رأي

عندما تصبح الأصوات خزانات عابرة للأحزاب

عندما تصبح الأصوات خزانات عابرة للأحزاب

لا تبدأ السياسة دائما من الحزب، ولا تنتهي عنده. فخلف الواجهات الحزبية، وخلف الشعارات والبرامج واللوائح الانتخابية، توجد في بعض الأحيان بنية أخرى أكثر تأثيرا في تحديد النتائج: شبكة من العلاقات الاجتماعية والشخصية تمتد داخل العائلات والأحياء والقرى والمهن ومجالات النفوذ المحلي. وهذه الشبكات لا تحمل بالضرورة لونا حزبيا ثابتا، ولا ترتبط دائما بعقيدة سياسية محددة، لكنها قادرة على إنتاج كتلة انتخابية متماسكة يمكن أن تنتقل من حزب إلى آخر، ومن مرشح إلى آخر، دون أن تفقد تماسكها الأساسي. وهنا لا يعود الحزب هو المصدر الوحيد للقوة الانتخابية، بل قد يصبح مجرد الإطار الذي تتحرك داخله قوة تشكلت في مكان آخر، خارج المؤسسة الحزبية وقبل أن تصل إلى صندوق الاقتراع.

ومن هنا تبرز ظاهرة يمكن تسميتها بـ”خزانات الأصوات العابرة للأحزاب”. والمقصود بها ليس مجرد وجود ناخبين يفضلون شخصا معينا أو يميلون إلى مرشح بحكم تجربتهم معه، فهذا أمر طبيعي في الحياة الانتخابية، وإنما وجود شبكات يصبح فيها الولاء الاجتماعي أو الشخصي أكثر رسوخا من الانتماء السياسي نفسه. فالمرشح قد يغير حزبه، وقد تتغير البرامج والشعارات، وقد تتبدل التحالفات من استحقاق إلى آخر، لكن الشبكة التي تقف وراءه قد تظل قادرة على الانتقال معه، لأن مصدر قوتها لا يكمن في الحزب بقدر ما يكمن في العلاقات التي تربط أفرادها ببعضهم البعض، وفي الثقة المتبادلة، وفي المكانة الاجتماعية، وفي النفوذ المحلي، وفي القدرة على تحويل هذه الروابط إلى سلوك انتخابي جماعي.

وهنا يصبح من الضروري التمييز بين النفوذ الاجتماعي الطبيعي وبين توظيفه السياسي. فليس في أن تكون لشخصية محلية مكانة أو احترام أو قدرة على التأثير ما يثير القلق في حد ذاته، لأن المجتمعات تقوم بطبيعتها على علاقات الثقة والقرابة والجوار والمهنة والمصلحة، وهذه الروابط يمكن أن تكون مصدرا للتضامن والتعاون والمشاركة في الشأن العام. لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل هذه القوة من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي دون أن تمر عبر النقاش والاقتناع والاختيار الحر، وعندما يصبح الانتماء العائلي أو القرب الشخصي أو العلاقة مع أحد الأعيان أكثر تأثيرا في تحديد الصوت الانتخابي من تقييم البرنامج والكفاءة والقدرة على التمثيل.

عند هذه النقطة يتغير معنى الانتخابات نفسها. فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد عملية لتوزيع الأصوات على المرشحين، وإنما هي لحظة يمارس فيها المواطن سيادته السياسية، وينتقل من كونه فردا داخل مجتمع تحكمه علاقات متعددة إلى كونه مواطنا يملك قرارا مستقلا في تحديد من يمثله. غير أن هذا المعنى يتعرض للاختلال عندما يدخل المواطن إلى العملية الانتخابية باعتباره جزءا من شبكة أصوات، لأن صوته عندها قد لا يعود تعبيرا عن قناعة فردية بقدر ما يصبح استجابة لعلاقة اجتماعية أو لضغط جماعي غير معلن.

وهنا لا يحتاج المرشح بالضرورة إلى إقناع كل ناخب على حدة؛ يكفيه أحيانا أن يصل إلى الأشخاص القادرين على التأثير في الآخرين. فبدلا من أن يخاطب مئات أو آلاف المواطنين بوصفهم أفرادا مستقلين، يبحث عن مفاتيح اجتماعية تستطيع تحريك مجموعات كاملة. وبذلك تتحول العملية الانتخابية تدريجيا من منافسة بين الأفكار إلى منافسة على امتلاك مفاتيح الشبكات، ومن إقناع الناخب إلى الوصول إلى من يستطيع التأثير فيه. وتصبح القوة الحقيقية للمرشح ليست فقط فيما يستطيع أن يقوله أمام الناخب، وإنما فيما يستطيع أن يحركه من خلف الناخب.

