أحداث سبتة.. نحو مراجعة شاملة للشراكة المغربية الأوروبية

لم يستفق المغاربة بعد من هول صدمة المشاهد القادمة من الشمال، إثر محاولة الهجرة غير الشرعية التي نفذها آلاف المواطنين، من مختلف الفئات العمرية، نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، والتي يفوق تدبيرها قدرات أي دولة، مهما بلغ حجم الإمكانيات التي ترصدها للملف.
الأحداث التي شهدها معبر سبتة المحتلة تحولت إلى “تراند” عالمي، إذ بالرغم من مأساويتها وما خلفته من ضحايا، لم يتورع فاعلون سياسيون من شتى البقاع، وخاصة أوروبا، في الركوب عليها لتسجيل نقاط سياسية وقضاء مآربهم الانتخابية، في سلوك يسائل المرجعيات السياسية التي ينطلق منها هؤلاء، ولاسيما اليمين المتطرف، الذي استغل الوضع من جديد لترويج بضاعته الفاسدة، بدل الانخراط في نقاش مسؤول يضع النقاط على الحروف.
من جهة ثانية فإن اجتماع وزراء الداخلية للاتحاد الأوروبي يوضح بما لا يدع مجالا للشك أن الأوروبيين يقاربون ملف الهجرة وخصوصا القادمة من المغرب مقاربة أمنية بامتياز.
إن أولى الخلاصات التي تقتضي الوقوف عندها أن الشراكة المغربية الأوروبية باتت تستوجب مراجعة شاملة، تعيد النظر في عدد من أسسها، بما يؤكد استيعاب الشركاء للمواقف التي عبرت عنها المملكة في أكثر من مناسبة، والتي لخصها تصريح مصدر حكومي مغربي لوكالة المغرب العربي للأنباء بالقول: “لسنا شرطيا ولا حارسا لأوروبا؛ بل نحن شريك ذو سيادة ولسنا مناولا” في مجال تدبير ملف الهجرة.
معالم الشراكة التي ينبغي التوجه إليها، تقتضي من شركاء المغرب الأوروبيين الاقتناع بأن منطق بعض التمويلات لا يكفي في معالجة ظاهرة الهجرة بتعقيداتها الجمة، ذلك أن أوروبا مطالبة بأن تكون شريكا معنيا بتنمية، وأن تتوقف عن اتخاذ قرارات وإجراءات تعيق هذه التنمية، ولا سيما الإجراءات التي تؤثر سلبا على الموانئ المغربية، وصناعة السيارات الوطنية، وقطاع المالية، والخدمات، والنقل، وترحيل الخدمات، كما عبر على ذلك المصدر الحكومي.
هذه الخلاصة يجب أن تكون على طاولة اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، المخصص لبحث موجة تدفق المهاجرين إلى سبتة المحتلة، بدل إعطاء الانطباع بأن الملف ذو طبيعة أمنية، لأن ذلك سيفضي إلى حلول قاصرة عن معالجة الظاهرة.
كما يجب أن يدرك الطرف الأوروبي أن المغرب “شريك ملتزم” يبذل جهودا مضاعفة لمعالجة مشكل الهجرة، ويضطلع بمسؤولياته في هذا الصدد، دون خضوع للإكراه أو الابتزاز، ما يتطلب الارتقاء بالشراكة في تدبير ملف الهجرة من المستوى الأمني إلى البعد التنموي.
بالمقابل، فإن ما شهده معبر سبتة المحتلة يدق ناقوس الخطر على الصعيد الداخلي، بما يتطلب نقاشا وطنيا مسؤولا، يقطع مع التشخيص الكلاسيكي، ويبدع في إنتاج السياسات العمومية التي تنقذ الشباب المغاربة من أوهام الهجرة التي تحولهم إلى فريسة سهلة الانقياد، تحت تأثير شبكات الاتجار الدولي والمتربصين بأمن البلاد.
وبالرغم من أن الحكم القضائي الإسباني شكل شرارة الأحداث التي شهدها شمال المغرب، إلا أنه لا ينبغي أن نرتكن للتفسيرات السهلة التي تعلق الأخطاء على مشجب الآخر، ذلك أن حالة انعدام الأفق وفقدان الأمل والثقة لها مسببات موضوعية مرتبطة بالأوضاع الاجتماعية الصعبة التي يعيشها ملايين المغاربة، والتي تزيد من وطأتها وضعية التعليم والصحة والتشغيل، الأمر الذي يستوجب مراجعة السياسات العمومية.
على صعيد آخر لا يقل أهمية، فإن الأسر المغربية مطالبة بأن تلعب أدوارها على الوجه المطلوب، لا أن تتحول إلى محفز لأبنائها على الزج بأنفسهم نحو المجهول، ويجب أن تمثل خط الدفاع الأول عن حياتهم ومستقبلهم بدل أن تتحول هي الأخرى إلى مروج لخطاب التيئيس والسوداوية للتحلل من مسؤولياتها. من جهة أخرى، يطرح ما جرى ملحاحية إرساء تربية إعلامية تؤطر علاقة المغاربة وأبنائهم مع وسائل التواصل الاجتماعي، بما ينمي الفكر النقدي، حتى لا تتفاقم أمراض مجتمعنا أكثر.
إن ما جرى على حدود سبتة ومليلية المحتلتين لا ينبغي أن يُختزل في كونه حادثا أمنيا عابرا أو موجة هجرة استثنائية، بل هو جرس إنذار يكشف عن اختلالات متشابكة، تمتد من طبيعة الشراكة المغربية الأوروبية في تدبير ملف الهجرة إلى التحديات التنموية والاجتماعية التي تواجه الشباب المغربي، الأمر الذي يتطلب الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى صناعة الحلول، عبر شراكة أوروبية أكثر عدلا وتوازنا، وسياسات عمومية وطنية أكثر قدرة على خلق الأمل وتوسيع فرص العيش الكريم.






