افتتاحية

أي انتخابات نريد؟

أي انتخابات نريد؟

على بعد أسبوعين من يوم الاقتراع ضمن الاستحقاقات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، يسود ترقب كبير داخل الأوساط السياسية حول هوية الحزب الذي سيتصدر المشهد السياسي المغربي ويقود حكومة البلاد في سياق رهانات خارجية وداخلية متداخلة، يقبل خلالها المغرب على مرحلة دقيقة تتطلب حكومة قوية ومنسجمة وذات امتداد شعبي ومشروعية سياسية.

وبينما تتجه أنظار الفاعلين السياسيين إلى الموقع السياسي الذي سيحتلونه عقب الانتخابات القادمة، حيث تخاض معارك كسر العظام بسائر الدوائر المحلية والجهوية، تقتضي الرؤية المتجردة من الأنانيات السياسية التركيز على العائد التنموي الذي ستستفيد منه البلاد، ذلك أن ولاية حكومية تمثل خمس سنوات من عمر شعب ترفع مختلف فئاته انتظارات متعددة، ما يجعل المسؤولية كبيرة على الحزب المتصدر والتحالف الذي سيقوده.

وقبل الوصول إلى الحديث عن النتائج وقراءة الطالع الانتخابي، فإن جزءا كبيرا من تفاصيل المشهد القادم يرسم خلال المحطة الحالية، أي قبل الانتخابات، خلال التجمعات الخطابية وإعلان البرامج السياسية والقيام بالحملات الانتخابية والخرجات الإعلامية، الأمر الذي يقتضي جدية أكبر من طرف الأحزاب السياسية ومرشحيها.

الرهان الأكبر الذي يتعين أن ترفعه الأحزاب هو استعادة ثقة المواطنين في الفعل السياسي والمؤسسات المنتخبة، وإعادة ترميم العلاقة التي تآكلت بفعل تراكم ثقافة سياسية “ضحلة” ووعود انتخابية مؤجلة، دون أن تنعكس السياسات العمومية بالقدر الكافي على معيش المواطنات والمواطنين.

ولعل مدخل الثقة الأساس هو عدم احتقار وعي المواطنين بتصعيد اللهجة أكثر من اللزوم وانتهاج سياسة الضرب تحت الحزام، خاصة بين هؤلاء الذين تشاركوا مسؤولية التدبير خلال الولاية الموشكة على نهايتها، ذلك أن من عوائد السياسة أنها تحنت راكبي أمواجها، وقد يعيد المستقبل القريب إنتاج كثير من تفاصيل المشهد السياسي الحالي، مما يستدعي من أحزاب سياسية عدم إحراق سفنها كاملة على شط المزايدات.

الانتخابات فرصة مهمة لإعادة تقييم وضع البلاد ومراجعة الخيارات بما يتيح منح جرعات من الأمل لملايين الشباب والنساء والمسنين والأجراء، غير أن الفاعلين السياسيين مطالبين بالحذر من الجرعات للزائدة للوعود الانتخابية، لأن رفع سقف الوعود عاليا قد يهوي على صاحبه ما لم تجد طريقها إلى التنزيل.

من جهة أخرى، فهذه الاستحقاقات مناسبة ليتأكد “الحزب الأكبر” بالمغرب؛ حزب المقاطعين، بأنه لا جدوى من سياسة الكرسي الفارغ الذي يخدم “تجار الانتخابات” الذين يدركون تفاصيل الخرائط السياسية ويجدون سلوتهم في عدم إرباك النتائج بالمشاركة الانتخابية المكثفة. كما أن التصويت يظل ممارسة ديمقراطية راقية من شأنها المساهمة في إحداث التراكمات المطلوبة.

على الأحزاب السياسية إدراك أن الاستحقاق الانتخابي المقبل ليس مجرد محطة لإعادة توزيع المقاعد والمناصب والحقائب الوزارية، بل هو اختبار حقيقي لنضج المسار الديمقراطي المغربي، الذي تبعث الدولة إشارات جدية لتكريسه من خلال الحفاظ على دورية الانتخابات وتحصين مناخها عبر منظومة قانونية صارمة صيغت بعد إعمال المقاربة التشاركية.

وإذا كانت حرب الاستقطابات قد أوشكت على وضع أوزارها بعد إيداع الأحزاب السياسية أغلب ترشيحاتها واقتراب انطلاق الحملة الانتخابية، فإن باب التخليق يظل دوما مفتوحا أمام الأحزاب الراغبة في صناعة نخب حقيقية قادرة على تقديم الإضافة. ويبدأ ذلك أساسا من جعل هذه المحطة فرصة لمخاطبة الناخبين بصدق بعيدا عن أساليب الاستمالة التي عفى عنها الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News