وهذا التحول لا يغير علاقة المواطن بالمرشح فقط، بل يعيد تشكيل وظيفة الحزب نفسه. فالحزب السياسي يفترض أن يكون مؤسسة لصياغة الأفكار، وتأطير المواطنين، وإنتاج السياسات، وتكوين النخب، وتنظيم الاختلاف، وربط المجتمع بمؤسسات الدولة. لكن عندما تصبح القيمة الانتخابية للمرشح مرتبطة أساسا بعدد الأصوات التي يستطيع جلبها من شبكته الاجتماعية، يصبح الحزب أمام إغراء دائم: هل يبحث عن الشخص الذي يمثل مشروعه، أم عن الشخص الذي يستطيع ضمان المقاعد؟

وعندما ينتصر السؤال الثاني على الأول، تبدأ المؤسسة الحزبية في فقدان جزء أساسي من معناها. يصبح البحث عن “من ينجح” أهم من البحث عن “ماذا نمثل”، وتصبح القدرة على جمع الأصوات أهم من القدرة على إنتاج الأفكار، ويتحول المرشح من نتاج للعمل الحزبي إلى مورد انتخابي تستقطبه الأحزاب كلما اقترب موعد الاستحقاق. وفي هذه الحالة لا يعود الحزب هو الذي يصنع المرشح سياسيا، بل قد يجد نفسه مضطرا إلى استيراد قوة انتخابية جاهزة ثم وضعها تحت اسمه وشعاره.

ومن هنا يمكن فهم ظاهرة أخرى أكثر تعقيدا: لماذا تتغير الخريطة الحزبية من انتخابات إلى أخرى، بينما تظل بعض موازين النفوذ الاجتماعي والسياسي ثابتة إلى حد كبير؟ قد يتغير الحزب الذي يحمل المرشح، وتتغير الشعارات التي يخوض بها حملته، وتتبدل التحالفات التي تحيط به، لكن جزءا كبيرا من قوته قد يبقى على حاله، لأنه لا يستمد هذه القوة من الحزب وحده، وإنما من شبكته الاجتماعية، ومن علاقاته المحلية، ومن صورته لدى محيطه، ومن قدرته على تحويل الثقة الشخصية إلى أصوات.

وبهذا المعنى، فإن انتقال الشخص من حزب إلى حزب لا يكون دائما انتقالا سياسيا بالمعنى الحقيقي، فقد يكون في بعض الحالات انتقالا لخزان انتخابي من وعاء حزبي إلى وعاء حزبي آخر. وهذا يكشف مفارقة أساسية في بعض التجارب الانتخابية: قد يبدو المشهد الحزبي متغيرا ومتحركا، بينما تظل البنية الفعلية لإنتاج القوة الانتخابية أكثر ثباتا مما توحي به النتائج الظاهرة.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقا من مجرد السؤال عن الحزب الذي فاز أو المرشح الذي خسر: إذا كانت الأصوات تتبع الأشخاص أكثر مما تتبع المشاريع، فهل نحن أمام منافسة بين أحزاب سياسية، أم أمام منافسة بين شبكات نفوذ تستخدم الأحزاب بوصفها أدوات للوصول إلى السلطة؟ وإذا كان المرشح يستطيع أن يحمل خزان أصواته معه أينما انتقل، فما الذي يبقى من الحدود الفعلية بين البرامج والمشاريع السياسية؟ وما الذي يجعل المواطن يختار حزبا بعينه إذا كان قراره الانتخابي قد حسم اجتماعيا قبل أن تبدأ المنافسة الحزبية أصلا؟

