تدهور المستشفى العمومي وخصاص الأطر.. إبراهيمي يُشرّح أعطاب الصحّة ويوضح “البديل الاتحادي”

يرى حمزة إبراهيمي، عضو السكرتارية الوطنية لقطاع الصحة الاتحادي (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، أن حصيلة الحكومة في القطاع يُمكن اختصارها في جملة واحد؛ “النصوص تقدمت أسرع من المؤسسات، والتغطية الصحية توسعت أسرع من العرض الصحي، وارتفعت الميزانيات أسرع من النتائج”، وهو يعتبر، بناءً على ذلك، أن الحُكومة التي ستتمخض عن استحقاق 23 شتنبر 2026، إذ قادها حزبه أو شارك فيها مُدبراً لوزارة الصحة، يجب أن تعمل على ثلاثة محاور كبرى؛ إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي، وسد الخصاص الكبير في الأطر الصحية، والتعامل مع مشكلة آجال الانتظار الطويلة.
في هذا الحوار، يقدم عضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والمسؤول بالنقابة الوطنية للصحة العمومية، قراءته لعمل حكومة أخنوش في القطاع الصحي، ويُشرح أعطاب هذا الأخير، مُقدماً إيضاحات بشأن برنامج الحزب اليساري المخصص لهذا الملف الحيوي في المشهد الاجتماعي المغربي.
شاركتم في اجتماع الكتابة الإقليمية لحزبكم بتطوان مع مهنيي الصحة، في لقاء تناول رهانات الإصلاح وإنصاف الأطر وضمان الحق في العلاج… هل يمكنكم إخبار الرأي العام بأبرز مخرجات هذا الاجتماع؟
اللقاء لم يكن مجرد اجتماع تنظيمي، بل شكل مناسبة لنقاش سياسي ومهني حول سؤال أصبح ملحا: بعد خمس سنوات من الوعود والإصلاحات والقوانين والميزانيات، ماذا تغير فعليا بالنسبة للمواطن ولمهنيي الصحة؟
وكان هناك تأكيد على أن إصلاح المنظومة الصحية لا يمكن أن يُبنى بعيدا عن النساء والرجال الذين يشتغلون يوميا داخل المستشفيات والمراكز الصحية والمؤسسات المختلفة، ويعرفون من الداخل مكامن القوة والاختلال وحدود السياسات المطبقة.
ومن أبرز الأولويات التي تم التأكيد عليها تقوية المرفق الصحي العمومي، وإنصاف مهنيي الصحة، وتحسين جاذبية الوظيفة الصحية، ومعالجة الخصاص والتفاوتات المجالية، وتسريع تنزيل الإصلاحات المؤسساتية بما يجعل المواطن يلمس أثرها في جودة العلاج وكلفته وآجاله.
وهذه القضايا، بالنسبة إلينا، ليست ملفات قطاعية معزولة، بل جزءاً من تصور أوسع للتنمية العادلة، التي تضع العدالة الاجتماعية والمجالية في قلب السياسات العمومية، وتربط بين قوة الدولة الاجتماعية وجودة الخدمات الأساسية التي يحصل عليها المواطن.
كما أكد الجميع على أهمية التكامل بين الخبرة النقابية والممارسة السياسية، مع احترام استقلالية كل مجال، حتى تنتقل انشغالات مهنيي الصحة من الميدان إلى قلب النقاش السياسي والبرنامجي.
ما تقييمكم لعمل الحكومة الحالية في القطاع الصحي؟ وما هي الإجراءات المستعجلة التي ترون حزبكم مستعدا للقيام بها في حكومة مفترضة يقودها أو يشارك فيها؟
بعد خمس سنوات، لم يعد من المقبول تقييم الحكومة على نواياها أو على عدد الأوراش التي أعلنت عنها. الحكومة وأحزاب أغلبيتها يجب أن تقيم على أساس النتائج.
لقد ارتفعت ميزانية الصحة بشكل كبير، وتوسعت التغطية بالتأمين الإجباري عن المرض، وصدر عدد مهم من القوانين، لكن المواطن لا يزال يواجه إشكالية المواعيد الطويلة، وخصاصا في التخصصات، وتفاوتا بين الجهات والأقاليم، وكلفة علاج مرتفعة، فيما يواصل مهني الصحة الاشتغال تحت ضغط الخصاص وضعف الجاذبية وتفاوت ظروف العمل.
وهنا تقع المسؤولية السياسية للحكومة ومكونات أغلبيتها. فلا يمكن تقديم ارتفاع الميزانيات وكثرة النصوص باعتبارهما حصيلة مكتملة، بينما تبقى النتائج دون حجم الموارد التي تمت تعبئتها. ولا يمكن أن تكون الإنجازات جماعية عندما تقدم للرأي العام، ثم تتحول الاختلالات إلى مسؤولية قطاعية أو إدارية عندما تكشفها النتائج.
