الترحال السياسي.. بقعة سوداء في ثوب الديمقراطية المغربية

المتتبع للشأن السياسي المغربي هذه الأيام لا تقع عيناه إلا على أنباء تنقل شخصيات سياسية وأسماء وازنة من حزب إلى آخر، في مشهد بات يلخص كثيرا من أعطاب الديمقراطية المغربية وأسباب معظلة العزوف السياسي والانتخابي بالبلاد.
أعيان وأسماء سياسية بارزة تغير جلدها السياسي في رمشة عين، وتتنقل بكل سهولة بين أحزاب، يفترض الحد الأدنى من المنطق السياسي، أنها تمتلك مرجعيات مختلفة وبرامج سياسية متباينة.
قديما، قال المغاربة “تبدال المنازل راحة” وأن “أرض الله واسعة”، غير أن أجواء “الميركاتو السياسي” الجاري مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية تكشف الوجه الانتهازي للسياسة بالمغرب، حيث تطغى الكولسة وتغيب المبادئ أمام ارتفاع صوت المصلحة، هذه الأخيرة التي من المؤكد أنها بعيدة كل البعد عن هواجس المواطن.
وجوه سياسية تمتلك خزانات انتخابية بعدد من الدوائر، راكمتها بسنوات من العلاقات والمصالح المتشعبة، لا تتورع في استغلالها كورقة ضغط وتفاوض مع أحزاب سياسية متعددة مقابل نيل التزكيات، وهذا ما يفسر كيف أن بعض المرشحين انتشرت صورهم مع أكثر من أمين عام لحزب سياسي، قبل أن يستقر اختيارهم -المؤقت طبعا- على أحد الأحزاب.
ومن أكثر المشاهد غير الأخلاقية “سياسيا” التي ترافق الاستعدادات الانتخابية الجارية، لجوء أحزاب سياسية إلى استقطاب أسماء من أحزاب أخرى، بما فيها تلك الحليفة لها، حيث باتت مختلف الدوائر ساحة تطاحن مفتوحة بين الأحزاب على من سيستقطب الأوراق الانتخابية الرابحة إلى صفه.
ومن بِدع السياسة المغربية في زمننا هذا أن بعض “تجار الانتخابات” باتوا منجمين و”يضربون الخط الزناتي” لمعرفة إلى أي اتجاه تميل كفة الاستحقاقات القادمة، قبل أن يحسموا تموقعهم السياسي مع هذا الطرف أو ذاك، في مشهد يمس بجوهر الانتخابات التي تفترض التنافس السياسي الشريف والإبقاء على عنصر المفاجأة.
وتسبب هذا الوضع السياسي في خلق غموض كبير لدى الرأي العام المغربي الذي بات يتابع كيف أن سياسيين أصبحوا يفاوضون أحزابهم من أجل الحصول على قرار طردهم للترشح باسم أحزاب سياسية أخرى، وذلك من أجل أن يحافظوا على مناصبهم على رأس مؤسسات منتخبة.
ولا شك أن هذه المشاهد لا تخدم الديمقراطية المغربية، وسيكون لها تأثير سلبي على منسوب الثقة ونسب المشاركة السياسية، هذه الأخيرة التي من شأن ارتفاعها أن يمنح الحكومة القادمة شرعية شعبية أكبر، لا سيما في ظل الرهانات التي تُقبل عليها البلاد.
على الأحزاب السياسية المغربية وقياداتها مراجعة الأوراق، لأن هاجس تصدر المشهد السياسي لا يبرر استخدام كل الوسائل الممكنة، فهو يتطلب منها مجهودا مضاعفا من أجل إقناع الكفاءات للالتحاق بها وتكوين نخبها القادرة على القيام بالأدوار التشريعية والرقابية على الوجه الأكمل ووضع الثقة بمناضليها الحقيقيين المرتبطين بالتراب، بدل الاكتفاء بإعادة التدوير التي لن تقدم جديدا للسياسة المغربية.
على الأحزاب أن تستوعب الدروس جيدا، لأن من يفاوض اليوم على التزكية بكل ضراوة، غير آبه بالمبادئ والأخلاق السياسية والأفكار والبرامج، سيفاوض غدا بنفس الشكل للدفاع عن مصالحه الشخصية، وسيكون ممثلا لنفسه بدل أن يكون ممثلا للأمة ولمن وضعوا به الثقة.




