وجهة نظر

مقاربة نظرية لمحاولة فهم التحولات الثقافية والمجتمعية

يعتبر مفهوم الثقافة واحدا من أكثر المفاهيم تداولا في علم الاجتماع، وفي حديثنا اليومي وحين نتطرق لكلمة “ثقافة” يتجه ذهننا غالبا إلى الأبعاد الإبداعية في النشاط الإنساني أي الفنون والموسيقى والأدب والرسوم. إلا أن علماء الاجتماع يوظفون هذا المصطلح ليقصدوا به هذه المجالات إضافة إلى جوانب أخرى أوسع منها.

فالثقافة، بصورة عامة، تعني كل ما يتبناه أفراد معينين أو ما تنتهجه جماعة ما داخل المجتمع كأسلوب للحياة، وانطلاقا من ذلك تشتمل على طريقة ارتداء الملابس، وأنماط الحياة الأسرية وعادات الزواج وأشكال توزيع العمل والطقوس الدينية، فضلا عن وسائل الترفيه وتزجية أوقات الفراغ والرياضة وكيفية الترويح عن النفس.

وثمة نسق اجتماعي ينتظم أعضاؤه في تبادلية اجتماعية كما ينظمهم وفقا لخارطة ثقافية فريدة، ويؤشر ذلك على صفات مشتركة تميز جميع المجتمعات على اختلافها وتفاوتها. فكما لا يمكن أن نجد ثقافة بدون مجتمع، فلا يمكن بالمنطق نفسه أن نتحدث عن مجتمع بدون ثقافة، فهذه وحدها القادرة على تحويلنا إلى كائنات بشرية لترتقي بنا إلى المستويات الإنسانية. فاللغة التي نوظفها للتعبير عن وجودنا وكذا إحساسنا بوعينا الذاتي نابعة من الثقافة، علاوة على أن قدرتنا على التفكير والتدبر والتحليل لن تكون في غياب الثقافة إلا محدودة ومعزولة وشبه معطلة.

وعلى ضوء ما سبق، يبدو أنه يتعسر علينا تعريف الثقافة بشكل مطلق، وحتى وإن كان هذا التعريف ممكنا فهو غير مفيد. ويبقى التعريف الذي جرى استعماله وتفرع منذ سبعينات القرن التاسع عشر هو ذاك الذي اعتبر الثقافة مجموعة من المعارف والمهارات والمعتقدات …الخ، والتي يكتسبها الفرد في جماعة أو مجتمع.

ومن ثمة أضحت الثقافة في منظور علماء الاجتماع تعني جوانب الحياة الإنسانية المكتسبة لدى الانسان بالتعلم لا بالوراثة والتي تمنح له فضاءات للتعاون وسبل التواصل، وذلك في سياق ما تتألف منه ثقافة المجتمع من زوايا مضمرة غير مرئية كالمعتقدات والقيم، ومن زوايا مرئية وملموسة كالأشياء والرموز والتقانة التي تمثل تجسيدا لهذا المضمون.

تغيرالقيم والمعايير الثقافية

لا يستقيم الحديث عن المكونات الأساسية في كل الثقافات إلا بتناول منظومة الأفكار التي تضبط ما هو مهم ومستحسن ومقبول داخل المجتمع. وهذه الأفكار المجردة أو القيم هي التي تسبغ معنا محددا لتفاعل الأفراد وتقدم عناصر إرشادية لتوجيههم في وسطهم الاجتماعي.

ودور القيم والمعايير يتجلى في كونها تقوم سويا بتشكيل الأسلوب الذي يسلكه أفراد ثقافة معينة إزاء بيئتهم. وندلل على ذلك بكون ثقافات معينة تضفي مثلا قيمة أولوية على النزعة الفردية في حين تشدد ثقافات أخرى على المتطلبات المشتركة بين الأفراد. بل قد تتناقض القيم في المجتمع الواحد: فقد تفضل بعض المجموعات التركيز على قيمة المعتقدات الدينية العتيقة، بينما تميل أخرى إلى إعطاء قيمة قصوى للتقدم الاقتصادي والعلوم المادية.