الحكومة كانت تملك الأغلبية والقرار والوقت والموارد والأدوات التشريعية، ولذلك فإن مسؤولية الحصيلة مسؤولية سياسية مشتركة لكل مكونات الأغلبية الحكومية التي اختارت تدبير الملفات الاجتماعية والتشريعية الكبرى بمنطق التغول السياسي والقوة العددية للأغلبية بدل بناء توافق اجتماعي واسع.
ويمكن تلخيص الإشكال في معادلة واضحة: تقدمت النصوص أسرع من المؤسسات، و توسعت التغطية أسرع من العرض الصحي، وارتفعت الميزانيات أسرع من النتائج.
أما على مستوى التدخل المستعجل، فالأولوية هي استعادة قوة المستشفى العمومي وجاذبيته، ومعالجة بؤر الخصاص الأكثر حدة في الموارد البشرية، وتسريع التوظيف والتكوين، وتحسين ظروف العمل والمسار المهني والتعويضات، وضمان تحفيز حقيقي للعمل والاستقرار في المناطق التي تعرف خصاصا.
كما يجب العمل بشكل عاجل على تقليص آجال الانتظار، وضمان اشتغال التجهيزات الطبية وصيانتها، وتقوية الرعاية الصحية الأولية والوقاية والكشف المبكر، وتحسين الولوج إلى الدواء وضمان توفره.
وفي الحماية الاجتماعية، لا يكفي الإعلان عن أعداد المسجلين. المعيار الحقيقي هو أن تجد الأسرة حماية فعلية عند المرض، وأن ينخفض ما تؤديه من جيبها، وأن يصبح العلاج متاحا في الوقت المناسب. فتعميم التأمين دون عرض صحي قادر على الاستجابة ودون تخفيف العبء المالي على الأسر، يبقى تعميما ناقص الأثر.
باعتباركم عضوا في السكرتارية الوطنية لقطاع الصحة ضمن حزب يساري، كيف تنظرون لتنامي مكانة القطاع الخاص؟ وهل يقتات على تدهور القطاع العمومي؟
المشكل ليس في وجود قطاع خاص، ولا في الاستثمار الخاص في الصحة. المشكل يبدأ عندما يصبح ضعف القطاع العمومي هو الذي يصنع تلقائيا سوق القطاع الخاص. أي حين لا يجد المواطن موعدا في الوقت المناسب، أو تخصصا داخل إقليمه، أو جهازا يشتغل، ثم يضطر إلى التوجه للقطاع الخاص لأنه لا يملك بديلا، فذلك ليس اختيارا صحيا حرا بالكامل، بل نتيجة لاختلال العرض العمومي.
ولذلك نقول بوضوح أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح ضعف المستشفى العمومي قناة دائمة لتحويل الطلب والتمويل نحو القطاع الخاص.
فالحكومة كان عليها أن تقود السياسة الصحية وتحدد حاجياتها وأولوياتها. هي التي كان عليها أن ترسم الخريطة الصحية، وتضمن العدالة المجالية، وتضع قواعد الجودة والشفافية والتعريفة والمراقبة، ويأتي القطاع الخاص داخل هذه السياسة، لا بديلا عنها ولا محددا لأولوياتها.
القطاع الخاص يمكن أن يكون شريكا ومكملا، لكن المرفق العمومي يجب أن يبقى العمود الفقري للنظام الصحي الوطني والأداة الأساسية للدولة لضمان المساواة في الولوج إلى العلاج. فالعدالة الصحية لا تعني أن من يملك القدرة على الأداء يعالج بسرعة، بينما ينتظر من لا يملكها. ومن هنا يأتي شعارنا الواضح: «الصحة حق ماشي حظ».
تعتبرون أزمة الموارد البشرية أحد أكبر أعطاب المنظومة الصحية، في ظل الخصاص والهجرة والتفاوتات المجالية؛ ما الذي ينبغي فعله؟
لا يمكن الحديث بجدية عن إصلاح الصحة بينما تظل أزمة الموارد البشرية بهذا الحجم. نحن أمام خصاص كبير، وتفاوتات واضحة في توزيع الأطباء والممرضين والتقنيين، ومناطق يصعب فيها استقطاب الأخصائيين والاحتفاظ بهم، إضافة إلى استمرار هجرة جزء من الكفاءات الصحية نحو الخارج. وهذه ليست مشكلة عرضية، بل واحدة من نقاط الضعف البنيوية للمنظومة.
لذلك، فإن الاكتفاء بإعلان رفع أعداد الخريجين لا يكفي. المطلوب سياسة وطنية متكاملة للموارد البشرية تشمل التكوين والتوظيف والتوزيع والتحفيز والمسار المهني والحماية والتكوين المستمر والاحتفاظ بالكفاءات. كما يجب اعتماد خريطة وطنية وجهوية دقيقة للحاجيات، ومعايير دقيقة في التعيينات والحركات المهنية وتوزيع المناصب والموارد البشرية.
أما المناطق التي تعاني الخصاص، فلا يمكن معالجة وضعها بالإلزام الإداري وحده، بل يجب جعلها أكثر جاذبية من خلال التحفيز المالي، والسكن والنقل، وتحسين ظروف العمل، وفتح فرص التكوين والتخصص والتطور المهني.
