سياسة

أخنوش من باريس: المغرب حافظ على إطار ماكرواقتصادي صلب رغم توالي الصدمات

أخنوش من باريس: المغرب حافظ على إطار ماكرواقتصادي صلب رغم توالي الصدمات

أكد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، أن المغرب اختار، في مواجهة الأزمات والتحولات الدولية المتلاحقة، الحفاظ على مسار يقوم على بناء الدولة الاجتماعية، والاستثمار في الرأسمال البشري، وتعزيز النسيج الإنتاجي، والحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية، مبرزا أن السنوات الخمس الأخيرة شكلت اختبارا لقدرة المملكة على حماية المواطنين والاستثمار في المستقبل وتسريع الإصلاحات في آن واحد.

وقال أخنوش، في كلمة ألقاها، اليوم الاثنين، أمام مجلس منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) في باريس، إن هذا الحوار يتيح للمغرب مشاركة مساره الوطني، القائم، تحت قيادة الملك محمد السادس، على قناعة مفادها أن صلابة أي بلد تقاس بقدرته على حماية مواطنيه والحفاظ على توازناته والاستثمار في المستقبل وتسريع وتيرة إصلاحاته، خصوصا في عالم تخترقه الأزمات.

وأوضح رئيس الحكومة أن المغرب واجه خلال السنوات الخمس الأخيرة، إلى جانب تداعيات الجائحة، توترات جيوسياسية وتضخما عالميا وإعادة هيكلة لسلاسل القيمة، فضلا عن توالي سنوات الجفاف، مشددا على أن المملكة اختارت، أمام هذه الصدمات، الحفاظ على المنهج الذي رسمته مسبقا، والقائم على بناء الدولة الاجتماعية والاستثمار في الرأسمال البشري وتعزيز النسيج الإنتاجي والحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية.

وشدد أخنوش على أن النمو الاقتصادي لا معنى له إذا لم ينعكس بشكل ملموس على تحسين الحياة اليومية للمواطنين، مبرزا أن المغرب باشر، تنفيذا للرؤية الملكية، ورشا تاريخيا لتعميم الحماية الاجتماعية.

وفي هذا السياق، أفاد رئيس الحكومة بأن التأمين الإجباري عن المرض أصبح يشمل 11 مليون شخص من الفئات الهشة، تتكفل الدولة بأداء واجب انخراطهم، في حين تم الإدماج التدريجي لـ3,9 مليون مستفيد من العمال غير الأجراء والأشخاص القادرين على المساهمة، الذين كانوا سابقا خارج المنظومة.

ومن جهة أخرى، أشار أخنوش إلى أن المغرب بدأ، منذ شهر دجنبر 2023، صرف دعم اجتماعي مباشر للأسر الأكثر هشاشة، يحتسب مبلغه بناء على مؤشر اجتماعي موضوعي، وعبر مسطرة رقمية وشفافة ومجردة من الطابع المادي.

وبين دجنبر 2023 ودجنبر 2025، صرفت الدولة، وفق رئيس الحكومة، 51 مليار درهم لفائدة نحو 4 ملايين أسرة، بمبالغ تتراوح بين 500 و1350 درهما شهريا.

واعتبر أن هذا الإصلاح يشكل تحولا جذريا وشاملا، من خلال الانتقال من الإعانات المشتتة إلى دعم مباشر وموجه ومستمر، يستند إلى السجل الاجتماعي الموحد الذي يشمل اليوم 5,3 ملايين أسرة.

وأوضح أن هذه البنية التحتية مكنت المغرب من فتح مرحلة جديدة من الحماية الاجتماعية الأكثر استجابة للصدمات، مشيرا إلى أن السجل الاجتماعي الموحد أصبح يتيح التوجه نحو آليات قادرة على ملاءمة مستوى الدعم كلما شهدت أسعار المواد الأساسية ارتفاعا كبيرا، حتى لا يؤدي التضخم إلى تآكل المكتسبات الاجتماعية.

وفي قطاع الصحة، أبرز أخنوش أن المغرب قام بتأهيل 1400 مؤسسة صحية أولية، مع برمجة 1600 مؤسسة إضافية، من بينها 500 مؤسسة في طور التأهيل خلال سنة 2026.

وبالموازاة مع ذلك، سيتم إنجاز أو تشغيل 20 مؤسسة استشفائية خلال سنة 2026، بما سيوفر 3067 سريرا إضافيا، فيما يرتقب إتمام 27 مستشفى آخر بسعة 3120 سريرا بين سنتي 2027 و2029.

