إسبانيا والمغرب لن يربحا إلا في ظل علاقات هادئة

يمكن قراءة البلاغ الأخير لوزارة الشؤون الخارجية المغربية باعتباره ردًا على الاتهامات التي وُجّهت إلى المغرب عقب الأحداث الخطيرة التي شهدتها سبتة. غير أن رسالته الأهم تتجه نحو المستقبل: إسبانيا والمغرب سيربحان إذا حافظا على علاقات هادئة ومتزنة، في حين لن يستفيد أي من البلدين من الدخول في دوامة من التوتر وانعدام الثقة.
يستهل المغرب بلاغه بالتذكير بخياره السيادي المتمثل في بناء علاقة مع إسبانيا تقوم على حسن الجوار، والتفاهم السياسي، والشراكة الاقتصادية، والتعاون في المجال الأمني. وهو التوجه الذي كرّسه الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022، وترجم منذ ذلك الحين إلى نتائج ملموسة.
وتُعد إسبانيا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، بينما يُعد المغرب ثاني شريك تجاري لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي. كما يتيح التعاون بين البلدين مكافحة الإرهاب والشبكات الإجرامية، وتدبير تدفقات الهجرة، وإنقاذ الأرواح. لذلك، فالأمر لا يتعلق بعلاقة ثانوية، بل بشراكة استراتيجية مبنية على مصالح مشتركة.
وهذا الرصيد ينبغي الحفاظ عليه، خصوصًا في أوقات الأزمات.
التحقيق دون استباق النتائج
لا يعارض البلاغ المغربي كشف حقيقة ما جرى في يوليو. بل على العكس، يقر صراحة بضرورة إجراء فحص شامل يسمح بتحديد ملابسات الأحداث، ورصد أي تدخلات أو عمليات تلاعب محتملة، والأهم من ذلك منع تكرار ما حدث.
ما ترفضه الرباط هو أن ينطلق هذا التحقيق من افتراض مسبق بثبوت مسؤولية المغرب. فالتحقيق الجاد يعني فحص جميع الفرضيات بالصرامة نفسها، لا انتقاء العناصر التي يُفترض أنها تؤكد اتهامًا محددًا سلفًا.
ومن أبرز الحجج المستخدمة ضد المغرب أن المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية (CNI) أبلغ، في 29 يوليو، أجهزة الاستخبارات المغربية بوجود دعوات متداولة داخل مجموعتين على فيسبوك تضمان نحو 180 ألف عضو أو متابع.
غير أن حجم الجمهور على المنصات الرقمية لا يعادل قوة معبأة على أرض الواقع. فكون مجموعتين تضمان 180 ألف مستخدم لا يعني أن جميع هؤلاء — ولا حتى نسبة مهمة منهم — يملكون النية أو القدرة أو القرب الجغرافي اللازم للتوجه نحو سبتة.
وفضلًا عن ذلك، لم يُبلغ المركز الوطني للاستخبارات المغرب وحده، بل نقل المعلومات أيضًا إلى مندوبية الحكومة في سبتة وإلى الحرس المدني الإسباني، ولكن، وفق ما نُشر، على مستوى منخفض جدًا. بل إن المركز نفسه لم يرَ ضرورة لإيصال هذه المعلومات إلى مستويات أعلى. ولهذا أيضًا لم تفسر السلطات الإسبانية ذلك التحذير باعتباره إنذارًا بعملية دخول بالحجم الذي وقع لاحقًا.
وإذا كان المسؤولون الإسبان الذين تلقوا التحذير نفسه لم يتوقعوا تعبئة بهذا الحجم، فلا يبدو منطقيًا تحويل ذلك التنبيه إلى دليل على أن المغرب كان يعرف بدقة ما سيحدث وقرر السماح به.
فالتحذير يثبت وجود دعوات متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي، لكنه لا يثبت وجود أمر مغربي، أو تنسيق على مستوى الدولة، أو إرادة متعمدة لإحداث الأزمة أو السماح بوقوعها.
