حوارات | فن

خلادي: “فورة الخشبة” يحاول تقويض تمركز التأليف حول المؤلف.. والجمهور سيعود للمسرح عندما يعرض أشياء تهمه

“فورة الخشبة: في الكتابة المسرحية الجديدة بالمغرب”، الصادر عن الهيئة العربية للمسرح، مؤلف جديد للكاتب والباحث والدراماتورج المغربي كمال خلادي، يبحث في مسألة الكتابة المسرحية الجديدة، ويشكل مرجعا لممارسي أبي الفنون والباحثين فيه.

الكاتب كمال خلادي يتحدث في حوار مع “جريدة مدار21″، عن تفاصيل رحلة هذا المولود الفكري والعلمي حتى رأى النور، وكذا أسباب اختياره الكتابة المسرحية الجديدة بالمغرب موضوعا له، كاشفا رأيه حول علاقة المغاربة بالمسرح.

وفي ما يلي نص الحوار:

بداية، كيف تولدت لديك فكرة كتابك الجديد “فورة الخشبة: في الكتابة المسرحية الجديدة بالمغرب”؟.

هي فكرة قديمة نوعا ما، تعود بالضبط إلى الفترة بين سنتي 2007 و2010، كنت قد شاركت حينها في مشروع الكتابة المسرحية الجديدة الذي نظمه مسرح “رويال كورت” بلندن وهو مسرح معروف بتقاليده الكتابية العريقة، وبتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني، كنت قد حصلت خلال هذا المشروع وبعده مجموعة من الخلاصات والاستنتاجات، وكان علي بعدها أن أسعى إلى بحث هذه الخلاصات وتعزيزها، فأنجزت أطروحة دكتوراه لبحث الإشكاليات المتشعبة التي ترتبط بمقولة الكتابة المسرحية الجديدة، ثم بعد هذه الرحلة فرضت فكرة الكتاب نفسها، وأصبح المرور إليها أمرا ضروريا، وليس طبيعيا فقط.

ما الفكرة المحورية التي يدور حولها هذا الكتاب؟.

الكتاب يبحث في مسألة الكتابة المسرحية الجديدة، ويعمل انطلاقا من هذا البحث على توسيع فكرة الكتابة بحيث لا تكون فقط ذات بعد تدويني، ولا تصبح مجرد تسجيل للكلام، الكتابة التي نقصد هي انقلاب عميق حتى على مرجعية اللغة ذاتها. الكتابة المسرحية الجديدة هي مضاف يمكن أن يوظف بما هو مقولة في الإبداع وفي النقد، والتحليل… من هذا المنطلق سعينا في هذا الكتاب إلى تقويض تمركز فكرة التأليف حول المؤلف وتمركز فكرة إنتاج المعنى حول المخرج، وسعينا إلى الالتفات إلى المقترحات الكتابية الأخرى التي يقدمها الممثل، والسينوغراف، والمؤلف الموسيقي وغيرهم.

كيف حضرت لهذا الكتاب؟. وعلى ماذا اعتمدت فيه؟.

ليس هناك تحضير خاص بالمعنى الذي قد توحي به كلمة تحضير. الكتابة والبحث، ومجاورة الكتب بالنسبة لي هي أشياء من صميم عملي، ومن صميم تدابيري اليومية، ولا أعتبر الكتابة أبدا وما يرتبط بها من أمور القراءة، والتوثيق، والبحث أشياء فائضة نقوم بها في أوقات معينة، أو عندما تتيسر لها ظروف معينة. أنا أشتغل أستاذا باحثا أدرس الكتابة المسرحية والدراماتورجيا، وفن الممثل، وبالإضافة إلى ذلك، فأنا دراماتورج وكاتب مسرحي، وبالتالي فإن مجاورة ومصاحبة الكتب ومتعلقاتها جزء لا يتجزأ مني. ما يمكنني أن أقوله أيضا، هو إنني أحاول أن أصهر بداخل ما أقوم به ما يرتبط بالكتابة البحثية والكتابة الإبداعية، وأعمل على تجسير الطريق بينهما بحيث أكتب أبحاثا بنفَس إبداعي، وأضمن النصوص المسرحية التي أكتب اشتغالا بحثيا أساسيا. كتاب “فورة الخشبة” مكتوب وفق هذه المراوحة التي أعتبرها خصيبة وواعدة. اعتمدت في الكتاب وجهات نظر مختلفة خصوصا عمل “جاك ديريدا” على توسيع مفهوم الكتابة، وعمل “برونو تاكلز” الذي يسعف في إدراك مسألة التعدد الكتابي، الذي يستلزمه المسرح، اعتمدت أيضا حصيلة مشاركتي في مشروع الكتابة المسرحية الجديدة الذي تحدثت عنه، وحصيلة تجربتي في الكتابة، والقراءة والتدريس، دون أن ننسى ما وفرته تجارب الأصدقاء الفنانين الذين اشتغلت على تجاربهم.