وفي عصرنا هذا الحافل بالتحولات وبتنقل الناس وانتقال الأفكار والسلع والمنتوجات والمعلومات والأخبار في أرجاء المعمورة، فليس غريبا أن يحصل ارتباك في مجتمع ما عند مواجهته صراعا بين القيم والمعايير الثقافية التي يعتنقها فيه الأفراد والجماعات.

إن كثيرا من سلوكاتنا وعاداتنا اليومية تستظل وتستهدي بمعايير ثقافية راسخة في أذهاننا، وهذا ما نتبينه في غمرة التفاعل الاجتماعي وحركاتنا اليومية التي نقوم بها في حياتنا، حيث تخضع أنشطتنا وتعبيراتنا بل وحتى إيماءاتنا لمؤثرات إرشادية ثقافية شعورية أو لاشعورية.

وجدير بالذكر أنه غالبا ما نندهش، عند قياس التحولات والتغيرات الطارئة على القيم والمعايير الاجتماعية، من تصورات الناس وتمثلاتهم حينما يتحدثون عن القيم وكأنهم يتحدثون عن أشياء لا تمت للزمن بصلة أي كأنها خالدة وأزلية وثابتة وبديهية، تتحدى الزمن إلى أبعد الحدود، وكأن القيم في اعتبارات الناس لا تجري عليها سنن الكون والتاريخ من قابلية للتحول بل وحتميته كما تجري على باقي مناحي ومجالات الحياة .

إن عامل الزمن كفيل بتغيير القيم والمعايير الثقافية، مهما حاول الأفراد والجماعات التمسك بثباتها، بل وحتى فرض قدسيتها أحيانا، وبالتالي ما قد يكون شبه مألوف منها حاليا قد كان من المسائل التي تتعارض مع القيم التي كانت سائدة قبل عدة عقود، مثل التحولات  العميقة في العادات والممارسات التي تشهدها فئة الشباب كنظرتهم مثلا لمسألة الزواج والعلاقات الجنسية قبل الزواج، فهذا الأخير أصبح يبدو مستهجنا في سن مبكرة عن طريق ترتيبات عائلية، بعدما كان مستحسنا ومحمودا ومرغوبا فيه .

إن القيم التي نسترشد بها في علاقاتنا الحميمية خضعت للتطور بكيفية تدريجية وطبيعية مقارنة مع ما كانت عليه قبل سنوات عديدة.

لذا، ليس من المستغرب أن يصاب الأفراد بالحيرة والتشوش الذهني أو الارتباك والقلق، لأنهم يجدون أنفسهم أمام بيئة ثقافية جديدة عبارة عن تعبيرات لأوضاع تتناقض مع ما يؤمنون به من معتقدات وقيم ومعايير، فيتولد لديهم حيالها إحساس بغياب النقاط المرجعية التي دأبوا على الاستهداء بها في العيش وفهم العالم الذي يحيط بهم، ويزيد الأمر استفحالا عند بعضهم إبان إبحارهم في الفضاءات التكنولوجية والتواصلية الجديدة ليتحولوا إلى أشبه بسفينة فقدت مراسيها.

وكنتيجة لهذا التطور العام، يبدو أن المرحلة الراهنة عالميا وبشكل خاص وأكثر حدة عربيا ومغربيا تؤشر على مرحلة تفكك الارتباط  بين مكوني الثقافة والمجتمع، تبعا لتفكك وسائطها وتآكلها وقد خلق ذلك ما يمكن أن نطلق عليه بتعليق أو تعطيل الدلالة.

