رأي

PISA 2025: حين تكشف أرقام التلاميذ أزمة التعلمات أكثر مما تبررها الإصلاحات

PISA 2025: حين تكشف أرقام التلاميذ أزمة التعلمات أكثر مما تبررها الإصلاحات

المغرب في ذيل الترتيب من جديد.. ووزارة التربية تحيل تفسير النتائج إلى إصلاحات لم تشمل التلاميذ الذين خضعوا للتقييم.

لم تكن نتائج المغرب في الدورة الجديدة من البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ PISA 2025 مجرد ترتيب متأخر في تصنيف دولي. فالأرقام التي كشفت عنها النتائج تضع مستوى التعلمات الأساسية لدى التلاميذ المغاربة أمام اختبار صعب، وتعيد إلى الواجهة سؤالا أكثر جوهرية من مجرد معرفة موقع المغرب بين الدول: هل استطاع النظام التعليمي المغربي، بعد سنوات من الإصلاحات والاستراتيجيات وخارطة الطريق، أن يرفع فعلا مستوى ما يتعلمه التلميذ؟

النتائج المعلنة تكشف تراجعا جديدا مقارنة بدورة 2022. فقد انخفض أداء التلاميذ المغاربة بـ10 نقاط في الرياضيات، ليستقر عند 355 نقطة، وبـ18 نقطة في الفهم القرائي إلى 321 نقطة، وبـ7 نقاط في العلوم إلى 358 نقطة.

وبغض النظر عن موقع المغرب في الترتيب الدولي، فإن دلالة هذه الأرقام في حد ذاتها تستحق التوقف. فالمشكلة لا تكمن فقط في أن التلاميذ المغاربة يوجدون في المراتب الأخيرة، وإنما في أن مستوى التحكم في كفايات أساسية يفترض أن تشكل قاعدة التعلم والاندماج في المجتمع والاقتصاد لا يزال ضعيفا، بل إن بعضها عرف مزيدا من التراجع.

تقرير تربوي في لحظة سياسية حساسة

لكن نتائج PISA 2025 لا تصدر في فراغ سياسي. فقد جاءت في توقيت بالغ الحساسية، عشية انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية، وهو ما يمنح الأرقام المنشورة بعدا يتجاوز النقاش التربوي الصرف.

ليس المقصود هنا افتراض أن وزارة التربية الوطنية صاغت بلاغها بدافع انتخابي، أو اتهامها بمحاولة إخفاء نتائج غير مريحة؛ فمثل هذه النوايا لا يمكن استنتاجها من البلاغ في حد ذاته. لكن من الموضوعي القول إن الحكومة، كما هو شأن أي حكومة في نظام ديمقراطي، تتحرك داخل سياق سياسي تكون فيه طريقة تقديم النتائج العمومية وتأطيرها ذات أهمية خاصة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاع يحظى بحساسية اجتماعية وسياسية كبيرة مثل التعليم.

ومن هذه الزاوية، يصبح بلاغ الوزارة جزءا من عملية التأطير الاتصالي للنتيجة.  فهو لا ينازع في الأرقام الأساسية، لكنه ينقل مركز النقاش من سؤال “لماذا وصل التلاميذ المغاربة إلى هذه المستويات؟” إلى سؤال “لماذا لا تعكس هذه النتائج الإصلاحات الجارية؟”.

وهذا انتقال مشروع من الناحية الاتصالية والمنهجية، لكنه ليس محايدا تماما من حيث الأثر السياسي.

فحين تكون النتيجة السلبية مرتبطة بأداء النظام التعليمي القائم، يكون النقاش تلقائيا متجها نحو حصيلة السياسات العمومية؛ أما حين يتم التركيز على أن التلاميذ الذين خضعوا للاختبار لم يستفيدوا من الإصلاح الجديد، فإن المسؤولية تنتقل جزئيا من حصيلة الماضي إلى وعد المستقبل.

وهنا تحديدا ينبغي أن يكون التحليل حذرا: تفسير الوزارة ليس بالضرورة تبريرا، كما أن وجود مصلحة سياسية في التحكم في تداعيات خبر سلبي لا يعني وجود تلاعب في المعطيات. فالوزارات مطالبة أصلا بشرح نتائج السياسات العمومية والدفاع عن الإصلاحات التي تنفذها. لكن وظيفة الصحافة والتحليل هي أن تفصل بين ما تثبته النتائج فعلا، وما تستنتجه منها الجهة الحكومية، وما تعد به الإصلاحات التي لم تخضع بعد لاختبار مماثل.

