وجهة نظر

الدولة الاجتماعية ومأسسة الحوار الاجتماعي

عرف المفهوم الفلسفي للدولة تحولات عميقة منذ تشكل النموذج المركزي للدولة الحديثة داخل أوروبا الغربية مع بداية العصر الحديث، حيث تراجع النموذج الفيودالي القائم على الانقسام الأفقي للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية وبرز بشكل أوضح النموذج العمودي المرتكز على سلطة مركزية مسنودة بعوامل أساسية أهمها الحدود والجيش واللغة والنقد والسلطة الملكية.
وقد عرف البعد الهوياتي للدولة الحديثة بعد الثورة الفرنسية لسنة 1987 تحولا مهما عندما بدا واضحا أن مفاهيم كالديمقراطية وحقوق الإنسان والطبقة الاجتماعية قد عوضت نظريا مفاهيم أخرى كانت أساس الهوية القومية للدولة المركزية الملكية، وتزايد منسوب هذا التحول بفعل الدفعة النظرية القوية التي ساهم بها التحليل الماركسي للنموذج البرجوازي لشكل ومضمون الدولة الحديثة.
وبسبب الهوة الكبيرة التي طفت على سطح الواقع الاقتصادي والاجتماعي بين الأساس النظري الذي قامت عليه الدولة البرجوازية ومضمونها الاجتماعي المرتبط بالطبقة العاملة وما استتبعها من ثورات اشتراكية أو محاولات عنيفة لتغيير الأنظمة الرأسماية مع بداية القرن العشرين، فقد عادت الدول الرأسمالية مكرهة إلى فتح النقاش حول المنطق الوظيفي للدولة بهدف تحقيق توازن بين المبادئ البرجوازية للدولة والتطلعات الاجتماعية للطبقة العاملة.
وفي هذا السياق برز مفهوم الدولة الاجتماعية أو دولة الرفاه كما عبر عنها الأوروبيون وخاصة الألمان، حيث يعتبر كتاب غوستا إسبينغ أندرسن، العوالم الثلاثة لرأسمالية الرفاه (The Three Worlds of Welfare Capitalism)، الذي نشر في عام 1990 والذي يميز بين ثلاثة نماذج للدولة الاجتماعية، المرجع النظري الأبرز لمفهوم الدولة الاجتماعية.
وليس خافيا على أحد أن انخراط الدولة المغربية في بناء النموذج الاجتماعي للدولة يأتي في نفس السياق بغض النظر عن اختلاف السياقات الزمنية. إذ بدا للجميع،  بفعل فشل نماذج الربيع العربي، أن التخمة الديمقراطية والمؤسساتية لا يمكن أن تؤسس للاستقرار والتنمية دون وجود حمولة اجتماعية حقيقية تضمن سلما اجتماعيا ممؤسسا قوامه الخدمات الاجتماعية والتشغيل وجودة القطاعات الأساسية.
إن التوجهات الحالية للحكومة المغربية، وإن كانت النتائج لن تظهر على المدى القريب، ستؤسس لا محالة لنموذج اجتماعي مهم، سيضمن حدا أدنى لديمومة الفعل التنموي وكذا لتحقيق الغايات الكبرى للنموذج التنموي المنشود. وتمثل خطوة مأسسة الحوار الاجتماعي بين الفاعلين الاجتماعيين من جهة والحكومة وأرباب العمل من جهة ثانية، والذي ظل مجمدا طيلة العقد الأخير بسبب حسابات ضيقة وانفعالية، أحد أهم ركائز هذا الجهد الوطني، خاصة وأن مؤشرات نجاحه قد بدأت فعليا في الظهور خاصة بعد توقيع اتفاقيات قطاعية مهمة في مجالات الصحة والتعليم والآن نحن بصدد مؤشرات مشجعة لنجاح الحوار الاجتماعي المركزي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.