والمقصود بانحلال العلاقة بين هذين المكونين أي الثقافة والمجتمع هو سقوط وتفكك الوسائط التعبيرية التقليدية التي كانت تجمعهما وتشد، عبر الفعل الاجتماعي أحدهما إلى الآخر. فوحدات التحليل السوسيولوجي التقليدية كالدولة والأسرة والمدرسة والطبقة والنخبة، لم تعد وحدات كافية وناجعة لتفسير وتحليل العلاقة بين الثقافي والاجتماعي، حيث إنها لم تعد تلعب دور الوسيط النشيط في هذه العلاقة بعد أن كان سابقا الأصل الاجتماعي للثقافة من “البديهيات”، وبعد أن استمر النقاش حول أسباب وأشكال التعبير وإعادة إنتاج هذه الثقافة داخل المجتمع، فإن الثقافة السائدة اليوم لم تعد في حاجة لها لكونها ثقافة .

ولا يعني الحديث عن انحلال وسائل التعبير التقليدية بين الثقافة والمجتمع أن هذه الوسائط، كمؤسسات أو كقوى مجتمعية قد انمحت نهائيا، بقدر ما يعني أن الثقافة التي تعبر عنها هي التي انصهرت في ثقافة سائدة يصعب استنادا عليها التصنيف الاجتماعي. فصيرورة إعادة تشكيل وانبناء علاقات مستجدة بين المؤسسات السالفة الذكر وبيئتها الاجتماعية أدى إلى ما أطلقنا عليه تعليق الدلالة أو تعطيلها والمقصود هو أنها (أي الدلالة) أصبحت من دون مقابل محدد في الواقع الاجتماعي.

وخلاصة القول، استقراء لما تم بسطه، إن الفرد سيجد نفسه ومعه السياقات الاجتماعي و أمام ثقافة بلا مثقفين محملة بأفكار بدوم فكر معلقة الدلالة  خالية من أي مرجعية. واعتبارا لكونها كذلك فلا مناص من نشرها لمفاهيم مجتمع بدون كائنات إنسانية ومجتمع مدني مجرد من المدنية، وحقوق إنسان بدون إنسان، وقس ما شئت على ذلك.

إنها ثقافة عابرة فقدت جذورها الاجتماعية ولم تعد قادرة على ربط الذات بموضوعها، أي ثقافة المتخيل (……. ) وبالتبعة فهي ثقافة تستهدف جميع الناس وغير موجهة لأي أحد لا زمانيا ولا مكانيا؛ إنها ثقافة فاقدة للذاكرة، كل مشهد منها يمحو ما سبقه، وأبرز تجلياتها نجده في الأنترنيت ووسائط التواصل الاجتماعي.

مفهوم التنشئة الاجتماعية

تتجلى التنشئة ، كما ذكرنا سابقا، في الجوانب الاجتماعية غير الموروثة والتي يكتسبها الأفراد للتعلم خلال حياتهم، لذا تطلق مفردة التنشئة الاجتماعية على عملية تعلم الأطفال أو الأعضاء الجدد في المجتمع أساليب العيش في مجتمعاتهم. وتمثل التنشئة الاجتماعية القناة الرئيسة والرافد الأساسي الذي يجري فيه نقل الثقافة وانتقالها عبر الأجيال.

ويصعب أن نتصور أن بمقدور طفل حديث الولادة أن يظل على قيد الحياة خلال الأربع أو الخمس سنوات الأولى على الأقل دونما مساعدة أو رعاية، ومن هنا تلعب التنشئة الاجتماعية بكيفية تدريجية في احتضان الكائن الوليد لتجعل منه إنسانا واعيا بذاته وشخصا ملما بالمعارف والمعلومات والمهارات التي سيحتاجها في مسالك التنشئة الاجتماعية التي يعيش في وسطها؛ الشيء الذي دفع البعض إلى المبالغة في اعتبار التنشئة الاجتماعية نوعا من “البرمجة الثقافية” التي يتشرب منها المولود البشري ما يتعرض له من مؤثرات بصورة سلبية.

