رأي

رفع دعم الإنتاجات الأجنبية إلى 40% أضحى ضرورة استراتيجية

رفع دعم الإنتاجات الأجنبية إلى 40% أضحى ضرورة استراتيجية

الإنتاج الأجنبي استثمار اقتصادي 

يشكل تصوير الإنتاجات السينمائية والسمعية البصرية الأجنبية استثماراً مباشراً ينعكس على التشغيل والمقاولات المحلية وقطاعات النقل والإيواء والمطعمة والسياحة وتأجير المعدات والخدمات التقنية. كما يسهم في نقل الخبرات والترويج للمواقع السياحية والثقافية للمملكة. 

لذلك، ينبغي التعامل مع هذا الدعم باعتباره أداة لجذب الاستثمار وتطوير الصناعة السينمائية، لا مجرد نفقة عمومية ذات بعد ثقافي. 

مكانة المغرب في السوق الفيلمي الدولي 

راكم المغرب خبرة طويلة في استقبال الإنتاجات الأجنبية، بفضل تنوع مواقعه الطبيعية والعمرانية، وقربه من أوروبا، واستقراره، وكفاءة تقنييه، وخبرة مقاولاته واستوديوهاته. 

ويستطيع المغرب توفير فضاءات تاريخية وصحراوية وجبلية وساحلية وعصرية داخل نطاق جغرافي متقارب. غير أن هذه المؤهلات لم تعد كافية، لأن شركات الإنتاج تختار مواقع التصوير أيضاً بناءً على الكلفة الصافية بعد احتساب الحوافز العمومية. 

الإصلاح التشريعي والتنظيمي 

تعزز الإطار القانوني للقطاع بصدور القانون رقم 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية وبإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي، ودخوله حيز التنفيذ في فاتح شتنبر 2025، إلى جانب النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيقه. 

ونظم هذا الإصلاح شروط مزاولة الأنشطة السينمائية، والسجل الوطني للسينما، وتنفيذ الإنتاجات الأجنبية، كما عزز اختصاصات المركز في التنظيم والمواكبة والمراقبة. وأصبح تنفيذ الإنتاج الأجنبي مرتبطاً باعتماد خاص، بما يضمن إسناده إلى مقاولات مغربية مؤهلة. 

ويحتاج هذا الإصلاح القانوني إلى مواكبته بإصلاح مالي يرفع جاذبية المغرب، حتى تترجم الحكامة الجديدة إلى استثمارات وفرص شغل ومشاريع دولية إضافية. 

المنافسة الدولية في الحوافز المالية 

تقدم السعودية استرداداً قد يصل إلى 60% من نفقات الإنتاج، إلى جانب تسهيلات إدارية ولوجستيكية. واعتمد الأردن نظاماً تصاعدياً يصل إلى 45%، يرتبط بحجم الإنفاق والتشغيل ونقل الخبرة والترويج للبلد. 

وتقدم مصر حافزاً في حدود 30%، بالتوازي مع نافذة رقمية موحدة لتنسيق التصاريح وتسهيل دخول المعدات والوصول إلى مواقع التصوير. 

وفي فرنسا، تبلغ النسبة 30% وترتفع إلى 40% عند إنجاز حجم مهم من المؤثرات البصرية. وتطبق إسبانيا نسباً تتجاوز 50% في بعض الأقاليم ويمكن أن تصل إلى 60%. أما المملكة المتحدة، فتعتمد نسباً متمايزة، مع تحفيز أكبر لأعمال التحريك وبرامج الأطفال. 

وفي آسيا، رفعت تايلاند حافز الإنتاج الأجنبي إلى 30%، مع امتيازات مرتبطة بتشغيل الطواقم المحلية والترويج للثقافة الوطنية. وتقدم ماليزيا استرداداً بنسبة 30% يشمل الأفلام والمسلسلات والوثائقيات وأعمال التحريك. 