هذه الأسئلة ليست نظرية، لأنها تمس جوهر الديمقراطية. فالديمقراطية لا تقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع أو تعدد الأحزاب والمرشحين، وإنما تقاس أيضا بدرجة استقلال المواطن في لحظة الاختيار، وبمدى قدرة المؤسسات السياسية على تحويل هذا الاختيار إلى تمثيل ومساءلة وسياسات عامة. فإذا كان المواطن يصوت بناء على برنامج، ثم يستطيع أن يحاسب من انتخبه على أساس ما وعد به وما أنجزه، فنحن أمام علاقة سياسية تقوم على التمثيل والمساءلة. أما إذا كان التصويت امتدادا لعلاقة اجتماعية أو عائلية أو مصلحية، فإن طبيعة العلاقة تتغير: يصبح المرشح أقرب إلى وسيط داخل شبكة من المصالح، ويصبح المواطن جزءا من رصيد انتخابي يعاد توظيفه في كل استحقاق.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية للخزانات العابرة للأحزاب. فهي لا تمنع التغيير الانتخابي بالضرورة، لكنها قد تجعل هذا التغيير سطحيا. قد تتغير الوجوه، وتتبدل الأحزاب، وتتغير التحالفات، وتظهر شعارات جديدة، بينما تبقى آليات إنتاج القوة نفسها. وعندما يحدث ذلك، تصبح الانتخابات قادرة على تغيير من يحتل الموقع، دون أن تكون بالضرورة قادرة على تغيير الطريقة التي تصنع بها السلطة أو توزع بها أو تمارس بها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه الحالة هو أن يتحول المواطن من صاحب سيادة إلى وحدة داخل شبكة انتخابية، وأن يتحول الصوت من تعبير عن إرادة سياسية إلى أصل يمكن تعبئته وتحريكه وإعادة استثماره. وعندما يصبح الصوت قابلا للانتقال مع الشخص من حزب إلى آخر، فإن القيمة السياسية للحزب تتراجع، لأن الانتماء الحزبي يفقد جزءا من قدرته على تفسير السلوك الانتخابي، بينما تزداد أهمية العلاقات الشخصية والاجتماعية في إنتاج النتائج.

لكن مواجهة هذه الظاهرة لا تعني مهاجمة العائلات، ولا الأعيان، ولا الروابط الاجتماعية، ولا مطالبة الناس بالتخلي عن علاقاتهم الطبيعية. فالمشكلة ليست في المجتمع، وإنما في الطريقة التي يمكن أن تتحول بها بعض علاقاته إلى أدوات للهيمنة السياسية. المطلوب هو بناء مسافة صحية بين الانتماء الاجتماعي والقرار السياسي؛ مسافة تسمح للإنسان بأن يحترم عائلته، ويحافظ على علاقاته بجيرانه وأصدقائه، ويقدر من تربطه بهم صلة أو معرفة، لكنه عندما يصل إلى صندوق الاقتراع يستطيع أن يستعيد قراره باعتباره مواطنا، وأن يسأل نفسه من يستحق صوته، وما المشروع الذي يقتنع به، وماذا قدم المرشح، وماذا يستطيع أن يقدم، وكيف يمكن محاسبته إذا أخفق.

وهذا الفصل بين العلاقة الاجتماعية والقرار السياسي هو أحد الشروط الأساسية لتحول الفرد من تابع داخل شبكة إلى مواطن داخل دولة. فالمواطن الحر ليس هو الذي يعيش بلا علاقات، وإنما هو الذي لا يسمح لهذه العلاقات بأن تصادر حقه في الاختيار. والديمقراطية لا تتطلب من الإنسان أن يتخلى عن مجتمعه، بل أن يمتلك داخل هذا المجتمع مساحة كافية من الاستقلال تمكنه من اتخاذ قراره السياسي دون أن يشعر أن صوته دين اجتماعي يجب سداده.

غير أن المسؤولية لا تقع على الناخب وحده. فحين تكون الأحزاب ضعيفة من حيث الأفكار والتنظيم، وحين تتشابه البرامج أو تفقد قدرتها على إقناع المواطنين، وحين يتحول النقاش العمومي إلى موسم انتخابي قصير، يصبح من الطبيعي أن تبحث الانتخابات عن مصادر أخرى للقوة، فتجدها في الأشخاص والعلاقات والشبكات المحلية. ولذلك فإن كسر هذه الحلقة لا يمكن أن يتم بمجرد مطالبة المواطن بأن يكون أكثر استقلالا، بل يحتاج إلى إعادة بناء السياسة نفسها.