وأكيد أن الأوضاع الاجتماعية التي نعيش فيها منذ الولادة حتى سن البلوغ تخلف آثارها الواضحة على سلوكنا، إلا أن ذلك لا يعني أن الناس مجرد كائنات لا تمتلك حرية الإرادة والخصائص المتفردة. وقد يظهر للبعض أن البشر ليسوا إلا نتاجا لقوالب جاهزة يتحركون وفق مواصفات محددة مسبقا من طرف المجتمع، بل يذهب للمعنى نفسه بعض علماء الاجتماع خلال حديثهم عن التنشئة الاجتماعية. غير أن مثل هذا الموقف يعتريه الخلل في أكثر من جانب، فإذا كان صحيحا أن تفاعلنا مع الآخرين من الازدياد إلى الوفاة يتحكم في نواحي مهمة من شخصياتنا وفي منظومة قيمنا وأنماط سلوكنا فإن مسار تنشئتنا الاجتماعية إنما ينطلق من إحساسنا بتفردنا وشعورنا بحريتنا إزاء هذه العملية، حيث ينمو لدى كل منا إحساس وقدرة على الاستقلال في التفكير والفعل.

كما تعمل التنشئة الاجتماعية على ربط حلقات الأجيال بعضها البعض، فولادة طفل تدخل لا محالة تعديلا على نمط حياة أفراد الساهرين على تربيته، وهؤلاء بدورهم يتعلمون أشياء جديدة من هذه التجربة. فارتباط الوالدين بأولادهم يستمر إلى مرحلة البلوغ وإلى أن يتحول هؤلاء الوالدين إلى أجداد بولادة أحفادهم، وبالتالي يصبحون حلقة تصل ثلاثة أجيال وهكذا دواليك. وبهذا المنطق تعد التنشئة الاجتماعية عملية مستدامة تتحكم في تشكيل وإعادة تشكيل التفاعلات الاجتماعية، حيث باستطاعتها أن تفتح المجال للناس بأن يطوروا أنفسهم ويقووا قدراتهم، ويتكيفوا مع شروط الحياة المستجدة وظروفها.

وعادة ما يقسم علماء الاجتماع التنشئة الاجتماعية إلى مرحلتين تحملان عددا من العناصر الفاعلة والمؤثرة في التنشئة. وتجري التنشئة الأولية في فترتي الرضاعة والطفولة التي يدرك فيها التعلم الثقافي أعلى درجات الكثافة، ففيها يتعلم الأطفال الكلام واللغة وأنماط السلوك الرئيسية التي تشكل مرتكزات التعلم والتعليم في المراحل اللاحقة. وطبعا تبقى العائلة من العوامل الأكثر أهمية بل الفاعل البارز في هذه المرحلة، لتتدخل عقب ذلك التنشئة الثانوية التالية للطفولة وتستمر إلى سن البلوغ وتتميز بظهور عناصر فاعلة أخرى تلعب أدوارا ووظائف كانت تسند للعائلة. ومن بين هذه العناصر المؤثرة نذكر المدرسة، وجماعات الأقران، ووسائل الاعلام والاتصال وغيرها من المؤسسات. وعبر هذه السياقات تجري التفاعلات الاجتماعية لتلقين الفرد منظومات القيم والمعايير والتمثلات والمعتقدات التي ترسم المكونات والأنماط الأساسية في الثقافة.

ماهية الأدوار الاجتماعية

يتعلم الافراد الأدوار الاجتماعية من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، وهذه تعني التوقعات المحددة اجتماعيا التي ينتظر أن يقوم بها الفرد في وضعيات اجتماعية محددة. فالدور الاجتماعي للمحامي أو الأم أو الطبيب مثلا يحتوي على جملة من أنماط السلوك التي يمارسونها بغض النظر عما يحملونه من معتقدات وقناعات شخصية. واعتبارا لكون جميع المحامين والأمهات والأطباء يباشرون هذا الدور، فإنه يمكن الحديث يشكل عام عن السلوك المعبِّر عن دور هذه الفئات بصرف النظر عنهم كأشخاص وهم يشغلون هذه المواقع الاجتماعية.

