غزة والصمت التآمري حين يتحول الزمن من شاهد على الجريمة إلى أداة لنسيانها

ليست كل الخسائر التي تكبدتها دولة الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب غزة قابلة للقياس بعدد الجنود والعمليات العسكرية، أو حتى بعدد الدول التي تغير موقفها السياسي منها. ثمة خسارة أخرى، أقل ظهورًا في ميزان الحرب، لكنها ربما تكون أكثر أهمية على المدى البعيد: الخسارة التي أصابت السردية التي مكّنت إسرائيل لعقود من الظهور في جزء واسع من الوعي الغربي باعتبارها الضحية الدائمة التي تخوض حربًا دفاعية، بينما يجري اختزال الفلسطينيين في صورة الخطر الأمني.
لقد فعلت حرب غزة شيئًا بالغ الأهمية في هذا المجال. فقد وضعت صور الدمار، وأشلاء الضحايا، والمستشفيات المدمرة، والنزوح والمجاعة أمام الجمهور العالمي بصورة يصعب حجبها أو إعادة تأطيرها بالكامل. ولم تعد الرواية الرسمية وحدها قادرة على التحكم في الصورة.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم نتائج الحرب: أن المعركة لم تعد تجري فقط على الأرض، وإنما على معنى ما حدث على الأرض في الوعي العام.
وهذا تحديدًا ما يجعل الزمن عنصرًا سياسيًا في المعركة المقبلة.
فالجريمة، مهما كان حجمها، لا تبقى في الوعي العام بالحدة نفسها. الصورة التي تصدم العالم اليوم تصبح بعد أشهر مادة أرشيفية، والرقم الذي كان يثير الغضب يتحول تدريجيًا إلى رقم آخر في قائمة طويلة من أرقام الحرب. أما القصة التي كانت تتصدر نشرات الأخبار، فتفسح المجال لأزمة جديدة، وحرب جديدة، وانتخابات جديدة، وملف دولي جديد.
وهنا يبدأ مفعول الصمت.
من الحرب إلى إدارة الذاكرة
لم يعد السؤال بالنسبة إلى القوى المنخرطة في هندسة مستقبل غزة هو فقط: كيف تنتهي الحرب؟
ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف تنتهي الحرب في ذاكرة العالم؟
الفرق بين السؤالين كبير.
فإن بقيت غزة في الوعي العام باعتبارها جريمة مفتوحة، وظل الدمار مرتبطًا بمن تسبب فيه، وظلت مسؤولية القتل والتهجير والتجويع والتدمير مطروحة بوصفها قضية سياسية وأخلاقية وقانونية، فإن أي ترتيبات لاحقة ستظل محكومة بضغط الرأي العام.
أما إذا نجحت السياسة في نقل غزة تدريجيًا من خانة الجريمة والمساءلة إلى خانة الإعمار والحوكمة والأمن ونزع السلاح وإدارة اليوم التالي، فإن مركز الثقل يتغير.
تتحول القضية من: ماذا حدث لغزة؟ ومن يتحمل مسؤولية ما حدث؟ إلى: ماذا سنفعل بغزة؟
وهذه ليست مجرد إعادة صياغة لغوية. إنها إعادة ترتيب للأدوار.
فمن تسبب في الكارثة يمكن أن يتحول تدريجيًا من طرف مطلوب منه تفسير أفعاله وتحمل تبعاتها إلى طرف مشارك في تحديد شروط الحل. وتصبح الدولة التي كانت موضع اتهام بسبب ما فعلته في غزة شريكًا في النقاش حول مستقبل غزة وأمنها وإدارتها.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن الحديث عن إعادة الإعمار، ونزع السلاح، والقوة الدولية، والإدارة المدنية، ليس خاطئًا في ذاته. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحديث عن مستقبل غزة قادرًا على إزاحة الحديث عن ماضيها القريب من مركز المشهد.
“الصمت الانتخابي”
من هنا تبدو استعارة «الصمت الانتخابي» مفيدة لفهم ما يجري.