غير أن رئيس الحكومة شدد على أن البنيات التحتية تظل غير كافية دون الأطر التي تبعث فيها الحياة، مشيرا إلى ارتفاع كثافة الأطر الصحية بين سنتي 2021 و2026 من 17,4 إلى 25 إطارا صحيا لكل 10 آلاف نسمة، متجاوزة بذلك العتبة الحرجة المحددة من طرف منظمة الصحة العالمية في 23.

كما سجل ارتفاع ميزانية الصحة بين سنتي 2021 و2026 بنسبة 115 في المائة، معتبرا أن ذلك يعكس الأهمية التي توليها الحكومة المغربية لهذا القطاع.

وبخصوص المرحلة المقبلة، أشار أخنوش إلى أن تعميم التنظيم الترابي للعلاجات، وضبط تكلفة الأدوية، والتطوير التدريجي لنظام الثالث المؤدى، يفترض أن تمكن من تقريب الحق في الصحة إلى ممارسته الفعلية.

وفي قطاع التعليم، قال رئيس الحكومة إن الإصلاح انطلق من الفصل الدراسي ومن التعلمات، موضحا أن 4626 مدرسة ابتدائية أصبحت مدارس رائدة، وهو ما يمثل 50 في المائة من المدارس الابتدائية في القطاع العمومي، وتضم نحو مليوني تلميذ.

وأضاف أن هذا العدد سيرتفع إلى 6626 مدرسة مع انطلاق الموسم الدراسي 2026-2027، أي 80 في المائة من المدارس الابتدائية، في أفق التعميم الشامل خلال الموسم الدراسي 2027-2028.

كما امتدت هذه الدينامية إلى التعليم الإعدادي، من خلال 786 مؤسسة رائدة حاليا، أي 35 في المائة من مجموع الإعداديات، بهدف الوصول إلى 2200 إعدادية في أفق سنة 2029.

وفي قلب هذا الإصلاح، توقف أخنوش عند مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب (TaRL)، التي تنطلق من مبدأ تدريس التلميذ بحسب ما يستوعبه فعليا.

وأشار إلى أن النتائج الأولى بلغت نسبة التحكم في الكفايات الأساسية 45 في المائة في المجموعة التجريبية، مقابل 11 في المائة في مجموعة المقارنة، فيما ارتفعت نسبة الإجابات الصحيحة إلى 59 في المائة مقابل 37 في المائة.

وفي الإعداديات الرائدة، انخفض الهدر المدرسي بنسبة النصف تقريبا، متراجعا من 8,4 في المائة إلى 4,45 في المائة.

وأكد أخنوش أن الإصلاحات الاجتماعية ترافقت مع الحفاظ على إطار ماكرواقتصادي صلب، مشيرا إلى أن النتائج المسجلة تعكس هذا الانضباط.

وبحسب الحسابات الوطنية للمندوبية السامية للتخطيط، بلغ نمو الناتج الداخلي الخام سنة 2025 نسبة 4,9 في المائة، مقابل 4,4 في المائة سنة 2024.

ورافق هذا النمو التحكم في الأسعار، إذ استطاع المغرب، بعد ذروة التضخم العالمي، إعادة التضخم إلى مستويات ملموسة، بلغت 0,9 في المائة سنة 2024 و0,8 في المائة سنة 2025، فيما سجل التضخم خلال النصف الأول من سنة 2026 نسبة 0,4 في المائة، مع تراجع التضخم الأساسي على أساس سنوي.

كما استقر عجز الميزانية في حدود 3,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025، وانخفض دين الخزينة من 71,6 في المائة سنة 2022 إلى نحو 67 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025.

وتستهدف الحكومة خلال سنة 2026 تحقيق نسبة نمو تبلغ 5,3 في المائة، وعجز ميزانية في حدود 3 في المائة، وتخفيض دين الخزينة إلى 65,8 في المائة.

واعتبر رئيس الحكومة أن استرجاع المغرب لدرجة الاستثمار (Investment Grade) من طرف وكالة “ستاندرد أند بورز” يشكل إشارة مهمة، تعكس الثقة في المسار الذي تنتهجه المملكة وفي قدرتها على الإصلاح والصمود أمام الصدمات الخارجية.

