالم له، بسبب عطائه المميز في “كأس العالم” بقطر… فريق قُدَّ من طموح الفوز… فريق للريادة في ذلك المجمع العالمي، لأنه، رياضيا، مؤهل بالإعدادات الرفيعة الجودة، ولأنه يمثل بلدا، أخرج كرة القدم من الهامشية، العشوائية والارتجال في تدبير ممارستها، ثم إنه بلد يجتهد في الانتصار على التحديات التنموية، والرياضة فيها، لديه، من روافع ذلك الانتصار…

لا شك أن مشاركة المغرب في كأس العالم ستكون مميزة، والملاحظون المهتمون يتوقعون ذلك… وستكون في جميع الحالات انتصارا آخر في مسلسل الإنجازات… والهام أن تلك الانتصارات جميعها يواكبها وعي

بنوعية الكوابح التي تنبُت حوالي مسار المغرب وأمام اندفاعه… كوابح ونتوءات وحتى مطبّات تفَرمِل،تبطئه ولكن لا توقفه، بسبب تفاعل المنجز وتكامله في الكيان المغربي ككل…

المغرب منتصر في نهجه لتدبير تسييجه لوحدة ترابه وشعبه… بعد أزيد من ربع قرن من تصميمه على الوفاء، لتاريخه، هاهو اليوم، يجني رصانة وعقلانية ديبلوماسيته، يحاط بأزيد من 140 دولة متفهمة لحقه الوطني ومساندة لمقترحه السلمي لحل نزاع مفتعل، ووبال على مشعليه أولا… وتلك الدول بمسانتدتها تلك، تضع المغرب في موقع الاعتبار بكليته… وتتوق لمشاركته طموحات تقدمه…

المغرب هو اليوم إفريقيا في منزلة الريادة الصناعية جاوز جنوب إفريقيا، وهو بمؤهلاته ممتلك لجاذبية إفريقية قوية لدى عديد دول إفريقية… لأنه أرسى مع إفريقيا عقيدة تعاون، أساسها رابح رابح.

المغرب، وللدورة الثالثة على التوالي، يدير “منصة مراكش” لاجتماع الأجهزة الاستخباراتية الإفريقية، بالاشتراك مع الأمم المتحدة… ويلتقي فيها حوالي 40 جهاز مخابرات إفريقي، عربون الثقة في الجهاز المغربي، وبخبرته، الملموسة، في محاربة الإرهاب، وهي مكانة لم يصلها مجاملة، قادته إليها فعاليته وجاهزيته الأمنية، المشهود له بها في العالم… والتي يستمدها من وضوح موقعه في المشروع الإصلاحي والتحديثي الوطني، الذي يقوده الملك محمد السادس.

أيضا، سفير الولايات المتحدة الأمريكية، في حفل العيد الوطني الأمريكي، بالرباط، سيقول “بأن المغرب هو حليف متين للولايات المتحدة الأمريكية، وأن الرئيس ترامب يدعم بقوة مسار حل نزاع الصحراء على قاعدة المقترح المغربي بإنزال الحكم الذاتي”… وهي علامة قوية على الفاعلية المغربية الدولية… الإدارة الأمريكية، لا تحالف ولا تدعم الضعيف، بمنطق الأساس المذهبي لنظام الحكم الأمريكي… قوة المغرب وممكناته بها يؤطر علاقاته الخارجية، ومن خلالها تنظر إليه أطراف علاقاته.

وهذه فقط عينات، من مستجدات الأحداث، الدالة على انتصارات الغرب وعلى أن موجهات منتخب المغرب لكرة القدم يستوحي منها عزمه وتوْقه للتميز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News