في بعض الأنظمة الانتخابية، يُفرض صمت انتخابي لفترة محددة قبل التصويت، تتوقف خلالها الحملات الدعائية، بما يتيح للناخب أن يتخذ قراره بعيدًا عن الضغط المباشر للحملة.
لكن ما يحدث في الحالة الفلسطينية يمكن أن ينتج مفارقة معاكسة.
فالصمت الذي يأتي بعد الجريمة لا يمنح الجمهور بالضرورة فرصة للتفكير؛ بل قد يمنح السياسة فرصة لتغيير موضوع التفكير نفسه.
إنها نافذة زمنية لاختفاء الصدمة.
والمقصود هنا ليس الادعاء بوجود غرفة عمليات سرية قررت أن «تنتظر حتى ينسى الغرب غزة». مثل هذا الادعاء يحتاج إلى أدلة لا نملكها، وسيضعف الحجة بدل أن يقويها.
الأكثر أهمية هو النظر إلى النتيجة الوظيفية.
فعندما يستمر وقف إطلاق النار طويلًا من دون أن يتحول إلى تسوية نهائية، وعندما تتراجع الحرب من الصفحات الأولى، وعندما تتعدد الأزمات الإقليمية والدولية، وعندما يتحول النقاش من صور الضحايا إلى ترتيبات سياسية وتقنية، فإن الضغط الأخلاقي الذي أحدثته الحرب يبدأ بالانحسار، حتى من دون الحاجة إلى وجود اتفاق مسبق بين جميع الأطراف على إحداث هذا الانحسار.
وهذا هو معنى «الصمت التآمري» الذي يستحق التوقف عنده: ليس بالضرورة أن يكون هناك تآمر منظم على الصمت؛ بل يكفي أن يعمل النظام السياسي والإعلامي بطريقة تجعل الصمت يؤدي وظيفة التآمر.
وقف إطلاق النار الذي لم ينهِ الحرب
تكشف التطورات على الأرض خطورة هذا التحول.
فوقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر 2025 أوقف العدوان واسع النطاق، لكنه لم ينهِ العمليات العسكرية الإسرائيلية بصورة كاملة. وفي الأول من سبتمبر 2026، تحدثت وكالات أنباء عالمية (رويتر، أ ف ب، …) عن عملية للقوات الإسرائيلية داخل غزة وعن غارات أسفرت عن مقتل فلسطينيين، بينما أشارت إلى أن أكثر من 1300 فلسطيني قتلوا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وفق مصادر صحية في غزة.
وهكذا نشأ وضع بالغ الغرابة: حرب انتهت رسميًا، لكنها لم تنتهِ فعليًا بما يكفي لكي يشعر سكان غزة أنهم خرجوا منها، ولم تستمر بالحدة نفسها التي تجعل العالم يبقيها في مركز اهتمامه.
وهذه ربما هي أخطر المناطق السياسية: المنطقة الواقعة بين الحرب والسلام.
فالهدنة الطويلة قد توقف الانفجار الإعلامي للحرب من دون أن تنتج سلامًا حقيقيًا على الأرض.
وفي الوقت نفسه، ظلت الخطة الأمريكية الخاصة بغزة تراوح مكانها أمام خلاف جوهري: إسرائيل تربط الانسحاب بنزع سلاح حماس، بينما تربط حماس مناقشة السلاح بضمان الانسحاب الإسرائيلي.
وبين الشرط والشرط المضاد، يستمر الوقت.
والوقت هنا ليس محايدًا.
الجمود نفسه سياسة
في السياسة، لا يعني غياب القرار غياب النتائج. فقد يكون الجمود نفسه قرارًا ينتج واقعًا جديدًا.
فكل شهر يمر من دون تسوية نهائية يعني أن واقعًا ميدانيًا جديدًا يترسخ، وأن صورة الحرب في الذاكرة العامة تتراجع درجة أخرى، وأن الأجيال السياسية التي كانت تحت ضغط الصور الأولى للحرب تنتقل إلى ملفات أخرى.