وفي ما يتعلق بالاستثمار، أوضح أخنوش أنه منذ دخول ميثاق الاستثمار الجديد حيز التنفيذ، شهدت هذه الدينامية زخما كبيرا، حيث وافقت اللجنة الوطنية للاستثمارات على 381 مشروعا، بمبلغ إجمالي يقدر بـ581 مليار درهم، من شأنها أن تساهم في إحداث 245 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر.

كما عمل المغرب، وفق رئيس الحكومة، على ترسيخ أسس الثقة لدى المستثمرين، من خلال اعتماد نظام ضريبي أكثر عدالة وشفافية، عبر وضع مسار واضح على مدى ثلاث سنوات، والتبسيط التدريجي للإجراءات، وتقليص الآجال الإدارية، مع إيلاء تقليص آجال الأداء عناية خاصة.

وأكد أخنوش أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تؤكد جاذبية المغرب الاستثمارية، بعدما بلغت 43,8 مليار درهم سنة 2024، بارتفاع قدره 35 في المائة مقارنة بسنة 2021، ثم 56,1 مليار درهم سنة 2025، وهو رقم قياسي تاريخي.

وأضاف أن هذه الدينامية واصلت منحاها التصاعدي، إذ سجلت مداخيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلى نهاية يوليوز 2026، ارتفاعا إضافيا بنسبة 6,3 في المائة.

وفي المجال الصناعي، اعتبر رئيس الحكومة أن الصناعة المغربية أصبحت إحدى أبرز رموز الارتقاء في مستوى الأداء والتنافسية، بفضل رؤية ملكية ثابتة وثقة المستثمرين.

وأشار بشكل خاص إلى قطاع السيارات، الذي أصبح أول قطاع مصدر وأول مشغل في الصناعة بالمملكة، موضحا أن صادراته انتقلت من 87,1 مليار درهم سنة 2021 إلى 154,5 مليار درهم سنة 2025، فيما أصبحت الطاقة الإنتاجية تقترب حاليا من مليون سيارة سنويا.

وأكد أن الأفق المقبل للسياسات الصناعية أصبح واضحا، ويتمثل في الاحتفاظ بحصة متزايدة من القيمة المضافة المحدثة داخل المغرب، بما يعني تعميق الاندماج المحلي وتطوير الهندسة والتكنولوجيا والكفاءات بشكل أكبر.

وفي السياحة، أوضح أخنوش أن المملكة استقبلت نحو 19,8 مليون سائح، بزيادة قدرها 53,5 في المائة مقارنة بسنة 2019، فيما بلغت العائدات السياحية 138,1 مليار درهم، مسجلة ارتفاعا بنسبة 75,5 في المائة مقارنة بالسنة نفسها.

وقال إن هذه الدينامية بدأت تنعكس أيضا على مستوى التشغيل، إذ تراجع معدل البطالة بالمفهوم الضيق خلال الربع الثاني من سنة 2026 إلى 9,5 في المائة، وهو أدنى مستوى له منذ سنة 2019.

وشمل هذا الانخفاض المدن والقرى والرجال والنساء ومختلف الفئات العمرية، غير أن رئيس الحكومة شدد على أن الطريق لا يزال طويلا، في ظل استمرار ارتفاع البطالة في صفوف الشباب، وضعف مشاركة النساء في سوق الشغل.

واعتبر أن التحدي يتمثل حاليا في ترسيخ هذا التحول وجعله أكثر شمولا.

وتطرق رئيس الحكومة إلى التحول المرتبط بالسيادة المائية والطاقية، مؤكدا أنه بعد ست سنوات متتالية من الجفاف، أصبح الماء قضية تتعلق بالسيادة الوطنية.

وأشار إلى أنه بين سنتي 2021 و2025، ظل متوسط نسبة ملء السدود في حدود 32 في المائة، موضحا أن المغرب رفع ميزانية البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي إلى 143 مليار درهم.

وأكد أن المملكة شرعت في إحداث تحول عميق في نموذجها المائي، يقوم على السدود والربط بين الأحواض المائية وتحلية مياه البحر.

وفي هذا السياق، أوضح أخنوش أن الطريق السيار للماء سبو-أبي رقراق، الذي دخل حيز الخدمة سنة 2023، تبلغ قدرته على نقل ما بين 350 و400 مليون متر مكعب سنويا نحو محور الرباط-الدار البيضاء.

وفي الدار البيضاء، من المرتقب أن تساهم أكبر محطة لتحلية مياه البحر في إفريقيا في تأمين مياه الشرب لفائدة 7,5 ملايين نسمة.