الصور تحتاج أيضًا إلى سياق
تستند الحجة الأخرى إلى صور قُدمت باعتبارها دليلًا على أن الدرك المغربي كان يوجّه المهاجرين نحو الحدود. غير أن أحد أكثر مقاطع الفيديو تداولًا صُوّر على الطريق الرابط بين طنجة وتطوان، على بعد نحو 50 كيلومترًا من سبتة، ويُظهر عناصر الأمن وهم يحاولون إيقاف الشباب أو تغيير وجهتهم.
وتبين هذه الحالة أنه لا يمكن تفسير أي صورة بصورة صحيحة من دون التحقق من مكان تصويرها، وتسلسلها الكامل، والسياق الذي التُقطت فيه.
وهذا لا يبطل جميع الوثائق التي جُمعت، والتي ينبغي فحص كل منها على حدة. لكنه يبرز خطورة بناء اتهام ضد دولة استنادًا إلى صور منزوعة من سياقها، أو شهادات غير مباشرة، أو استنتاجات لم يتم التحقق منها بعد.
وحتى الآن، لم يُعرض علنًا أي أمر أو اتصال عملياتي أو تسلسل في سلسلة القيادة يثبت أن السلطات المغربية خططت لعمليات الدخول أو سهّلتها عمدًا. كما أكد رئيس الحكومة الإسبانية نفسه أمام البرلمان عدم وجود دليل ملموس يثبت أن المغرب هو من نظم العملية.
ينبغي أيضًا أخذ رد الفعل المغربي بعين الاعتبار
يرى الحزب الشعبي الإسباني أن المغرب مسؤول عما حدث «بالفعل أو بالامتناع». غير أن حزبًا يطمح إلى الحكم، عندما ينسب إلى دولة امتناعًا متعمدًا، يتعين عليه تحديد ما كانت السلطات المغربية تعرفه بالضبط، ومنذ أي وقت، وما القدرة الفعلية التي كانت تتوفر عليها للسيطرة على تعبئة غير متوقعة، وما التعليمات التي أصدرتها.
كما أن هذا الاتهام لا يأخذ بما يكفي بعين الاعتبار رد فعل المغرب بمجرد اتضاح خطورة الوضع.
ففي اليوم نفسه، 30 يوليو، وفي حدود الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، وافق المغرب على إعادة قبول الأشخاص الذين دخلوا بصورة غير نظامية. وخلال ذلك المساء، تدخلت قواته الأمنية لاحتواء تحركات جديدة، وتكبدت خسائر بشرية ومادية. وفي الأيام التالية، أتاح التعاون إعادة أكثر من 90 في المائة من المهاجرين.
ومن الصعب التوفيق بين هذه الوقائع وفرضية وجود دولة مصممة على إبقاء الضغط على سبتة. فأي إعادة بناء متوازنة للأحداث لا يمكنها إبراز العناصر التي يُفترض أنها تدعم الاتهام، وفي الوقت نفسه تجاهل العناصر التي تثبت وجود تعاون سريع وفعال.
ولهذا يطرح البلاغ سؤالين مشروعين: لماذا لا تُنفذ عمليات الإعادة بوتيرة أسرع ما دام المغرب قد التزم رسميًا بإعادة قبول مواطنيه؟ ولماذا يستمر إبقاء قاصرين بعيدًا عن أسرهم في الوقت الذي طالبت فيه الرباط بإلحاح بإعادتهم؟
ولا يتعلق الأمر بإلقاء كامل المسؤولية على إسبانيا، وإنما بالإقرار بأن تدبير الأزمة يتطلب قرارات منسقة ومسؤوليات مشتركة على المستويات السياسية والقضائية والإدارية.