وفي غزة، لا يزال هذا الجمود يحدث فوق أرض مدمرة، بينما تبقى أجزاء واسعة من القطاع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وقد أفادت رويترز و أ ف ب وغيرهما في شهر غشت بأن السيطرة الإسرائيلية امتدت إلى نحو 70% من القطاع، مع استمرار وجود أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف إنسانية قاسية.
وفي المقابل، تتحرك مشاريع دولية تحت عنوان إعادة الإعمار والاستقرار. فقد أعلنت الولايات المتحدة في نفس الشهر تخصيص أكثر من 206 ملايين دولار للقوة الدولية المقترحة لغزة، رغم تعثر خطة السلام نفسها، وهو ما يعطي الانطباع على أن هندسة «اليوم التالي» تمضي قدمًا حتى بينما لا تزال القضايا الأساسية للحرب معلقة.
وهنا تظهر المفارقة مجددًا: يمكن أن تبدأ هندسة مستقبل غزة قبل أن تنتهي الأسئلة المتعلقة بماضيها.
حرب إيران تغير مركز الشاشة
ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لتقدم مثالًا واضحًا على قوة «اقتصاد الانتباه» في السياسة الدولية.
فحين اتسعت المواجهة الإقليمية، انتقلت الكاميرات والعناوين والجهود الدبلوماسية إلى الجبهة الإيرانية. بل إن رويترز أفادت في مارس 2026 بأن محادثات تنفيذ خطة ترامب بشأن غزة توقفت مؤقتًا بسبب الحرب مع إيران، التي أعادت ترتيب الأولويات الإقليمية والدبلوماسية.
لا يعني ذلك أن حرب إيران شنت من أجل إبعاد غزة عن المشهد؛ لا دليل على مثل هذا الاستنتاج.
لكن النتيجة الموضوعية كانت واضحة: غزة فقدت جزءًا من مركزيتها الإعلامية والسياسية، بينما لم تكن قد خرجت أصلًا من دائرة الحرب.
وهذا بالضبط هو جوهر المشكلة.
فالأزمات الدولية لا تتنافس فقط على الموارد السياسية، وإنما تتنافس أيضًا على انتباه الجمهور. و هذا الانتباه مورد محدود.
ما لم يكن ممكنًا بالأمس
وهنا نصل إلى الجزء الأكثر إثارة للقلق.
ما الذي يمكن أن يصبح ممكنًا سياسيًا عندما تتراجع الصدمة؟
خلال ذروة الحرب، كانت بعض الأفكار تبدو شديدة الاستفزاز للرأي العام العالمي، وكان مجرد طرحها كافيًا لإثارة موجة من الإدانات.
لكن مرور الوقت يغير طبيعة الخطاب.
ففي سبتمبر 2026، عادت شخصيات بارزة في اليمين الإسرائيلي، بينها إيتمار بن غفير وإسرائيل كاتس، إلى طرح أفكار تتعلق بما يسمى «الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من غزة. ووفق رويترز وأ ف ب، اقترح بن غفير خطة تمتد سبع سنوات وإنشاء وزارة مخصصة للهجرة، في حين حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو النأي بنفسه عن فكرة إعادة الاستيطان الإسرائيلي في القطاع مع تأييده للهجرة “الطوعية”.
وفي الضفة الغربية، اتخذ الاتجاه نفسه شكلًا آخر. فقد أقرت الحكومة الإسرائيلية في يوليو ميزانية تبلغ 434 مليون دولار لإنشاء 34 مستوطنة جديدة، في خطوة تؤكد المعطيات المتداولة إعلاميا أنها ترفع عدد المستوطنات التي أُنشئت خلال ولاية وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وحدها إلى 103.
هذه ليست تفاصيل هامشية.
إنها مؤشرات على أن المشروع السياسي الذي يفترض أن يبدأ بعد الحرب لا يتحرك بالضرورة في الاتجاه الذي يفترضه عنوان “السلام”.
بل إن بعض الأفكار التي كانت تبدو قبل أشهر شديدة التطرف في سياق النقاش الدولي، أصبحت الآن جزءًا من النقاش السياسي العلني.
