حين تستباح استقلالية المحاماة… ويكسر الصف من داخله

المحاماة مهنة حرة ومستقلة. غير أن الحرية والاستقلال هنا ليسا شعارا يرفع، ولا لقبا تتزين به المهنة، ولا امتيازا شخصيا يستأثر به المحامي، بل هما قاعدة كونية وضرورة من ضرورات العدالة، كرستهما المواثيق والمبادئ الدولية، واستقرت عليهما الأنظمة القانونية في مختلف أنحاء العالم.
فحيثما وجدت محاماة حقيقية، وجدت قواعد تضمن استقلالها وحريتها وتنظيمها الذاتي، وتحول دون إخضاعها لتدخل الحكومة أو أية سلطة أخرى، متى تجاوز هذا التدخل حدوده المشروعة وأصبح ماسا بالقيم والمبادئ الملازمة لرسالة الدفاع.
إن استقلال المحاماة ليس مطلبا فئويا، ولا دفاعا عن مصالح مهنية ضيقة، لأن المحامي هو الضامن لحقوق الدفاع، والشريك الأساسي في تحقيق العدالة. كما أن ضمانات المحاكمة العادلة لا تستقيم من دون محامٍ مستقل، قادر على التعبير عن رأيه والترافع بحرية ومسؤولية، داخل إطار قانوني يحمي حصانة الدفاع ويصون كرامة المهنة.
وإذا كان صدور قانون يسمح بتجاوز هذه الحدود يشكل في ذاته مشكلة حقيقية، فإن الأخطر هو أن تفرغ الرقابة الدستورية من مضمونها، وأن تنتهي إحالة قانون بهذه الحساسية إلى حكم بعدم القبول بسبب خطأ إجرائي أو مرفقي كان يمكن تفاديه. خطأ لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد هفوة تقنية عابرة، بالنظر إلى آثاره الجسيمة على مهنة بأكملها، بل يبدو محملا بعنف مؤسساتي وسياسي تجاه المحاماة، ويطرح أسئلة مشروعة حول مسؤولية المؤسسات المعنية في ضمان فعلية الرقابة الدستورية، لا تعطيلها.
وعلى الرغم من كل ذلك، ظل المحامون والمحاميات يحتكمون إلى مؤسساتهم وقراراتها. فالمحاماة لا تنتظم بالقانون وحده، وإنما تستند أيضا إلى أعراف راسخة وتقاليد مهنية عريقة، تفرض احترام مؤسسة النقيب ومجالس الهيئات والتمثيليات الوطنية للمهنة.
وحين تجتمع جمعية هيئات المحامين بالمغرب وتتخذ قرارا في شأن مصيري يهم المهنة، فإن واجب الانتماء والمسؤولية يقتضي احترام ذلك القرار وتنفيذه، مع بقاء حق الجميع في مناقشته وانتقاده من داخل الأطر المؤسساتية المختصة.
نعم، نحن أحرار في التعبير عن آرائنا، وحرية الرأي من صميم رسالة المحاماة التي تأسست على مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها وطنيا ودستوريا ودوليا. لكن الحرية لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لضرب الالتزام المهني، ولا إلى أداة لنسف القرارات المؤسساتية أو تفكيك التضامن بين المحامين.
فالرأي حر، أما الالتزام بقرارات المؤسسات المهنية فمسؤولية. والاختلاف مشروع، أما كسر الصف في لحظة مفصلية فليس بطولة.
اليوم، يؤسفني أن أرى بعض رموز المهنة، أو من كانوا يعدون بالأمس من رموزها، يضربون في وحدة المحامين وتضامنهم، ويستثمرون في أزمة قاسية عاشها المحامون والمحاميات بالمغرب، وكلفتهم خسائر مادية ومهنية جسيمة، فضلا عن ضغط نفسي واجتماعي لا يمكن الاستهانة به.
لقد تحمل المحامون الشباب والقيادمة، الرسميون والمتمرنون، رجالا ونساء، العبء نفسه. والتفوا، باختلاف آرائهم وتقديراتهم، حول قرارات مؤسساتهم التمثيلية، لأنهم أدركوا أن وحدة المهنة في لحظات الخطر ليست ترفا، بل ضرورة وجودية.
لكن أن يأتي من يكسر هذا التضامن، أو يستثمر فيه، محتجا بأن رأيه هو الأصوب والأصلح، ومتناسيا واجبه تجاه النقباء ومجالس الهيئات وأعراف المهنة وتقاليدها، فذلك أمر لا يمكن تبريره بحرية الرأي. إذ كان الأجدر بمن يختلف مع القرار أن يفتح النقاش من داخل المؤسسات، وأن يدافع عن موقفه بالآليات المهنية المشروعة، لا أن يخرج إلى الإعلام في لحظة دقيقة، مساهما في إضعاف الصف وإرباك النضال الجماعي.
فالخلاف داخل المؤسسة حق، أما تحويله إلى منصة خارجية لضرب قرارها وتقويض أثره، فذلك خروج عن مقتضيات المسؤولية المهنية، وإضرار بتاريخ من التضامن الذي وحد المحامين، وأبانت من خلاله المحاماة المغربية، في محطات وطنية كبرى، عن سمو رسالتها ورفعة مكانتها وقدرتها على الدفاع عن القضايا الوطنية والحقوق والحريات.
إن هذا النضال، بكل ما ترتب عنه من تضحيات، لم يكن سعيا إلى امتياز خاص، وإنما كان دفاعا عن حقوق المتقاضين والمتقاضيات، وعن التطبيق السليم للقواعد الدستورية، وعن استقلال المحاماة وتنظيمها الذاتي وحصانة الدفاع، وتمكين المحامين والمحاميات من إطار قانوني يسمح لهم بأداء رسالتهم الإنسانية النبيلة بعيدا عن الوصاية والتحكم والتضييق.
ولهذا كانت الصدمة كبيرة حين خرج من يدعون الدفاع عن هذه الحقوق، في رعونة لا تقدر مخاطرها، عن الصف المهني المتراص، وتنصلوا من الالتزام بقرارات جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وكأنهم يسعون إلى توجيه رسالة إلى كل من يهمه إضعاف المهنة بأنهم خارج نسقها الجماعي، وخارج اختياراتها المؤسساتية، بل وخارج روح رسالتها.
إن المحاماة لا تحمى بالشعارات، وإنما بالمواقف. ولا تصان استقلاليتها بتقديم الذات على المؤسسة، وإنما بالالتزام الواعي بقراراتها، مع ممارسة النقد المسؤول داخلها.
ومن أراد إصلاح القرار، فليخض معركته من داخل المؤسسات، أما أن يكسر الصف في زمن المواجهة، ثم يسمي ذلك استقلالا في الرأي، فهو يخلط بين حرية التعبير وغياب المسؤولية، وبين الاختلاف المشروع والإضرار المتعمد بوحدة المهنة.
ستظل المحاماة حرة ومستقلة، لا لأن النصوص تقول ذلك فحسب، بل لأن في صفوفها محامين ومحاميات يؤمنون بأن الحرية مسؤولية، وأن الاستقلال التزام، وأن قوة الدفاع تبدأ من وحدة رجاله ونسائه.
فليكن الاختلاف داخل البيت، ولتظل كرامة المهنة ووحدتها فوق الحسابات الشخصية والاصطفافات الظرفية، لأن التاريخ لا يحفظ فقط أسماء الذين تحدثوا، بل يسجل أيضا مواقف الذين ثبتوا حين كان الثبات مكلفا.





