رأي

العدل الانتخابي أولا: من يحمي الأمي من شراهة السياسي؟

العدل الانتخابي أولا: من يحمي الأمي من شراهة السياسي؟

مع كل موسم انتخابي، تعود إلى الواجهة مشاهد المهرجانات الخطابية: قاعات ممتلئة، هتافات حماسية، وتصفيق مدوّ عند دخول القادة السياسيين. وبين الحاضرين مواطنون أميون، قد يكونون في بعض هذه اللقاءات نسبة مهمة منهم، يندمجون في أجواء الحماس والتصفيق والانبهار بالشخصية السياسية، من دون أن تتوفر لديهم دائما الأدوات التي تمكنهم من التحقق مما يقال لهم، أو مقارنته، أو مساءلة أصحابه.

وقد لا يقتصر الأمر على التصفيق للزعيم السياسي وخطابه، بل يمتد إلى التصفيق لما يسميه «إنجازات»، دون أن تكون لدى المواطن القدرة على التحقق من حقيقة هذه الإنجازات، أو معرفة حجمها ومصدر تمويلها، أو التمييز بين ما أنجزته مؤسسات الدولة من المال العام، وبين ما يمكن للسياسي أن ينسبه إلى نفسه.

والأخطر من ذلك أن المواطن الأمي قد يجد صعوبة في مساءلة السياسي عن وعوده الكثيرة؛ ليس فقط الوعود التي يطلقها خلال الحملة الانتخابية الحالية، وإنما أيضا الوعود السابقة التي لم تتحقق ولم تُنجز أصلا.

فالمساءلة الديمقراطية لا ينبغي أن تبدأ مع كل انتخابات من نقطة الصفر. ومن حق المواطن أن يسأل السياسي: ماذا وعدتَ في الانتخابات السابقة؟ ماذا أنجزت؟ ماذا لم تنجز؟ وما الذي حال دون تنفيذ ما وعدت به؟ وكم كلفت المشاريع التي أعلنت عنها؟ ومن أين كان يفترض أن يأتي تمويلها؟

لكن هذه الأسئلة تصبح أكثر صعوبة عندما يفتقر الناخب إلى أدوات القراءة والبحث والرجوع إلى الوثائق والبرامج والأرقام، أو عندما لا يستطيع مقارنة ما قيل له في الماضي بما تحقق فعليا على أرض الواقع.

وهنا يستطيع السياسي، إذا غابت الذاكرة الانتخابية والمعلومة الموثقة، أن يعيد تقديم الوعود نفسها في كل موسم انتخابي، وأن يقدم القديم في صورة جديد، وأن يتحدث عن مشاريع لم تُنجز وكأنها إنجازات قادمة، أو عن وعود لم تتحقق وكأنها مجرد برامج لم يحن وقت تنفيذها بعد.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في العملية الانتخابية هو أن يدخل السياسي كل انتخابات بسجل جديد، بينما يدخل المواطن بلا ذاكرة انتخابية موثقة.

فالسياسي ينبغي ألا يُحاسب فقط على ما يقوله اليوم، بل أيضا على ما قاله بالأمس، وما فعله بعد ذلك.

وهنا يفرض نفسه سؤال قد يبدو صادما، لكنه يستحق أن يطرح بوضوح:

هل نحمي حق الأمي في التصويت، أم نحمي الأمي نفسه من سياسي قد يجد في أميته فرصة للوصول إلى صوته؟

الأمية ليست عيبا في صاحبها، ولا تنتقص من كرامته أو مواطنته. إنها واقع اجتماعي وتعليمي ينبغي أن تعمل الدولة والمجتمع على القضاء عليه. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأمية إلى ثغرة سياسية يستغلها من يمتلك أدوات الخطاب والتأثير؛ فيخاطب العاطفة بدل العقل، ويقدم الشعارات بدل التفاصيل، والوعود بدل الأرقام، ويقدّم صورة الزعيم السياسي بدل مشروعه الانتخابي.

وقد يقول السياسي: نحن نلتقي بالمواطنين لشرح برامجنا، ولا نشترط عليهم أن يقرأوها.

لكن السؤال الحقيقي هو: هل مجرد الاستماع إلى البرنامج يعني القدرة على تقييمه ومناقشته ومساءلة صاحبه عنه؟

إن شرح البرنامج في مهرجان انتخابي لا يمنح بالضرورة المواطن القدرة على التحقق من وعوده أو مقارنتها بوعود المنافسين، ولا يمكنه وحده من الرجوع إلى الأرقام والوثائق، أو معرفة كلفة المشاريع ومصادر تمويلها، أو مساءلة الحزب لاحقا عما وعد به.

السياسي يمتلك المعلومة والخبرة وفريقا لإعداد الخطاب، كما يمتلك أدوات متعددة للتواصل والتأثير. أما الناخب الأمي فقد يجد نفسه معتمدا بدرجة كبيرة على ما يسمعه في لحظة انتخابية عابرة.

السياسي يعرف كيف يتحدث، بينما قد لا يملك الأمي الوسيلة التي تمكنه من التحقق مما سمع.

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: بدل أن تكون الأمية مشكلة وطنية يسعى الجميع إلى القضاء عليها، قد تتحول، في أيدي بعض الانتهازيين، إلى رأسمال انتخابي.