وهنا تظهر إحدى أهم قواعد التنمية العادلة والتي قوامها أن الإنصاف ليس أن نعطي الجميع الشيء نفسه، بل أن نعطي أكثر لمن حرم أكثر. فالجهة أو الإقليم الذي راكم خصاصا أكبر يحتاج إلى موارد واستثمارات وتحفيزات أكبر، لأن العدالة المجالية لا تتحقق بالتوزيع الحسابي المتساوي.
كما أن هجرة الكفاءات لا يمكن التعامل معها كقدر. عندما تستثمر الدولة في تكوين طبيب أو ممرض أو تقني ثم تخسره بسبب ضعف الجاذبية وظروف العمل، فذلك خسارة للمنظومة وللمواطن معا. ونكرر إيماننا الراسخ أن إنصاف مهنيي الصحة ليس امتيازا فئويا، بل شرط لضمان حق المواطن في العلاج.
أطلقت الحكومة إصلاحا مؤسساتيا واسعا شمل المجموعات الصحية الترابية والهيئة العليا للصحة ووكالتي الأدوية والدم؛ هل تعاني المنظومة أزمة قوانين أم أزمة تنفيذ وحكامة؟
المغرب لم يعد يعاني أساسا من نقص النصوص، وإن كانت الممارسة قد تكشف الحاجة إلى تعديل أو استكمال بعضها. لدينا قانون إطار، ومجموعات صحية ترابية، وهيئة عليا للصحة، ووكالات جديدة، وإصلاح للوظيفة الصحية، ومنظومة معلوماتية قيد البناء.
السؤال اليوم ليس: كم قانونا صدر؟ بل: ماذا تغير على الأرض؟
القانون لا يعالج المريض، والمؤسسة الجديدة لا تصبح إصلاحا لمجرد إحداثها قانونيا. المعيار هو الأساسي هو الأثر.
المجموعات الصحية الترابية مثال واضح. نحن لا نتخذ منها موقفا مسبقا، لكنها يجب ألا تتحول إلى مجرد إعادة توزيع إداري للاختصاصات. فإذا حققت عدالة جهوية أفضل، وقربت القرار، وحسنت مسار المريض وتدبير الموارد، فهي إصلاح ينبغي دعمه وتطويره. أما إذا أنتجت مركزية جهوية جديدة، أو أعادت إنتاج الفوارق داخل الجهة، أو مست بحقوق المهنيين، فذلك يفرض التصحيح.
فالإصلاح الحقيقي ليس تغيير خرائط المؤسسات فقط، بل جعل الحكامة أداة لتحقيق التنمية العادلة والإنصاف الصحي بين الجهات والأقاليم. ونعتقد أن أكبر تحد اليوم هو تحويل الإصلاح القانوني إلى إصلاح فعلي، لأن أسوأ سيناريو هو أن تتغير أسماء المؤسسات بينما لا تتغير حياة المواطن داخلها.
في مقابل نقدكم للحصيلة الحكومية، ماذا يقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كبديل في الصحة والحماية الاجتماعية؟ وكيف يمكن تحويل شعار «الصحة حق ماشي حظ» إلى التزام قابل للقياس والمحاسبة؟
بالنسبة إلينا، لا قيمة لنقد الحكومة إذا لم يقترن ببديل واضح، ومن ينتقد اليوم يجب أن يقبل بأن يحاسب غدا بالصرامة نفسها. والبديل الذي يقدمه الاتحاد الاشتراكي يقوم على التنمية العادلة، أي الانتقال من التغطية القانونية إلى الحق الفعلي والمتساوي في العلاج، دون أن تحدد القدرة المالية أو مكان الإقامة فرصة المواطن في الاستفادة من الخدمة الصحية.
ولهذا يضع البرنامج أهدافا واضحة وقابلة للقياس، في مقدمتها رفع عدد مقدمي الخدمات الصحية إلى 4.5 لكل ألف نسمة، وتقليص مدة الانتظار بنسبة 50 في المئة، وتخفيض ما تتحمله الأسر من كلفة العلاج إلى أقل من 20 في المئة، إلى جانب مضاعفة عدد خريجي مهن الصحة، ومراجعة التعريفة المرجعية، وتقوية الصناعة الوطنية للدواء.
كما أن هذه الالتزامات مترابطة فيما بينها بمعنى أنه لا يمكن تقليص الانتظار دون موارد بشرية كافية، ولا يمكن تخفيف كلفة العلاج دون قطاع عمومي قوي، ولا يمكن تحقيق عدالة صحية حقيقية إذا استمرت الفوارق بين الجهات والأقاليم.
وهذا هو جوهر شعار «الصحة حق ماشي حظ»، أن يجد المواطن المهني الصحي والعلاج في الوقت المناسب، وألا يتحول المرض إلى عبء مالي، وألا يكون مكان إقامته محددا لحقه في العلاج.