وبذلك يصبح السؤال الإعلامي الأكثر أهمية ليس: هل حاولت الوزارة التقليل من أثر التقرير؟

بل: هل ينجح الخطاب الرسمي في تفسير النتائج، أم ينجح أساسا في إعادة توجيه النقاش من تقييم حصيلة النظام التعليمي إلى انتظار نتائج الإصلاح المقبل؟

وهذا فرق جوهري، خصوصا في لحظة انتخابية يصبح فيها التعليم، بما يمثله من قضية اجتماعية واسعة، جزءا طبيعيا من النقاش حول حصيلة الحكومة وبرامج القوى السياسية المتنافسة.

الوزارة: النتائج لا تقيس الإصلاح الجاري

في مواجهة هذه النتائج، اختارت وزارة التربية الوطنية التأكيد على عنصر منهجي مهم: التلاميذ الذين خضعوا لتقييم PISA 2025 لم يستفيدوا من نموذج “مؤسسات الريادة”، بل تابعوا دراستهم وفق النموذج التربوي السابق.

ومن ثم، ترى الوزارة أن النتائج لا يمكن اعتبارها تقييما لأثر الإصلاحات التي يجري تنفيذها في إطار خارطة الطريق 2022-2026.

هذه الحجة تبدو منطقية في جانب منها. فلا يمكن، من الناحية المنهجية، تحميل إصلاح تربوي مسؤولية نتائج فئة من التلاميذ لم تستفد منه فعليا. كما أن أثر الإصلاحات التعليمية لا يظهر بالضرورة في اختبارات دولية مباشرة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بإصلاح لم يمض عليه وقت كاف للوصول إلى الفئة العمرية التي يستهدفها التقييم.

لكن هذه الملاحظة المنهجية لا تجيب عن السؤال الأهم: إذا كانت النتائج لا تقيس أثر «مؤسسات الريادة»، فما الذي تقيسه إذن؟

إنها تقيس، ببساطة، مخرجات النظام التعليمي الذي سبق الإصلاح الحالي. ولذلك فإن النتيجة لا تفقد أهميتها، بل ربما تصبح أكثر دلالة على حجم المشكلة التي ينبغي على الإصلاح الجديد أن يعالجها.

المشكلة ليست في PISA وحده

من الخطأ أيضا التعامل مع PISA باعتباره حكما منفردا على المدرسة المغربية. فهذا البرنامج يقيس أداء التلاميذ في مجالات محددة، ولا يختزل وحده جودة النظام التعليمي بكل أبعادها.

لكن أهمية PISA تأتي من كونه يتيح مقارنة أداء التلاميذ المغاربة بأداء أقرانهم في عدد كبير من الأنظمة التعليمية وفق منهجية موحدة. وعندما تتقاطع نتائجه مع النقاش الداخلي المتواصل حول ضعف القراءة والرياضيات والعلوم والتعثر الدراسي، يصبح من الصعب اختزال المشكلة في طبيعة الاختبار أو في ترتيب المغرب.

الأكثر أهمية هو أن الوزارة نفسها تقر بجوهر المشكلة عندما تربط ضعف الأداء بـتراكم تعثرات تبدأ منذ السنوات الأولى من التعليم الابتدائي.

وهنا تحديدا تلتقي نتائج التقييم الدولي مع التشخيص الرسمي.

فإذا كان الطفل يصل إلى مراحل تعليمية متقدمة وهو يحمل عجزا في القراءة أو الحساب أو الفهم، فإن المدرسة لا تبدأ معه من نقطة الصفر. بل تصبح مضطرة إلى معالجة تعثرات قديمة بالتزامن مع تقديم تعلم جديد، وهو ما يجعل الفجوة أكثر صعوبة في الردم كلما تقدم المتعلم في مساره الدراسي.

“مؤسسات الريادة” .. إصلاح واعد أم اختبار مؤجل؟

تضع الوزارة نموذج «مؤسسات الريادة» في قلب جوابها على الأزمة، باعتباره آلية تستهدف التشخيص المبكر للتعثرات ومعالجتها، إلى جانب الدعم التربوي والتكوين والموارد الرقمية.