نحتاج إلى أحزاب أقوى من حيث الأفكار والمؤسسات، لا مجرد أحزاب أقوى من حيث عدد المرشحين، وإلى برامج واضحة يمكن مقارنتها، والتزام سياسي يمكن قياسه، وآليات تسمح للمواطن بمساءلة المنتخبين بعد انتهاء الحملة الانتخابية. فحين تصبح السياسة قائمة على البرامج، ويصبح الحزب منتجا للنخب لا مجرد مستورد للأصوات، تتراجع الحاجة إلى الخزانات الانتخابية، ويصبح المرشح قويا بما يمثله وبما يستطيع أن يقدمه، لا فقط بعدد الأشخاص الذين يستطيع أن يحركهم.

ومن هنا فإن المطلوب ليس اختفاء الشبكات الاجتماعية، فهذا غير ممكن وغير مطلوب، وإنما الحد من قدرتها على مصادرة القرار السياسي للفرد. فالمجتمع القوي ليس المجتمع الذي يلغي الروابط الاجتماعية، وإنما المجتمع الذي يسمح لأفراده بالاحتفاظ بهذه الروابط دون أن تتحول إلى قيود على حريتهم السياسية. والديمقراطية الحقيقية تبدأ عندما يستطيع المواطن أن يقول: أنا قريب من هذا الشخص، أو أحترمه، أو تربطني به علاقة اجتماعية، لكن صوتي السياسي ليس ملكا لهذه العلاقة.

عندها ينتقل المجتمع من منطق “من معنا؟” إلى منطق “ماذا نريد؟”، ومن سؤال “من يستطيع جمع الأصوات؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “من يستطيع تحمل المسؤولية؟”. فالسلطة التي تقوم على خزانات الأصوات تستطيع أن تنتقل من حزب إلى آخر، لكنها تظل أسيرة منطق الشخصنة والشبكة، بينما السلطة التي تقوم على وعي المواطن وقوة المؤسسات والمنافسة بين البرامج تستطيع أن تجعل تغيير المنتخبين مدخلا لتغيير السياسات والنتائج.

ولهذا فإن المعركة الانتخابية الأهم ليست فقط بين هذا الحزب وذاك، ولا بين هذا المرشح وذاك، وإنما هي معركة أعمق بين نموذجين للسياسة: نموذج يرى المواطن رقما داخل خزان انتخابي يمكن تحريكه عند الحاجة، ونموذج يراه صاحب قرار وسيادة ومسؤولية. وفي النموذج الأول تكون الانتخابات مناسبة لإعادة توزيع النفوذ بين الشبكات، أما في النموذج الثاني فتكون وسيلة لتجديد الشرعية، ومحاسبة المسؤولين، وإعادة توجيه السياسات على أساس الإرادة العامة.

وعندما يتحرر الصوت من الخزان، لا تتحرر الانتخابات من الشبكة فحسب، بل تستعيد السياسة معناها بوصفها مجالا للاختيار والمنافسة والمساءلة. وعندما يتحرر الناخب من التبعية الاجتماعية في لحظة الاختيار، تبدأ الأحزاب نفسها في استعادة معناها الحقيقي، لأن الحزب لن يعود مضطرا إلى البحث عن خزانات جاهزة من الأصوات، بل سيضطر إلى بناء الثقة من خلال الأفكار والبرامج والأداء. وعندها يصبح المواطن فاعلا سياسيا لا مجرد جزء من شبكة انتخابية، ويصبح صوته تعبيرا عن قناعة يمكن الدفاع عنها ومساءلة المنتخب على أساسها.

فالديمقراطية لا تبنى فقط بتغيير من يجلس على الكرسي، وإنما بتغيير الطريقة التي يصل بها إلى الكرسي، وبإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والحزب والمرشح والسلطة. وحين يصبح المواطن أقوى من الخزان، والبرنامج أقوى من الشخص، والمؤسسة أقوى من الشبكة، لا تعود الانتخابات مجرد عملية لتغيير الوجوه، بل تصبح آلية فعلية لإعادة تشكيل السلطة على أساس الإرادة الحرة والمصلحة العامة.

فالمسألة في نهايتها ليست فقط: من فاز بالانتخابات؟ وإنما: كيف فاز؟ وبأي منطق جمع أصواته؟ وهل كانت تلك الأصوات تعبيرا عن اقتناع سياسي مستقل، أم نتيجة لشبكة اجتماعية انتقلت معه من موقع إلى آخر؟ لأن الفرق بين الحالتين هو الفرق بين ديمقراطية تغير الأشخاص، وديمقراطية تستطيع أن تغير طريقة إنتاج السلطة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News