حتى لا تتحول ملاعب الكرة إلى ملاعب الانتخابات

يعرف المغرب هاته السنة انتخابات تشريعية ستكون لا محالة هي الإطار السياسي لحكومة ولاية 2026-2031.
وبحسب منطوق الدستور، فإن رئيس الحكومة سيكون من الحزب الأول. والأكيد أن الدولة، بحسب منطق ثلاث ولايات، لن تخرج عن اختيار الأمين العام للحزب الأول، حيث يظهر أن رئيس الدولة الملك محمد السادس متشبث بهذا الاختيار.
لكن بين هذا وذاك، يتم تسريب أسماء، تارة بشكل جدي ومعقول، وتارة ثانية بشكل مازح ورغبة في جس النبض، ومرات أخرى لأمر في نفس يعقوب أو علي.
كان آخر التسريبات، التي راجت هذه الأيام بشكل واسع، اسم رئيس الكرة كأحد الأسماء الغير المحزبة إلى حدود الساعة لترأس حكومة حزبية!!؟
لنأخذ المسألة بكثير من الجدية، على الأقل من الناحية الدستورية والسياسية وحتى الانتخابية:
دستوريا: الفصل 47 من دستور 2011 ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
سياسيا: لم يثبت أن الملكية خرقت، من هذه الناحية، دستور 2011 خلال خمسة عشر سنة من العمل به، بل حتى في أزمة البلوكاج تشبثت بتعيين شخص آخر من نفس الحزب؛ وهو الذي سيصبح أمينه العام مباشرة بعد ذالك.
انتخابيا: يحرص الملك على أن يعين، وبشكل مستعجل، أمين عام الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، ويكلفه باقتراح باقي أعضاء الحكومة.
كثرة اللغط واللغو حول هوية رئيس الحكومة المقبلة تطرح تساؤلات، من بينها:
هل هناك رغبة في الانقلاب الكلي على دستور 2011؟
هل هناك حنين إلى عهد قد ولى؟
أم أن هناك ترتيبات أخرى تحكم خلفية هذا التسريب والنقاش؟
إذا افترضنا أن الحزب الذي سيتصدر انتخابات شتنبر القادم سيكون من بين الأحزاب الثلاثة المكونة للتحالف الحكومي الحالي، فإن رئيس الحكومة المقبل، بحسب ما جرى “العرف” به منذ دستور 2011، لن يخرج عن الأمناء العامين الثلاثة: محمد الشوكي عن الأحرار، فاطمة الزهراء المنصوري عن البام، ونزار البركة عن حزب الاستقلال.
قد يقول قائل: بما أن الدستور لا يشترط أن يكون رئيس الحكومة المعين أمين عام الحزب الأول، ويكفي أن يكون منه، فإن الأمر لن يطرح مشكلة ما دام أنه بإمكان رئيس الحكومة المقبل أن يكون قد التحق بأحد هذه الأحزاب. وبالفعل، فقد بدأ الحديث يجري عن “تحزيب” رئيس الكرة وإلحاقه بالحزب الذي سيتصدر نتائج الانتخابات، كما لو أن نتائج الانتخابات معلومة!!
إننا في هذا الوضع، وفي جميع الأحوال، سنكون أمام مسطرة استثنائية غير حزبية وقد تشكك في نتائج الانتخابات؟
المغرب، من الناحية السياسية، يوجد في وضع عادي لا استثنائي، ولا يوجد أي داع لدخول مرحلة استثنائية.
فلماذا يتم الترويج لمسطرة تكرس العزوف ولا جدوى الانتخابات، وتضع الدولة وجها لوجه أمام غضب المجتمع؟
لا أعتقد أن أي مسؤول في الدولة سيتناسى انتفاضة حركة 20 فبراير التي أفرزت دستور 2011، وكان أهم مطالبها مزيدا من الديمقراطية، بل ديمقراطية كاملة تحقق ملكية برلمانية.
و لا أظن أيضا أن أي مسؤول عاقل سيكون قد أسقط من ذاكرته حراك الريف وحركات احتجاجية في جرادة وفكيك… وغيرهما، وكان آخر الزلازل الاحتجاجية حركة جيل زيد.
ولا أظن مرة أخرى أن أي مسؤول قلبه على البلاد يجهل أن المجتمع لا يزال خزانا لهزات أخرى.
لا أحد من حقه أن يقامر بالبلاد والعباد وبالحاضر والمستقبل.
دعونا من كل هاته الشطحات، ودعوا صناديق الاقتراع، بعلاتها، تفرز رئيس حكومة حزبي، حقا وحقيقة، يكون بإمكانه يقف أمام المواطنين، باسم حزبه الحقيقي وأغلبيته التي شكلها، ليواجههم وليحاسبوه، واتركوا رئيس الكرة في حجم الكرة حتى لا تتحول ملاعب الكرة إلى ملاعب الاقتراع أو لربما إلى ملاعب الاحتجاج.
عضو المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي*