فالناخب الذي لا يستطيع المقارنة يسهل التأثير عليه، والذي لا يستطيع التحقق يسهل إقناعه، والذي يفتقد أدوات المعرفة قد يتحول صوته إلى هدف انتخابي سهل.

وهل هناك ما هو أكثر خطورة على الديمقراطية من أن يصبح ضعف المواطن وسيلة لقوة السياسي؟

نرى أحيانا مواطنين ينبهرون بدخول القادة السياسيين إلى القاعات أكثر مما يناقشون ما سيقدمونه بعد الوصول إلى السلطة؛ يصفقون للشخص قبل المشروع، ولما يسميه «إنجازات» قبل التحقق منها، ويتفاعلون مع الشعار قبل السياسة، ويحتفون بالخطاب قبل أن يسألوا عن كلفته ومصدر تمويله.

وهنا يصبح المهرجان الانتخابي قابلا للتحول من فضاء لتقديم البرامج ومناقشتها إلى فضاء لصناعة التأثير النفسي.

لذلك أطرح، دفاعا عن الأمي وحماية له من الاستغلال، اقتراحا للنقاش العام: إعادة النظر في مشاركة الأمي في الانتخابات بصورة مؤقتة، إلى حين القضاء على الأمية، وذلك في إطار دستوري وقانوني ومجتمعي.

قد يعترض البعض على هذا الاقتراح باعتباره إقصاء للأمي، وهو اعتراض مشروع ينبغي أخذه بجدية. وقد يرى آخرون أن الحل لا يكون بحرمان المواطن من حقه، وإنما بتمكينه وحمايته وتوفير شروط الاختيار الواعي أمامه.

لكن السؤال الذي أطرحه لا يتعلق بمعاقبة الأمي على أميته، وإنما بمنع السياسي من تحويل هذه الأمية إلى وسيلة للاستيلاء على صوته.

فالعدل لا يعني أن نعطي الجميع ورقة اقتراع ثم نغادر المشهد، وكأن الجميع يمتلكون الأدوات نفسها لفهم الاختيار وممارسة الرقابة والمساءلة. العدل يقتضي أيضا حماية الفئات الأكثر عرضة للتأثير والاستغلال، وتمكينها من شروط المشاركة الواعية.

ومع ذلك، فإن المسؤولية الأولى لا تقع على الأمي، وإنما على الدولة والمجتمع والأحزاب نفسها: القضاء على الأمية، ونشر الوعي السياسي، وتبسيط المعلومات، وتمكين المواطن من معرفة الحقيقة الكاملة حول البرامج والوعود وكلفتها ومصادر تمويلها.

كما أن من واجب الدولة والمؤسسات المعنية أن تجعل الذاكرة الانتخابية متاحة للجميع: ماذا وعد كل منتخب؟ ماذا أنجز؟ ما الذي لم ينجزه؟ وما نسبة تنفيذ برنامجه؟ وما أسباب التعثر، إن وجدت؟

فالمواطن، سواء كان متعلما أو أميا، يحتاج إلى معلومة واضحة ومبسطة يستطيع من خلالها أن يقارن بين الوعود والنتائج، وبين الخطاب والممارسة، وبين ما قيل في الحملة وما تحقق بعدها.

أما أن نترك الأمية متفشية، ثم نفتح أمام السياسيين أبواب استثمارها انتخابيا، ونسمح في الوقت نفسه بأن تُنسى الوعود القديمة التي لم تتحقق، فذلك هو الخلل الذي ينبغي أن نناقشه بجرأة.

فما قيمة انتخابات يكثر فيها عدد الأصوات، إذا كان بعض هذه الأصوات يمكن أن يصنعه المال، أو الحاجة، أو الجهل، أو الانبهار؟

الديمقراطية ليست مهرجانا للتصفيق، وليست سباقا في ملء القاعات، وليست مجرد أرقام داخل صناديق الاقتراع. الديمقراطية الحقيقية هي أن يعرف المواطن من يختار، وماذا يختار، ولماذا يختار، وأن يكون قادرا على محاسبة من منحه صوته.

والسياسي الذي يطلب ثقة المواطن اليوم، ينبغي أن يكون مستعدا للإجابة عن أسئلة الأمس، قبل أن يطلب منه أن يصدّق وعود الغد.

ماذا وعدت؟ ماذا أنجزت؟ ماذا لم تنجز؟ ولماذا؟

هذه الأسئلة البسيطة هي جوهر المساءلة الديمقراطية.

ومن هنا فإن حماية الأمي ليست انتقاصا منه، بل يمكن أن تكون دفاعا عن كرامته وإرادته الحرة.

المشكلة ليست في الأمي الذي لا يعرف، وإنما في السياسي الذي يعرف أنه لا يعرف، ثم يستغل ذلك للوصول إلى صوته.

وهنا يصبح السؤال الأكبر سؤال عدل، لا سؤال إقصاء:

هل نريد ناخبا يختار عن وعي، أم مجرد صوت يضاف إلى صندوق انتخابي؟

إذا كانت الديمقراطية تقوم على الإرادة الحرة، فإن حماية هذه الإرادة من الاستغلال يجب أن تسبق الاحتفال بعدد الأصوات.

ومن يحمي الأمي من شراهة السياسي، لا يحمي الأمي وحده؛ بل يحمي نزاهة الانتخابات، وكرامة المواطن، وذاكرة المجتمع، والديمقراطية نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News