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تقدم ولاية جورجيا ائتماناً ضريبياً بنسبة 20% يمكن أن يصل إلى 30%. وقد أسهم هذا النظام في جذب الاستوديوهات والشركات التقنية وبناء منظومة إنتاج متكاملة. 

وتبين هذه النماذج أن نسبة 40% أصبحت ضمن المستويات التنافسية في السوق الدولية، بينما قد يؤدي الإبقاء على نسبة 30% إلى تحويل بعض الإنتاجات نحو وجهات تقدم شروطاً مالية أفضل. 

رفع النسبة الأساسية إلى 40% 

أصبح رفع الدعم من 30% إلى 40% ضرورياً للحفاظ على موقع المغرب وجذب إنتاجات أكبر. 

فإذا أنجز مشروع نفقات مؤهلة قدرها 100 مليون درهم، فإنه يسترجع 30 مليون درهم وفق النسبة الحالية، مقابل 40 مليون درهم وفق النسبة المقترحة. وقد يحسم هذا الفارق اختيار بلد التصوير. 

ولا يصرف الدعم إلا بعد إنجاز النفقات داخل المغرب والتحقق منها. لذلك، فهو يرتبط باستثمار تحقق فعلياً واستفادت منه الأجور والمقاولات والخدمات المحلية. 

ومن شأن نسبة 40% أن ترفع حجم الاستثمارات، وتمدد فترات التصوير، وتدعم تشغيل التقنيين والفنانين، وتشجع على إنجاز مراحل إضافية من الإنتاج داخل المغرب. 

وينبغي أن تشمل النفقات المؤهلة الإعداد والتصوير وبناء الديكورات وتأجير المعدات والنقل والإيواء والمطعمة والأجور، إلى جانب المؤثرات البصرية والتحريك وخدمات ما بعد الإنتاج. 

نسبة تحفيزية للإنتاجات الكبرى 

يمكن اعتماد نسبة تصل إلى 50% للإنتاجات التي تتجاوز نفقاتها المؤهلة داخل المغرب 20 مليون درهم، شريطة تحقيق أثر اقتصادي ومهني واضح. 

ويجب ربط هذه النسبة بتشغيل الكفاءات المغربية، والتعامل مع المقاولات الوطنية، وتكوين المتدربين، واحترام التشريع الاجتماعي، ونقل الخبرة، وإنجاز جزء من الخدمات التقنية داخل المملكة. 

ويمكن احتساب الاستفادة بصورة تدريجية أو اعتماد نظام للتنقيط، حتى تتناسب نسبة الدعم مع حجم الإنفاق والقيمة المضافة المحققة. 

ويقدم الأردن نموذجاً مناسباً في ربط النسب الأعلى بمعايير الإنفاق والتشغيل والتكوين والترويج. كما تمنح دول أخرى زيادات للمشاريع التي تصور في مناطق محددة أو تنجز أنشطة تقنية محلياً. 

استقطاب ما بعد الإنتاج والمؤثرات البصرية 

ينبغي توجيه الحوافز إلى جميع مراحل صناعة العمل، وليس إلى التصوير وحده. ويشمل ذلك المونتاج والمزج والتلوين والمؤثرات البصرية والتصوير الافتراضي وأفلام التحريك. 

وتمنح فرنسا نسبة أعلى للمشاريع التي تنجز مؤثراتها البصرية داخل أراضيها، بينما تخصص المملكة المتحدة حوافز أكبر لأعمال التحريك. وتشمل ماليزيا ضمن نظامها التحفيزي الأفلام والمسلسلات والوثائقيات والتحريك. 

ويمكن للمغرب منح امتيازات إضافية للإنتاجات التي تسند هذه الخدمات إلى مقاولات وطنية. وسيشجع ذلك الاستثمار في المعدات والتكوين، ويوفر فرص شغل عالية التأهيل. 