وفي المقابل، نفت الولايات المتحدة اليوم (السبت 5 سبتمبر) وجود خطة مدعومة منها لإجبار الفلسطينيين على مغادرة غزة، في محاولة واضحة للفصل بين السياسة الأمريكية ومقترحات التهجير التي يطرحها وزراء إسرائيليون.
وهذا التفصيل مهم أيضًا، لأنه يرسخ فكرة أن المشهد ليس كتلة واحدة، وأن الصراع على مستقبل غزة يجري كذلك داخل المعسكر الداعم لإسرائيل نفسه.
الخطر ليس أن ينسى العالم غزة
ربما يكون من الخطأ انتظار لحظة ينسى فيها العالم غزة تمامًا.
لن يحدث ذلك.
غزة أصبحت جزءًا من الذاكرة السياسية والأخلاقية لجيل كامل.
لكن الخطر الحقيقي أكثر تعقيدًا: أن يتذكر العالم غزة بطريقة مختلفة.
أن تتحول من جريمة ما زالت آثارها قائمة إلى “حرب سابقة”.
أن تتحول من قضية شعب تحت الاحتلال إلى ملف لإعادة الإعمار.
أن تتحول المسؤولية عن الدمار إلى فاتورة مالية دولية.
أن يتحول سؤال العدالة إلى سؤال الأمن.
أن يتحول مجرمو الحرب إلى عرابي “السلام”.
وأن يتحول سؤال الفلسطينيين عن أرضهم وحقوقهم ومستقبلهم إلى سؤال تقني عن من سيدير القطاع، ومن سينزع السلاح، ومن يمول إعادة الإعمار، ومن يوفر الأمن.
عندها لا تكون الذاكرة قد اختفت. بل تكون قد أعيدت صياغتها. وهذا أخطر.
الصمت الذي يعمل
لهذا فإن «الصمت التآمري» الذي نقصده هنا ليس صمتًا مطلقًا.
غزة لا تزال تظهر في الأخبار، ولا تزال الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والدول تتحدث عنها، ولا تزال صور الدمار موجودة.
لكن المسألة تتعلق بشيء أدق: بالمسافة بين الحدث والوعي به.
كلما اتسعت هذه المسافة، أصبحت الجريمة أكثر قابلية للتحول إلى تاريخ، وأصبحت نتائجها أكثر قابلية لأن تقدم باعتبارها نقطة انطلاق لمشروع سياسي جديد.
وهنا يكمن الخطر.
فما لم يكن ممكنًا تمريره تحت وهج الصور الأولى للحرب قد يصبح قابلًا للنقاش بعد أشهر من الهدوء النسبي، ليس لأنه أصبح أقل خطورة، وإنما لأن الجمهور الذي كان يرفضه بشدة لم يعد يتعرض له بالحدة نفسها.
قد لا تكون هناك غرفة عمليات تدير هذا الصمت. لكن الصمت، في السياسة، لا يحتاج دائمًا إلى غرفة عمليات. يكفي أن يتقاطع مرور الزمن مع إرهاق الجمهور، وتعدد الأزمات، وتراجع التغطية، وتحول اللغة من المساءلة إلى الإدارة، وانتقال القضية من الشارع إلى غرف التفاوض.
عندها يصبح الزمن نفسه طرفًا في المعركة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس فقط: ماذا سيحدث في غزة؟ بل أيضًا: ماذا سيحدث في وعي العالم تجاه ما حدث في غزة؟
فالمعركة على القطاع قد تنتهي يومًا ما، لكن المعركة على تفسير ما حدث، وعلى من يحدد معنى الحرب ونتائجها، وعلى ما إذا كان الدمار سيصبح مدخلًا إلى العدالة أم مدخلًا إلى إعادة ترتيب المنطقة على حساب الفلسطينيين، قد تكون قد بدأت للتو.
أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس أن يصمت العالم عنها تمامًا، وإنما أن يتحدث عنها كثيرًا بعد أن يتوقف عن تذكر لماذا حدث كل ما حدث.





