افتتاحية

الغلاء و”تشناقت” يُفسدان فرحة العيد

الغلاء وتشناقت يُفسدان فرحة العيد

قبيل يوم من عيد الأضحى، لا يزال النقاش محتدما حول ارتفاع أسعار الأضاحي بشكل مبالغ فيه، مما حول الأسواق إلة جحيم ملتهب لا يطاق، حيث ما تزال العديد من الأسر تكابد وتواجه صعوبات من أجل توفير أضحية العيد، وسط تضاري الأنباء حول الوفرة والأسعار.

ورغم الوفرة في العرض من رؤوس الأضاحي، والتي قُدّرت بتسعة ملايين رأس، ورغم صرف ملايين الدراهم من الدعم لفائدة الكسابين لإعادة تشكيل القطيع الوطني، إضافة إلى الإعفاءات الجمركية الموجهة لتسهيل استيراد رؤوس الأغنام من دول أخر ، فإن الغلاء لا يزال سيد الموقف ولم تحل السياسات المتخذة بين نهب الغلاء لجيوب البسطاء.

ويبدو أن جزءا مهما من هذا المجهود الحكومي قد جرى تبديده لأسباب متعددة، في مقدمتها الجشع الذي أبان عنه الوسطاء و”الشناقة”، الذين يتعمدون رفع هوامش الربح بشكل مبالغ فيه، ما جعل الأسواق تتحول إلى جحيم حقيقي أمام الأسر المغربية.

وفي محاولة لتدارك هذا الوضع، لجأت الحكومة إلى إصدار قرارات استثنائية مؤقتة لمحاربة المضاربين والوسطاء، غير أن تحركات السلطات العمومية خلال الأيام القليلة الماضية، ورغم أهميتها، تكشف محدودية المقاربة المعتمدة، في ظل استمرار تبريرات بعض الكسابة بارتفاع كلفة الأعلاف وتزايد المصاريف.

هذه الأوضاع التي تعرفها الأسواق المغربية تؤكد أن منطق انتهاز الفرص ورفع الأسعار بات أقرب إلى ثقافة عامة، لا تقتصر على أسواق الماشية، بل تمتد إلى مجالات متعددة، منها النقل والخضر والفواكه والمواد الأساسية، ما يستدعي وقفة تأمل أعمق، تتجاوز مساءلة الإجراءات الحكومية إلى إعادة النظر في التمثل العام لعيد الأضحى كمناسبة دينية واجتماعية.

لقد أصبحت هذه المناسبة تُلقي بثقل كبير على المواطن المغربي، الذي يضطر لاقتناء كل شيء بأسعار مضاعفة، ويتحمل شعورا بثقل يد تمتد إلى جيبه عنوة دون قدرة على رد الفعل، ما يسرق منه شيئا فشيئا لذة العيد، الذي بات يبتعد سنة بعد أخرى عن أجوائه المعتادة، رغم استمرار محاولات المغاربة التمسك برونقه الرمزي.

ويُظهر واقع الأسواق هذه الأيام أن تدبير مناسبة العيد لا يرتبط فقط بضمان الوفرة، بل يقتضي إجراءات قوية وبعيدة المدى لتنظيم الأسواق، بدل الاكتفاء بخروج وزير الفلاحة لتقديم أرقام مرتبكة حول أسعار الأضاحي، أثبت الواقع أنها لا تعكس حقيقة السوق، بما يعزز الشعور بانفصال الخطاب الرسمي عن واقع معيش الناس.

في المحصلة، لا يبدو أن أزمة عيد الأضحى الحالية مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار أو اختلالات ظرفية، بل تكشف بوضوح عن أعطاب أعمق في طريقة تدبير الأسواق وضبط الوسطاء. فحين تتحول مناسبة دينية واجتماعية بهذا الثقل الرمزي إلى اختبار قاسٍ للقدرة الشرائية للأسر، فإن الأمر يتجاوز منطق الأرقام والتصريحات، ليطرح سؤالا أكبر حول جدوى السياسات العمومية في حماية التوازنات الاجتماعية وصون كرامة المواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News