تطوير الاستوديوهات المغربية 

يتوفر المغرب على استوديوهات معروفة دولياً، خاصة استوديوهات أطلس وCLA بورزازات، إلى جانب فضاءات واسعة لبناء الديكورات. ويعزز موقعها قرب القصبات والواحات والجبال والصحراء قدرتها على استضافة إنتاجات تاريخية وصحراوية كبرى. 

وتستند هذه الاستوديوهات إلى خبرة محلية في الديكور والملابس والإكسسوارات والنجارة والنقل والخدمات التقنية. غير أنها تحتاج إلى استثمارات جديدة لمواكبة تطور الصناعة. 

ويتطلب ذلك إحداث منصات تصوير صوتية، وأحواض للتصوير المائي، ومنشآت للتصوير الافتراضي، ومختبرات للمؤثرات البصرية، ووحدات للمونتاج والمزج والتلوين. 

فالأردن عزز جاذبيته باستوديوهات حديثة، وتتوفر مصر على مدينة الإنتاج الإعلامي، كما طورت ماليزيا منشآت موجهة إلى الإنتاج الدولي. وفي ولاية جورجيا الأمريكية، أدت الحوافز إلى جذب استثمارات كبيرة في الاستوديوهات والبنية التقنية. 

ورزازات مدينة للإنتاج السينمائي العالمي 

يمكن أن يشكل إحداث مدينة للإنتاج السينمائي والسمعي البصري العالمي بورزازات مشروعاً استراتيجياً ينقل المغرب من موقع للتصوير إلى مركز متكامل للإنتاج. 

وينبغي أن تضم المدينة استوديوهات داخلية وخارجية، وفضاءات لبناء الديكورات، ووحدات لما بعد الإنتاج والمؤثرات البصرية والتحريك، ومخازن للمعدات والملابس، ومعاهد للتكوين، ومرافق لإقامة الفرق. 

كما يمكن أن تضم فضاءات للمواكبة الإدارية والجمارك والبنوك والتأمين والمقاولات، بما يسمح بإنجاز مختلف مراحل المشروع داخل منظومة واحدة. 

ويجب ربط المدينة بتنمية ورزازات وجهة درعة تافيلالت، من خلال تشغيل الشباب، وتأهيل المقاولات المحلية، وتحسين النقل والربط الجوي والرقمي. وبذلك، يمكن لورزازات أن تصبح قطباً إفريقياً وعربياً للإنتاج العالمي. 

تعزيز المواكبة الإدارية واللوجستيكية 

يضطلع المركز السينمائي المغربي بدور محوري في مواكبة الإنتاجات الأجنبية والتنسيق مع السلطات والإدارات المعنية، بما يجعله يؤدي عملياً وظيفة شبيهة بالشباك الوحيد. 

وتشمل هذه المواكبة استكشاف المواقع، ومعالجة طلبات الدعم والتراخيص، والتنسيق مع السلطات الترابية والأمنية والجمارك والمطارات والجماعات الترابية، وتتبع تنفيذ الإنتاج وتسوية الدعم بعد انتهاء التصوير. 

وتعتمد السعودية والأردن بدورهما على جهة مركزية لمواكبة الإنتاجات، بينما أحدثت مصر نافذة رقمية موحدة للتصوير الأجنبي. وتؤكد هذه التجارب أهمية وجود مخاطب مؤسساتي واحد. 

ولا يحتاج المغرب إلى إحداث بنية موازية، بل إلى تعزيز دور المركز بالموارد البشرية والتقنية اللازمة، ورقمنة معالجة الطلبات، وتحديد آجال واضحة للبت فيها، وتمكين المنتج من تتبع ملفه. 

كما ينبغي تعزيز التنسيق لتسهيل دخول معدات التصوير وإعادة تصديرها، ومنح التأشيرات وتصاريح العمل، واستعمال الطائرات المسيّرة، والولوج إلى المواقع التي تتطلب تراخيص خاصة. 