وهذا، من حيث المبدأ، يعالج أحد جذور المشكلة: لا يمكن تحسين نتائج التلاميذ في نهاية المسار إذا لم تتم معالجة ضعف التعلمات منذ بدايته.

لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الإصلاح الجاري إلى تفسير مسبق للنتائج المستقبلية.

فعدم استفادة تلاميذ PISA 2025 من «مؤسسات الريادة» يفسر لماذا لا يمكن استخدام هذه النتائج للحكم على أثر النموذج. لكنه لا يثبت في المقابل أن النموذج سيؤدي فعلا إلى التحسن المنتظر.

هذه نقطة جوهرية في تقييم السياسات العمومية: الفرق كبير بين وجود إصلاح، وبين إثبات فعاليته.

فالإصلاح التربوي لا ينجح بمجرد تعميم نموذج مؤسساتي أو اعتماد موارد رقمية أو تغيير طرائق التدريس. النجاح الحقيقي يقاس بما يحدث داخل الفصل الدراسي: هل أصبح التلميذ يقرأ بشكل أفضل؟ هل يستطيع فهم نص؟ هل يحل مسألة رياضية؟ هل يستطيع تطبيق المعرفة العلمية على مشكلة جديدة؟

وهذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يجيب عنها تقييم مستقل ومنتظم، لا مجرد انتظار دورة PISA المقبلة.

التراجع الدولي لا يلغي المشكلة المغربية

استند بلاغ الوزارة أيضا إلى معطى صحيح في ظاهره: نتائج 2025 سجلت تراجعا في عدد من المجالات على المستوى الدولي، بما في ذلك دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

وهذا السياق مهم لأنه يبين أن المغرب ليس حالة معزولة عن اضطرابات أوسع عرفتها الأنظمة التعليمية، خصوصا بعد سنوات الجائحة والتحولات التي شهدتها العملية التعليمية.

لكن المقارنة الدولية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتخفيف دلالة النتائج المغربية.

فكون دول أخرى تراجعت لا يعني أن مستوى المغرب أصبح مقبولا، كما أن الانخفاض الدولي العام لا يلغي الفجوة الكبيرة بين المغرب وبين مستويات الأداء التي يفترض أن يستهدفها الإصلاح.

السؤال بالنسبة للمغرب ليس فقط: هل تراجعت الدول الأخرى أيضا؟

بل: أين يوجد تلاميذنا الآن؟ وما حجم الفجوة التي يتعين ردمها؟ وهل يتحسنون بالسرعة الكافية؟

الرقم الأكثر إثارة للقلق: القراءة

من بين الأرقام الثلاثة، يستحق التراجع في الفهم القرائي اهتماما خاصا.

فالقراءة ليست مادة مدرسية منفصلة عن بقية المواد، بل هي أداة لاكتساب المعرفة نفسها. والتلميذ الذي يعاني من ضعف في فهم النصوص يواجه صعوبات في التاريخ والعلوم والرياضيات وحتى في فهم التعليمات والامتحانات.

ولذلك فإن انخفاض النتيجة المغربية في الفهم القرائي بـ18 نقطة مقارنة بدورة 2022 ينبغي ألا يُقرأ باعتباره مجرد تغير إحصائي في مجال واحد. إنه يطرح سؤالا أوسع حول قدرة المدرسة على بناء الكفاية التي تقوم عليها عملية التعلم بأكملها.

ومن هنا تبدو إحالة الوزارة إلى التعثرات المبكرة مهمة للغاية، لأن علاج أزمة القراءة في سن متأخرة يصبح أكثر كلفة وتعقيدا.

وماذا عن العلوم؟

تقول الوزارة إن العلوم كانت المجال الأفضل أداء بالنسبة إلى التلاميذ المغاربة في هذه الدورة، خصوصا في مكونات البحث العلمي والنمذجة والبرمجة.

وهذه نقطة إيجابية ينبغي تسجيلها، لكن ينبغي الحذر من تحويلها إلى قراءة متفائلة أكثر مما تسمح به المعطيات.

فكون العلوم هي المجال الأفضل أداء لا يعني أن الأداء أصبح قويا بالمعايير الدولية. والوزارة نفسها تقر باستمرار الفارق مع المعدلات الدولية.

لذلك، فالقراءة الأدق هي أن العلوم تمثل المجال الأقل ضعفا نسبيا، وليس بالضرورة مجالا يمكن اعتبار نتائجه مرضية.