ما الفئة التي يستهدفها هذا المؤلف؟.

الكتاب موجه بالدرجة الأولى لممارسي المسرح ممن يريدون تطوير أفق ممارستهم، وللباحثين الذين يودون توسيع آفاق بحثهم في المسرح، ولجمهور المسرح، والقارئ بشكل عام سواء ذلك الذي ألف ارتياد قاعات المسرح ومجاورة النصوص المسرحية، أو ذلك الذي تستهويه عموما لعبة اصطياد المعاني، والجري وراء القصص، وعدم التفريق القاطع والنهائي بين ما ينتمي للحياة وما ينتمي للخيال.

 لماذا وقع الاختيار على هذا العنوان؟. وما دلالاته؟.

عملية اختيار العنوان مسألة صعبة جدا، ومعقدة جدا. من جهة، على العنوان أن يظل وفيا لموضوعه دالا عليه، ومن جهة أخرى، عليه أن يحمل رهانات صاحبه الكتابية كأن يشير إلى طبيعة تفكير صاحب الكتاب في الموضوع، يضاف إلى ذلك أن العنوان ينبغي أن يتوجه إلى القارئ بما قد يجعله سهل التداول عنده ومستفزا لحاسته القرائية، في نهاية المطاف فنحن لا نكتب كتبا لنستمتع بها وحدنا، ولكن لنتداول بخصوصها مع أوسع جماعة ممكنة، دون أن ننسى أن العنوان ينبغي أن يتضمن ولو قليلا من أسلوب الكاتب في الكتابة، فأنا أميل إلى العناوين المرنة التي تضع القارئ في منطقة بينية ليست هي بمنطقة الموضوع تماما، ولا بمنطقة الذات تماما، يمكن أن نسميها منطقة الذات المؤولة. إذا عدنا إلى المعجم فسنجد أن كلمة فورة تحيل على معاني الشدة، والحدة، والسيولة، والشيء الأول، والأعلى، فالفورة من الحر شدته، والفورة من النهار أوله، والفورة من الغضب حدته، والفورة من الماء تدفقه وسيلانه؛ عندما أنظر إلى مسألة الكتابة المسرحية الجديدة، وبالضبط إلى التجارب التي اشتغلت عليها في الكتاب، وهي تجربة مسرح “أفروديت”، ومسرح “أكون”، ومسرح “أنفاس”، نجد هذه الوفرة بما قد تعنيه من سيولة المعاني، وسرعة تدفقها، وتعدد الإشارات والعلامات، وحدة الكلمات، نعثر على كثافة اللغة المسرحية التي تقتضيها مسألة الفورة. فورة الخشبة هي وفرة وكثرة تسيطران على الخشبة، لا نستطيع أن نزعم أنهما قصديتان دائما وأبدا، إن ما قد يحدد طبيعة الفورة -أيضا- أننا قد لا نستطيع التحكم في حركيتها، وأن هذه الفورة كذلك ليست حكرا على ذات بعينها، إنها محصلة التجربة المسرحية، ويؤدي الجمهور أيضا دورا أساسيا في توفير هذه الفورة.