واقع قانوني وهجروي جديد
سبق للمغرب أن حذر، في بلاغه الصادر في 3 أغسطس، من أنه أبلغ إسبانيا بالمخاطر والانعكاسات العملياتية لقرار المحكمة العليا الإسبانية الذي قيّد عمليات الإعادة عبر البحر. ووفقًا للرباط، فإن هذا القرار أضعف الأثر الردعي الذي كان يقوم عليه جزء من جهود مكافحة الهجرة غير النظامية.
فعندما تنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي فكرة مفادها أن من ينجح في الدخول سباحة لن تتم إعادته فورًا، فإن حسابات الأشخاص الذين يفكرون في محاولة العبور تتغير. ويمكن للدعوات الرقمية أن تتضاعف بسرعة من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مركز حكومي يقف وراء تنظيمها.
والاعتراف بالآثار العملية لحكم قضائي لا يعني التشكيك في استقلال القضاء الإسباني. بل يعني فهم أن الإطار القانوني قد تغير، وأن آليات التعاون الثنائي ينبغي أن تتكيف مع هذا الواقع الجديد.
إما أن نربح معًا أو نخسر معًا
إن الأزمات بين إسبانيا والمغرب لا تظل أبدًا محصورة في نطاق الحكومتين. فهي تؤثر في التجارة والشركات والأمن وحركة الأشخاص وتدبير الهجرة، وفي آلاف الأسر التي تمتد روابطها على ضفتي المضيق.
كما أن توتر العلاقات لا يخدم سبتة ومليلية. فهاتان المدينتان تحتاجان إلى الاستقرار والتعاون عبر الحدود وتواصل سلس بين السلطات الإسبانية والمغربية. وقد يوفر تحويل كل حادث إلى مواجهة سياسية بعض المكاسب الانتخابية الآنية، لكنه يضعف الأدوات الضرورية لمعالجة المشكلات الحقيقية.
تحتاج إسبانيا إلى تعاون المغرب، مثلما يحتاج المغرب إلى علاقة قوية وقابلة للتوقع مع إسبانيا. ولا ينبغي تقديم هذا الاعتماد المتبادل باعتباره نقطة ضعف، بل باعتباره فرصة. فالبلدان قادران على تحقيق مكاسب أكبر من خلال الحوار والتنسيق والاحترام المتبادل مقارنة بما يمكن تحقيقه عبر الاتهامات العامة والتصعيد في الخطاب.
ولا يمكن أن تتحول صيغة «بالفعل أو بالامتناع» إلى قرينة تلقائية تجعل المغرب مسؤولًا سواء تدخل أو لم يتمكن من منع تعبئة استثنائية وغير متوقعة بشكل كامل. وفي المقابل، لن يكون من المعقول أن يتجاهل المغرب المخاوف المشروعة داخل المجتمع الإسباني. فعلى كل طرف أن يستمع إلى هواجس الطرف الآخر وأن يجيب عنها بوقائع قابلة للتحقق.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحديد البلد الذي ينبغي تحميله كامل المسؤولية، وإنما في فهم أسباب إخفاق آليات الإنذار، وكيف تحولت دعوة رقمية إلى حركة جماهيرية، وما الأدوات المشتركة التي ينبغي وضعها لمنع تكرار ذلك.
وهذا هو المعنى الأكثر إيجابية وبناءً في البلاغ المغربي. فعلى الرغم من حزم رده، تواصل الرباط وضع علاقتها مع إسبانيا ضمن منظور استراتيجي، وتبقي باب الحوار مفتوحًا.
لا يمكن تغيير الجغرافيا، كما لا يمكن تجاهل المصالح المشتركة. وستربح إسبانيا والمغرب من علاقات هادئة تقوم على الحقيقة والاحترام والتعاون. وفي المقابل، لن يخرج أي منهما رابحًا إذا أدت التبسيطات والمزايدات الانتخابية والتصعيد اللفظي إلى تحويل أزمة خطيرة، لكنها قابلة للتجاوز، إلى مصدر دائم للتوتر وانعدام الثقة.