ومن الملاحظ أن بعض علماء الاجتماع، وخاصة أنصار المدرسة الوظيفية، يميلون الى اعتبار الأدوار الاجتماعية عناصر ثابتة ولا متغيرة ضمن ثقافة المجتمع باعتبارها حقائق اجتماعية. وعلى ضوء هذا الطرح، فإن الأفراد يتعلمون التوقعات التي تحملها المواقع الاجتماعية ببيئتهم الثقافية، ويلعبون هذه الأدوار بالصورة التي تشكلت بها في الأصل . وحيث أ، الأدوار الاجتماعية لا تحتمل التفاوض أو لا تستدعي الابتكار، فهي تعرض وصفات واضحة لتوجيه سلوك الفرد واحتوائه. وعبر التنشئة الاجتماعية يتعلم الأفراد أدوارهم الاجتماعية، ويضبطون السبل الكفيلة بممارستها.

وعلى الرغم من التبريرات المهمة التي قدمها أصحاب هذا الرأي، إلا أن ما ساقوه يجانب الصواب في كثير من المواضع، إذ يعتقد أتباع هذا المنحى أن الافراد يباشرون أدوارهم دون أن يعمدوا إلى التفاوض مع واقعهم أو إلى بذل مجهود إبداعي أو ابتكاري لتطويرها أو تعديلها ( أي الأدوار). فالتنشئة الاجتماعية، في حقيقة الأمر، عملية يقوم الناس بواسطتها بدور فاعل ومؤثر، إنهم ليسوا كائنات سلبية تبقى جامدة بأيدي مكتوفة في انتظار من يعطيها الأوامر أو يسيرها ويبرمجها لتنفيذ ما عليها أن تقوم به. فالأفراد إنما يتولون أدوارهم الاجتماعية ويتشبعون بها عن طريق عملية مستمرة من التفاعلات الاجتماعية والمؤثرات الإرشادية.

الهوية الذاتية والاجتماعية

إن مفهوم الهوية في علم الاجتماع متعدد الجوانب ويمكن مقاربته من عدة زوايا، وترتبط الهوية بشكل عام بتمثل الناس وفهمهم لأنفسهم ولما يتصورون أنه مهم في حياتهم. ويتشكل هذا الفهم اعتمادا على خصائص محددة تفرض لنفسها مرتبة الأولية على غيرها من مصادر المعنى ومرجعيات الدلالة.

وعادة ما يميز علماء الاجتماع بين نوعين من الهوية: الأولى اجتماعية والأخرى ذاتية أو شخصية. وهذا التمييز بين النوعين إجرائي وتحليلي لأنهما تظلان مترابطتان بشكل وثيق.

ويمكن ملاحظة ذلك عبر علامات ومؤشرات تدل على ماهية هذا الشخص أو ذاك، وفي الوقت ذاته فهذه العلامات والمؤشرات تحدد موقع الشخص بين أفراد آخرين يتقاسمون معه نفس الخصائص، ومن الأمثلة على الهوية الاجتماعية مثلا: رب الأسرة أب أو أم، طبيب، محامي، إفريقي، كاثوليكي، متزوج، أعزب، مطلق، وغيرها، فقد يكون الفرد في الوقت نفسه أب مهندس مسيحي وعضو في مجلس بلدته. وتعدد وتنوع الهويات الاجتماعية يعكس أبعادا متعددة في حياة الناس. وقد تتحول هذه التعددية في الهويات الاجتماعية إلى مصدر محتمل للصراع بينهم، علما أن الأفراد عادة ما ينظمون دلالات ومعاني حياتهم وتجاربهم في إطار هوية محورية أساسية تتميز بالاستمرارية النسبية زمانيا ومكانيا.