من المسؤول عن النتائج؟

ربما يكون السؤال الأكثر صعوبة هو: من يتحمل مسؤولية هذه النتائج؟

من السهل نسبيا تحميلها للنظام التعليمي السابق، أو لجائحة كوفيد، أو لضعف التعلمات الأساس، أو لمحدودية الموارد. لكن النظام التعليمي ليس مجرد نموذج بيداغوجي واحد يتغير من مرحلة إلى أخرى.

إنه منظومة تشمل تكوين المدرسين، والمناهج، والكتب المدرسية، والتقويم، والتوجيه، وظروف الاشتغال داخل المؤسسات، وحجم الأقسام، والدعم الاجتماعي، واللغات، والإدارة التربوية، وتفاوتات الوسطين الحضري والقروي، والفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى أكثر من نموذج واحد، مهما كانت أهميته.

والأهم أن استمرار النتائج الضعيفة عبر دورات متتالية ينبغي أن يدفع إلى مساءلة السياسات التعليمية المتعاقبة، لا إلى الاكتفاء بإسناد المشكلة إلى المرحلة السابقة في كل مرة يبدأ فيها إصلاح جديد.

الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد

قد يكون من المشروع أن تقول الوزارة إن PISA 2025 لا يقيس أثر «مؤسسات الريادة». لكن هذا لا ينبغي أن يتحول إلى انتظار سلبي حتى تأتي دورة مستقبلية لتكشف إن كان الإصلاح قد نجح أم فشل.

الاختبار الحقيقي يجب أن يبدأ الآن.

ينبغي أن تكون هناك مؤشرات وطنية واضحة وقابلة للقياس، تنشر بشكل دوري، تسمح بتتبع تطور القراءة والرياضيات والعلوم لدى التلاميذ المستفيدين من النموذج، ومقارنتهم بفئات لم تستفد منه وفق منهجيات تقييم مناسبة.

عندها فقط يمكن الانتقال من الحديث عن الإصلاح إلى قياس أثر الإصلاح.

فالمشكلة التي تكشفها PISA ليست أن المغرب لا يملك إصلاحا تربويا. المشكلة أن المغرب خاض إصلاحات متعددة عبر السنوات، بينما ظل السؤال المركزي قائما: ماذا يعرف التلميذ المغربي فعلا؟ وماذا يستطيع أن يفعل بهذه المعرفة؟

بين الاعتراف بالأزمة وتسويق الأمل

بلاغ الوزارة يحسب له أنه لم ينكر ضعف النتائج، بل أقر بأن التعلمات الأساس تمثل أولوية، وربط الأزمة بتعثرات تبدأ في السنوات الأولى من التعليم.

لكن التحدي الحقيقي بالنسبة للسياسة التعليمية لا يكمن في تقديم تفسير مقنع للنتائج السابقة، بل في إنتاج نتائج أفضل في المستقبل.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق «مؤسسات الريادة» ليس: هل هي فكرة جيدة؟

بل:  هل ستنجح؟ وكيف سنعرف أنها نجحت؟

إذا تمكن الإصلاح من رفع مستوى القراءة والرياضيات والعلوم فعلا، وتقليص الفوارق بين المتعلمين، والحد من تراكم التعثرات منذ السنوات الأولى، فستكون نتائج PISA المقبلة فرصة لإثبات ذلك.

أما إذا استمرت النتائج في مستوياتها المتدنية، فلن يكون ممكنا آنذاك الاحتماء بحجة أن الإصلاح لم يشمل الجيل الذي خضع للتقييم.

PISA 2025 إذن ليست حكما نهائيا على الإصلاح الحالي، لكنها بالتأكيد إنذار قوي بشأن نقطة الانطلاق التي يرثها هذا الإصلاح.

والفارق بين إصلاح ناجح وآخر لا يتحدد بما تقوله الخطة أو البلاغات الرسمية، وإنما بما سيعرفه التلميذ المغربي بعد سنوات قليلة: هل سيقرأ أفضل؟ هل سيفكر بشكل أفضل؟ هل سيحل المشكلات بشكل أفضل؟ وهل سيغادر المدرسة وهو يمتلك فعلا التعلمات التي يحتاجها لمواصلة التعلم والحياة؟

ذلك هو الاختبار الذي لا يمكن تأجيله إلى ما بعد صدور التقرير الدولي المقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News