أما في الداخلة، فأشار إلى محطة تبلغ قدرتها 37 مليون متر مكعب سنويا، دخلت حيز الخدمة سنة 2026، وتتزود بالطاقة من مزرعة رياح مخصصة لها، لري 5000 هكتار من الأراضي الفلاحية، فيما ستخصص الكمية المتبقية لتوفير مياه الشرب.

ومن المرتقب أن تبلغ القدرة الوطنية للمغرب 1,7 مليار متر مكعب سنة 2030 عبر تحلية مياه البحر، بما يغطي أكثر من نصف الاحتياجات من مياه الشرب.

وعلى مستوى الطاقة، أفاد أخنوش بأن حصة الطاقات المتجددة ضمن مزيج إنتاج الكهرباء ارتفعت من 37,1 في المائة سنة 2021 إلى 46,1 في المائة حاليا، فيما يهدف المغرب إلى بلوغ 52 في المائة في أفق سنة 2030.

كما أشار إلى إطلاق عرض طموح لتطوير الهيدروجين الأخضر، يشمل تعبئة مليون هكتار، وأكثر من 40 طلبا للاستثمار، إلى جانب الموافقة على 8 مشاريع، باستثمارات تقدر بحوالي 43 مليار دولار.

وأكد أن المغرب يرغب في جعل التحول الطاقي تحولا إنتاجيا وذا فائدة مباشرة للمواطنين، من خلال تطوير الإنتاج الذاتي للطاقة، وتوسيع نطاق فتح سوق الكهرباء، وإرساء سلاسل قيمة صناعية داخل المغرب حول مصادر الطاقة الجديدة.

وفي ما يتعلق بالبنية التحتية، أبرز رئيس الحكومة أن هذا المسار يستند إلى بنية للربط والتواصل تسهم تدريجيا في تغيير الخريطة الاقتصادية للمملكة.

وجسد ميناء طنجة المتوسط، بحسب أخنوش، هذا التحول بوضوح، بعدما أصبح أول مركز مينائي في إفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، إثر معالجته أكثر من 11,1 مليون حاوية سنة 2025.

كما يتواصل هذا النجاح من خلال ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يرتقب أن ينطلق العمل به في الربع الأخير من سنة 2026، بطاقة استيعابية أولية تبلغ 5 ملايين حاوية سنويا.

وفي الجنوب، يرتقب استكمال أشغال ميناء الداخلة الأطلسي سنة 2028، والذي سيوفر لغرب إفريقيا ودول الساحل منفذا بحريا استراتيجيا ومهيكلا، مع تعزيز ربطها بالطرق البحرية الأطلسية الكبرى المؤدية إلى أوروبا والأمريكتين.

وفي السياق ذاته، أشار أخنوش إلى أن القطار فائق السرعة (LGV) سيربط مدينة طنجة بمراكش في ساعتين و45 دقيقة، فيما سترتفع الطاقة الاستيعابية للمطارات من 38 مليونا إلى 80 مليون مسافر في أفق سنة 2030.

وإلى جانب الربط المادي، أبرز رئيس الحكومة أهمية الربط الرقمي، مشيرا إلى أن شبكة الجيل الخامس (5G)، التي أطلقت في نهاية سنة 2025، تغطي بالفعل أكثر من 50 مدينة ونحو 7 ملايين مشترك، ومن المرتقب أن تصل تغطيتها إلى 85 في المائة من السكان بحلول سنة 2030.

وفي ختام كلمته، تطرق أخنوش إلى احتضان المغرب جزءا من نهائيات كأس العالم 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، معتبرا أن هذه التظاهرة لن تكون مجرد حدث رياضي، بل ستسهم في تسريع وتيرة التحول الذي انخرط فيه المغرب بالفعل.

وأكد رئيس الحكومة أن هذه الدينامية الاقتصادية والاجتماعية برمتها أطلقت تحت قيادة الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن المغرب يتوفر على حظ وجود ملك يضمن استمرارية السياسات العمومية.

وختم أخنوش بالتأكيد على أن طموحات المغرب، تحت قيادة الملك، تظل واضحة، وتتمثل في جعل المملكة بلدا أقوى من الداخل، وأكثر تنافسية على الصعيد الدولي، وقطبا للاستقرار والازدهار في محيطه، وفي إفريقيا، وفي الفضاء الأورو-أطلسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News