كيف ترى اليوم علاقة المغاربة بالمسرح والقراءة؟.

هو سؤال طويل وعريض. سأقول لك، عندما أذهب إلى المسرح، أحس أن الأمور بخير، على سبيل المثال في مهرجان المسرح العربي الذي نظمته الهيئة العربية للمسرح أخيرا كان عدد المتفرجين هائلا، حتى وإن كانت العروض تستمر إلى وقت متأخر من الليل. عندما أكون مع طلبتي أحس بهذه الرغبة العارمة لديهم في التعلم وفي المراهنة على المسرح وعلى المعرفة.

لكن، عندما يتعين علي أن أخرج من السياقين السابقين، أقف على هذه الهوة القاتلة التي ما فتئت تتسع بين المغاربة والقراءة، يتجه الناس تدريجيا للتشكيك في مسألة المعرفة قصدا وعن غير قصد، ويستعيضون عن المعرفة بأوهام المعرفة. بالنسبة لي، يعسر علي أن أفهم وجود للمسرح بدون وجود فعال وحي للجمهور، على المسرحيين أن يفهموا هذا الأمر جيدا، لا وجود لهم خارج وجود الجمهور، وبالتالي عليهم أن لا يطمئنوا لتلك الإشارات الإيجابية التي يبعثها الحضور الجماهيري في المهرجانات أو ما تقتضيه قواعد المجاملة بين الممارسين من تبادل للحضور في ما بينهم، عليهم أن يفكروا في الجمهور بما هو عنصر بنيوي، وليس عنصرا يحضر في آخر حلقات التجربة المسرحية، سيعود الجمهور للمسرح عندما تعرض الخشبات أشياء تهمه. وعلى الجمهور أيضا أن يتأمل جيدا ما حوله، وأن يتأمل خصوصا ما يقدم له على أنه يستطيع تعويض الحاجة إلى المعرفة والمسرح، سيجد أن كل تلك الأشياء تعمل في أحسن الأحوال على أن تجعل الحياة مطاقة أكثر، في المسرح وبواسطة المعرفة يمكن أن نتفاوض حول حياة أخرى ممكنة.

يقال إن “الكتابة عمل شاق”. ماذا تمثل بالنسبة لك؟.

أفضل أن أفكر في الكتابة على أنها مسألة ضرورية، عند ذلك لا يهم أن تكون شاقة أو يسيرة، لا شيء سهل بالمرة، السهولة مخادعة، ولا أحب كذلك الطرق المختصرة، تعلمت من الكتابة كيف أقطع الطريق كاملة. الكتابة بالنسبة لي ليست مقصورة على منطقة الخيال، إنها تخترق الحياة أيضا، أن نقبل بأن الحياة أيضا يمكن أن تعاش على نحو متخيل، وأن نقبل بأن ما نحسبه على الخيال ينبغي أن يتوفر على عناصر الحياة بداخله.

هل تشتغل على مشاريع جديدة؟.

نعم، وكما قلت لك في السابق، أنا أكتب باستمرار وبإصرار، ولا أنتظر المزاج الجيد لأكتب. آخر نص مسرحي كتبته هو “كازابلانكا”، وهو نص يتناول فكرة المدينة بشكل عام، وأنا أكتب الآن نصا جديدا يستأنف الفكرة نفسها، ويذهب بها في اتجاه آخر في أفق أن أصل إلى كتابة نص ثالث لأستوفي بذلك “ثلاثية المدينة”. أكتب بالموازاة مع ذلك مجموعة من الأبحاث والدراسات التي أشارك بها في مؤتمرات بحثية، أو تطلبها مني مؤسسات تهتم بالفنون وبالبحث فيها.

كلمة أخيرة.

أشكر الهيئة العربية للمسرح التي عملت على إصدار كتابي “فورة الخشبة: في الكتابة المسرحية الجديدة بالمغرب”، وأتمنى أن يجد فيه القراء والمهتمون ما يمتع ويفيد.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *