رأي

الحماية الاجتماعية للمهني السينمائي بين مخاطر التصوير وتحديات التقاعد: ورشان لاستكمال تنزيل القانون رقم 18.23

الحماية الاجتماعية للمهني السينمائي بين مخاطر التصوير وتحديات التقاعد: ورشان لاستكمال تنزيل القانون رقم 18.23

يشكل دخول القانون رقم 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية وبإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي حيز التنفيذ محطة أساسية في مسار تحديث الإطار القانوني المنظم للسينما الوطنية. فقد عمل هذا القانون على إعادة هيكلة مختلف الأنشطة المرتبطة بالإنتاج والتوزيع والاستغلال والصناعات التقنية، وعلى تأطير ممارسة المهن السينمائية من خلال البطاقة المهنية والسجل الوطني للسينما، بما يعزز الشفافية والمهنية ويهيئ القطاع لاستقطاب مزيد من الاستثمارات الوطنية والأجنبية.

غير أن بناء صناعة سينمائية متكاملة لا يقتصر على تنظيم شروط الولوج إلى المهنة أو ممارسة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، بل يقتضي كذلك توفير الحماية اللازمة للأشخاص الذين يصنعون الأعمال السينمائية ويسهمون، بخبراتهم ومهاراتهم، في استمرارية القطاع وإشعاعه. ومن هذا المنطلق، يبرز ورشان اجتماعيان ومهنيان يتعين أن يشكلا أولوية بالنسبة إلى الحكومة المقبلة، يتعلق الأول بإقرار نظام خاص للتأمين عن مخاطر التصوير، والثاني بإحداث نظام للتقاعد يراعي خصوصية المهني السينمائي.

التأمين عن مخاطر التصوير ضرورة مهنية وليست مجرد إجراء إداري

تتميز عملية تصوير الأعمال السينمائية والسمعية البصرية بطبيعة مهنية خاصة، بالنظر إلى تعدد مواقع التصوير، وتنقل الفرق الفنية والتقنية، واستعمال المعدات والديكورات والملابس ووسائل النقل والمؤثرات الخاصة، فضلا عن إنجاز بعض المشاهد في ظروف قد تنطوي على مخاطر جسدية أو مادية أو بيئية.

وتزداد هذه المخاطر عند تصوير مشاهد المطاردات والحريق والانفجارات، أو عند استعمال الحيوانات والمركبات والطائرات المسيرة، أو التصوير في البحر والجبال والصحراء والمباني التاريخية والمواقع الطبيعية. لذلك، لا تبدو عقود التأمين العامة كافية دائما لتغطية جميع المخاطر المرتبطة بالإنتاج السينمائي، لاسيما أن لكل مشروع خصائصه وميزانيته ومدته ومستوى المخاطر التي ينطوي عليها.

وعلى الرغم من أن التشريع المغربي يتضمن مجموعة من القواعد العامة ذات الصلة، وفي مقدمتها القانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل، والقانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، والقانون رقم 17.99 بمثابة مدونة التأمينات، فإن خصوصية التصوير السينمائي تستدعي إعداد نظام تأميني قطاعي متكامل، يترجم هذه الضمانات العامة إلى تغطيات ملائمة للواقع العملي للإنتاج.

وينبغي أن تشمل هذه التغطية، على الخصوص، حوادث الشغل التي قد يتعرض لها الفنانون والتقنيون والمتدربون والكومبارس وغيرهم من المشاركين في التصوير، والمسؤولية المدنية تجاه الغير، والأضرار التي قد تلحق بالمعدات والديكورات والملابس ومواقع التصوير، ومخاطر نقل الأشخاص والمعدات، فضلا عن الخسائر الناتجة عن توقف الإنتاج أو تأجيله بسبب حادث مفاجئ أو مرض أحد العناصر الأساسية في العمل أو وقوع ظرف طارئ يحول دون استمرار التصوير.

كما يتعين وضع شروط خاصة لتأمين المشاهد الخطرة والمؤثرات الخاصة واستعمال الأسلحة المستخدمة لأغراض فنية والحيوانات والمركبات والطائرات المسيرة، مع إخضاعها لتقييم مسبق للمخاطر وإعداد خطة للصحة والسلامة وتعيين مسؤول مؤهل لتتبع تنفيذها، بحسب طبيعة المشروع وحجمه.

ويمكن إعداد هذا النظام في إطار تعاون مؤسساتي يجمع القطاعات الحكومية المكلفة بالسينما والمالية والتشغيل والحماية الاجتماعية، وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، ومقاولات التأمين وإعادة التأمين، والمركز السينمائي المغربي، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتنظيمات المهنية الممثلة للمنتجين والفنانين والتقنيين والصناعات التقنية.

ويتعين أن يفضي هذا التعاون إلى اعتماد عقود تأمين نموذجية، تتضمن حدا أدنى موحدا للضمانات، مع تحديد الأقساط بحسب ميزانية المشروع ومدته وعدد المشاركين فيه وطبيعة المشاهد ومستوى المخاطر. ومن شأن هذا التوحيد الحد من الغموض الذي قد يحيط ببعض العقود، وضمان عدم استثناء المخاطر الأساسية المرتبطة بطبيعة التصوير.

وفي إطار تنزيل القانون رقم 18.23، يمكن ربط منح رخصة التصوير، بحسب طبيعة المشروع ومستوى مخاطره، بالإدلاء بشهادة تأمين سارية المفعول تغطي مدة التحضير والتصوير والتفكيك ونقل المعدات. كما ينبغي إدراج أقساط التأمين وتكاليف الصحة والسلامة وتقييم المخاطر ضمن النفقات المؤهلة للاستفادة من الدعم العمومي المخصص للإنتاج السينمائي.

ويجب، في المقابل، اعتماد مقاربة متدرجة تراعي حجم المشاريع، حتى لا تتحول كلفة التأمين إلى عائق أمام الأفلام القصيرة والوثائقية وأفلام التحريك والإنتاجات ذات الميزانيات المحدودة، وذلك من خلال عقود مبسطة وتعريفات تفضيلية أو آليات للمساهمة في تغطية جزء من الأقساط.

تقاعد المهني السينمائي وحتمية تجاوز منطق الأجر الشهري القار

إلى جانب مخاطر التصوير، تظل الحماية بعد انتهاء الحياة المهنية من أبرز انتظارات الفنانين والتقنيين وغيرهم من العاملين في السينما. فالعمل السينمائي يقوم، في أغلب الأحيان، على عقود محددة المدة مرتبطة بمشاريع متفرقة، تتخللها فترات دون عمل أو دخل منتظم. ولذلك، فإن أنظمة التقاعد المبنية أساسا على الاستمرارية في الشغل والأجر الشهري القار لا تستجيب دائما لواقع المهنة السينمائية.

وتتقاطع هذه المسألة مع أحكام القانون رقم 68.16 المتعلق بالفنان والمهن الفنية، ومدونة الشغل، والقانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، إضافة إلى التشريعات المنظمة للضمان الاجتماعي ونظام المعاشات الخاص بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء المزاولين لنشاط خاص.

غير أن وجود هذه الأطر العامة لا يلغي الحاجة إلى آلية تطبيقية تراعي الطبيعة المتقطعة للعمل السينمائي، وتسمح باحتساب أيام أو أسابيع العمل المنجزة في مختلف الإنتاجات وتجميع الاشتراكات المؤداة طوال المسار المهني، بصرف النظر عن تعدد شركات الإنتاج أو عدم انتظام فترات التشغيل.

ويمكن، في هذا الصدد، إحداث حساب اجتماعي فردي لكل مهني سينمائي، يرتبط برقمه في السجل الوطني للسينما وبوضعيته لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ويمكنه من تتبع أيام العمل المصرح بها، والأجور والاشتراكات المؤداة، والحقوق المكتسبة في التغطية الاجتماعية والتقاعد. ويجب أن تكون الشركة المنتجة ملزمة بالتصريح بجميع العاملين في المشروع، بمن فيهم المتدربون متى توفرت شروط خضوعهم للحماية الاجتماعية، وأداء الاشتراكات المستحقة عن مدة العمل الفعلية.

ويمكن تمويل النظام من خلال مساهمة مشتركة للمهني وشركة الإنتاج، تضاف إليها مساهمة تضامنية للدولة خلال مرحلة التأسيس أو لفائدة الفئات ذات الدخل المحدود. كما يمكن دراسة تخصيص نسبة من بعض الموارد المرتبطة بالنشاط السينمائي لدعم احتياطي النظام، مع إخضاع تدبيرها لقواعد الحكامة والشفافية والاستدامة المالية.

ولا ينبغي حصر الاستفادة في مجرد حيازة البطاقة المهنية، بل يتعين الجمع بين البطاقة المهنية والتقييد في السجل الوطني للسينما وممارسة نشاط فعلي مثبت والتصريح لدى الهيئات الاجتماعية المختصة. فالبطاقة المهنية وسيلة لإثبات الصفة المهنية وتنظيم الولوج إلى المهنة، لكنها لا يمكن أن تحل محل التصريح بالشغل أو أداء الاشتراكات.

كما ينبغي ربط استفادة شركات الإنتاج من رخص التصوير والدعم العمومي وتسوية الوضعية النهائية للأعمال المدعمة باحترام واجب التصريح بالفنانين والتقنيين وباقي العاملين، وأداء أجورهم واشتراكاتهم الاجتماعية. ويمكن أن تتولى المصالح المختصة بالمركز السينمائي المغربي التحقق من الوثائق المثبتة لذلك، بالتنسيق مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومفتشية الشغل، مع احترام اختصاصات كل مؤسسة وحماية المعطيات الشخصية.

نحو ميثاق للحماية الاجتماعية والسلامة في الصناعة السينمائية

إن القانون رقم 18.23 وضع الأساس القانوني للانتقال من تنظيم النشاط السينمائي إلى بناء صناعة سينمائية قائمة على المهنية والحكامة والاستثمار. غير أن استكمال هذا التحول يستدعي إقرار منظومة اجتماعية موازية تحمي العنصر البشري، باعتباره الركيزة الحقيقية لهذه الصناعة.

ومن المناسب، لذلك، إعداد ميثاق وطني للحماية الاجتماعية والصحة والسلامة في الصناعة السينمائية، يحدد التزامات شركات الإنتاج وحقوق المهنيين، وشروط التأمين عن مخاطر التصوير، وقواعد التصريح الاجتماعي، وآليات احتساب العمل المتقطع، ومسؤوليات مختلف المتدخلين. ويمكن أن يشكل هذا الميثاق أساسا لإعداد نصوص تشريعية أو تنظيمية خاصة، أو لإبرام اتفاقية جماعية قطاعية وفق أحكام مدونة الشغل.

إن إقرار تأمين خاص عن مخاطر التصوير وإحداث نظام تقاعد ملائم لا يمثلان مجرد امتياز اجتماعي لفائدة فئة مهنية، بل يشكلان استثمارا في استقرار الصناعة السينمائية وجودة إنتاجها وجاذبيتها الاقتصادية. فحماية الفنان والتقني والمتدرب والمشارك في التصوير تعزز الثقة بين أطراف الإنتاج، وتضمن استمرارية المشاريع، وتحد من المنازعات، كما تقدم صورة إيجابية عن المغرب باعتباره فضاء آمنا ومنظما لاستقبال الإنتاجات الوطنية والدولية.

لقد نظم القانون رقم 18.23 المهنة والمؤسسات والأنشطة، وحان الوقت لاستكمال منطقه بحماية الإنسان الذي يقف خلف الصورة. فلا يمكن بناء صناعة سينمائية قوية بمهنيين يواجهون مخاطر الحاضر دون تأمين، أو يستقبلون المستقبل دون تقاعد يصون كرامتهم بعد سنوات من الإسهام في الإنتاج الثقافي الوطني.

الحسين حنين رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News