وتأسيسا على ما سبق، فإن الهويات الاجتماعية تشتمل على أبعاد اجتماعية، فهي تبرز مؤشرات تفيد أن الأفراد متشابهون مثلهم مثل غيرهم من الناس؛ والهويات المشتركة بإمكانها أن تشكل منظومة من القيم والأهداف والتجارب المشتركة القادرة على تشكيل مرتكز مهم للحركات الاجتماعية، وكمثال على ذلك الحركات النسوية وأنصار البيئة، والنقابات العمالية والطلابية والحركات ذات الأصول الدينية أو الوطنية، ففي هكذا حالات تتخذ الحركات من الهوية الاجتماعية المشتركة قاعدة ومصدرا قويا لمهامها وأنشطتها.

وهكذا، فإذا كانت الهوية الاجتماعية تعبر عن تشابه الأفراد، فإن الهوية الذاتية الشخصية ترسم الحدود التي تميزنا عن بعضنا البعض بوصفنا أفراد.

وتشير الهوية الذاتية إلى عملية التنمية الذاتية التي نحدد من خلالها ملامح خصوصية لأنفسنا ولعلاقتنا مع العالم المحيط بنا. ويستمد مفهوم الهوية الذاتية العديد من عناصره من أدبيات المدرسة التفاعلية الرمزية، إذ يثمر التفاوض المستمر بين المرء والعالم من حوله رسم وإعادة تشكيل تصوره عن نفسه، كما يسهم التفاعل بين الذات والمجتمع في توثيق الصلة بينهما.

وإذا تتتبعنا التغيرات التي طرأت على الهوية الذاتية في المجتمعات التقليدية والحديثة، يتبين

انسحاب العوامل الموروثة والثابتة التي كانت توجه تشكيل الهوية في الماضي. ففيما كانت هوية الفرد في هذا الماضي تتأثر بصورة رئيسية بانتمائه إلى جماعات اجتماعية واسعة أو تتصل بعوامل ذات ارتباط بالطبقة والفئة، فإنها حاليا أضحت أقل استقرارا وتعددت فيها المستويات والأبعاد. كما أن النمو الحضري وتطور التصنيع بالإضافة إلى تفكيك التشكيلات الاجتماعية السابقة تمثل كلها عناصر اجتمعت للتقليل من آثار المعايير والتقاليد الموروثة، وأصبح الناس أكثر حركية من الزاويتين الاجتماعية والجغرافية، مما أسفر عن تحرير الأفراد من الجماعات المتجانسة والكثيفة الترابط، حيث كانت الأنماط القيمية والسلوكية تنتقل وتتسلسل بصورة ثابتة من جيل إلى جيل. كما أدى ذلك على تمهيد الطريق لبروز مصادر أخرى للمعنى لتقوم بدور أكبر في رسم تمثلات الناس لهوياتهم وتصورها.

وإذا كان المرء في العالم الحديث يتمتع بفرص غير مسبوقة ليصنع نفسه ويشكل هويته المتميزة، فإن موارده تنبع من أعماق نفسه لتحديد من أين أتى وإلى أين يتوجه ويسير. وقد أضحت علامات المسالك التقليدية أقل تأثيرا وبريقا وضرورة، وغدا العالم الاجتماعي يعرض أمامنا تشكيلة  عريضة ومحيرة من الخيارات والإجابات عن أسئلتنا واستفساراتنا دون أن يزودنا بأية معالم أو إشارات نهتدي بها لتحديد ما نؤثره  من الخيارات؛ ومن ثمة يرغمنا العالم اليوم على اكتشاف ذواتنا بوصفنا بشرا واعين لأنفسنا ومدركين لقدراتنا التي بفضلها نخلق هويتنا، ونعيد إنتاجها باستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.