العودة إلى الساعة القانونية: إنصات متأخر أم حسابات انتخابية؟

أعلن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، العودة إلى الساعة القانونية ابتداء من ليلة 21 شتنبر 2026، وهو قرار أعاد إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات إثارة للجدل في المغرب خلال السنوات الأخيرة.
إن الساعة الإضافية لم تكن مجرد مرسوم حكومي لتنظيم الزمن، بل تحولت إلى قضية مجتمعية وسياسية، استنزفت طاقة المواطنين وجهدهم وصبرهم، كما استنزفت رصيد المؤسسات التي أصرت على الإبقاء عليها، رغم اتساع دائرة المطالب الداعية إلى إلغائها.
فمنذ اعتماد التوقيت الذي كان يوصف بالصيفي بشكل دائم، ارتفعت أصوات الأسر والتلاميذ والطلبة والموظفين، للتعبير عن رفضهم لهذا الإجراء، معتبرين أنه ينعكس سلبا على حياتهم اليومية وعلى توازنهم النفسي والاجتماعي، ورغم ذلك، ظلت الحكومات المتعاقبة تتعامل مع هذا المطلب بكثير من التجاهل، دون أن تقدم للرأي العام تبريرات مقنعة، أو دراسات شفافة، تثبت الفوائد الحقيقية للساعة الإضافية، مقارنة بالأضرار التي يشتكي منها المواطنون.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، هو إذا كانت الحكومة مقتنعة فعلا بوجاهة مطالب المغاربة، فلماذا انتظرت كل هذه السنوات؟ ولماذا لم تتخذ هذا القرار منذ بداية تحملها للمسؤولية، خاصة أن الأمر يتعلق بمرسوم حكومي، لا يحتاج إلى اعتمادات مالية، أو إجراءات تشريعية معقدة، لان الإنصات الحقيقي للمواطنين، لا يكون في نهاية الولاية الحكومية، بل عندما يرتفع صوت المواطنين لأول مرة، أما الاستجابة المتأخرة، فتفتح الباب أمام التأويلات السياسية والانتخابية، أكثر مما تعكس إرادة صادقة في تصحيح الاختيارات السابقة.
وفي السياق نفسه، يبدو ان اختيار تاريخ 20/21 شتنبر بالذات للعودة للساعة القانونية بالمملكة، يستحق التوقف عنده، فهذا التاريخ يأتي قبل أيام قليلة من الاستحقاقات الانتخابية المقررة يوم 23 شتنبر، ما يجعل من الصعب فصل القرار عن السياق السياسي العام، لأن الحكومة التي ظلت متمسكة بالساعة الإضافية، رغم موجات الرفض المتكررة، قررت فجأة التخلي عنها في لحظة انتخابية واضحة، وهو ما يعزز الانطباع بأن الاعتبارات السياسية والانتخابية قد تكون حاضرة بقوة في خلفية القرار.
كما لا يمكن استبعاد فرضية ارتباط 20/21 شتنبر، بالتحولات النفسية والاجتماعية، التي ترافق الانتقال من فصل الصيف إلى فصل الخريف، فهذه الفترات الانتقالية تؤثر عادة في المزاج العام، وفي إدراك المواطنين للمتغيرات المحيطة بهم، ما قد يجعل استقبال القرار أكثر إيجابية ويمنحه أثرا رمزيا أكبر من مجرد تعديل في التوقيت.
لكن، وبعيدا عن الحسابات الظرفية، يبقى جانب من النقاش الحقيقي حول الساعة القانونية، يتعلق بضرورة الكشف عن الأسباب التي دفعت أصلا إلى فرض الساعة الإضافية، رغم الرفض الشعبي الواسع، والأسباب التي جعلت الحكومات المتعاقبة تمعن في التمسك بها لسنوات طويلة.
ومن حق الشعب المغربي أن يعرف ما إذا كانت المبررات الاقتصادية والطاقية التي تم تقديمها سابقا، تستند فعلا إلى معطيات دقيقة ونتائج ملموسة، أم أنها كانت مجرد اختيارات إدارية او سياسية، فُرضت دون تقدير كافٍ لتأثيراتها الاجتماعية والنفسية، أو أن هذه التأثيرات هي التي كانت مقصودة فعلا.
إن العودة إلى الساعة القانونية قد تشكل استجابة ولو متأخرة لمطلب طال انتظاره بالنسبة لعدد كبير من المواطنين، لكنها لا لا يجب ان تمحو سنوات من التجاهل، ولا تعفي المسؤولين من تقديم تفسيرات واضحة للرأي العام، لأن القضية ليست قضية ساعة متقدمة أو متأخرة بستين دقيقة، بل قضية علاقة صانع القرار بين بالمواطنين، وقضية مدى احترام المؤسسات لصوت المجتمع عندما يعبر عن مطالبه بشكل متواصل وواضح.
وعليه، فإن أي محاولة لتقديم قرار العودة الساعة القانونية (غرينيتش)، باعتباره دليلا على الإنصات للمواطنين والشعب، تبقى محل نقاش، ذلك أن الإنصات الحقيقي والصادق، يقاس بسرعة التفاعل مع المطالب المشروعة، لا بتأجيلها إلى اللحظات الأخيرة من الولاية الحكومية، أما المواطن الذي تحمل لسنوات تبعات هذا الاختيار، فمن حقه أن يتساءل اليوم، عما اذا كانت إرادة المجتمع انتصرت أخيرا، أم أن الساعة القانونية عادت فقط لأن عقارب السياسة فرضت ذلك؟؟