ويمكن إبرام اتفاقيات مع شركات النقل الجوي والفنادق والاتصالات وتأجير السيارات لتوفير شروط تفضيلية للإنتاجات الأجنبية. 

تنمية الموارد البشرية 

يتوفر المغرب على كفاءات راكمت خبرة مهمة في الإنتاجات الدولية. ويجب أن يقترن رفع الدعم بسياسة لتطوير هذه الكفاءات وتكوين جيل جديد من المهنيين. 

ويربط الأردن بعض النسب الإضافية بالتشغيل وبناء القدرات، كما تحفز تايلاند استخدام الطواقم المحلية. وأسهمت الحوافز الأمريكية في تكوين قاعدة واسعة من التقنيين حول الاستوديوهات. 

ويمكن للمغرب اشتراط تشغيل نسبة محددة من التقنيين والفنانين المغاربة، وإدماج المتدربين، وتنظيم برامج لنقل الخبرة، خصوصاً في مجالات المؤثرات البصرية والتحريك والتصوير الافتراضي والصوت وما بعد الإنتاج. 

دعم مشروط بالعائد الوطني 

ينبغي ربط رفع الدعم بحجم العائد الذي يحققه المشروع للمغرب. ويشمل ذلك قيمة النفقات المحلية، وعدد أيام التصوير، وفرص الشغل، ونسبة تشغيل المغاربة، وحجم الخدمات المسندة إلى المقاولات الوطنية، ونقل الخبرة، وتوزيع الإنفاق بين الجهات. 

كما يمكن منح امتيازات إضافية للمشاريع التي تصور في الجهات الأقل استفادة، أو تنجز خدمات تقنية داخل المغرب، أو تبني منشآت قابلة لإعادة الاستعمال، أو توفر تدريباً مؤدى عنه، أو تحترم معايير التصوير المستدام. 

وبذلك، تصبح النسبة الأعلى مقابلاً لقيمة اقتصادية ومهنية وتقنية واضحة. 

حكامة الدعم وتقييم مردوديته 

يجب تحديد شروط الاستفادة والنفقات المؤهلة وآليات المراقبة بدقة، في انسجام مع القانون رقم 18.23 ونصوصه التنظيمية. كما ينبغي صرف الدعم بناءً على نفقات مثبتة ومؤداة داخل المغرب. 

ويتعين إعداد حصيلة سنوية تتضمن حجم الاستثمارات المستقطبة، ومبالغ الدعم المصروفة، وأيام التصوير، وفرص الشغل، وتوزيع النفقات حسب الجهات والقطاعات، والعائدات الجبائية والاجتماعية. 

وسيمكن هذا التقييم من قياس أثر الدعم، ومراجعة النسب عند الحاجة، والتأكد من أن رفعها يؤدي إلى استثمارات إضافية وتوطين مراحل جديدة من الإنتاج. 

من أرض للتصوير إلى قوة إنتاجية 

يمتلك المغرب رصيداً دولياً وتنوعاً جغرافياً وكفاءات بشرية واستوديوهات وخبرة مؤسساتية. كما وفر القانون رقم 18.23 إطاراً أكثر وضوحاً لتنظيم القطاع وتأهيل فاعليه. 

لكن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب عرضاً يجمع بين الحافز المالي والتجهيزات الحديثة والمواكبة السريعة والكفاءات المؤهلة. لذلك، أصبح رفع الدعم من 30% إلى 40%، مع إمكانية بلوغ 50% بالنسبة إلى الإنتاجات الكبرى ذات القيمة المضافة المرتفعة، خياراً استراتيجياً. 

لقد نجح المغرب في أن يصبح أرضاً عالمية للتصوير. والرهان اليوم هو تحويله، من خلال تطوير الاستوديوهات وإحداث مدينة للإنتاج السينمائي العالمي بورزازات، إلى قوة إقليمية وقارية متكاملة في الصناعة السينمائية والسمعية البصرية.. 

بقلم : الحسين حنين رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News