لماذا تخاف الأغلبية من التحقيق مع “الفراقشية”؟

خلال هذا النقاش الدائر، منذ أزيد من سنة، حول ما سمي بـ”دعم الفراقشية”، والدعوات المتلاحقة إلى التحقيق في الموضوع الذي أثار كثيرا من الجدل، تعطي فرق الأغلبية البرلمانية انطباعا سلبيا بأن لديها أشياء تخاف انفضاحها أمام الرأي العام، وأنها ترغب في إخفاء حقائق معينة، من خلال تلكؤها في دعم محاولات المعارضة لتشكيل لجنة تقصي الحقائق.
وبالرغم من الإجماع الحاصل، حتى من لدن أطراف داخل الأغلبية، على وجود خلل ما أدى إلى عدم انعكاس الإجراءات الحكومية والمجهود المالي العمومي، الهادف إلى دعم القدرة الشرائية للمواطنين، على أسعار المواشي واللحوم، خاصة خلال عيد الأضحى، يظهر أن الأغلبية ماتزال متخلفة عن مساعي استجلاء حقائق الدعم والمستفيدين منه.
وفي وقت استغلت أطراف داخل الأغلبية الحكومية الجدل الدائر حول “دعم الفراقشية” ضمن مزايدات سياسية وانتخابية، تقمصت فيها دور المعارضة، لم تبدِ الحماس نفسه للانخراط في مبادرات جادة لاستجلاء الحقائق وترتيب الأثر القانوني على من ثبت تلاعبهم بالأموال العمومية، وكأن الموضوع مجرد مناسبة للاستعراض الإعلامي والخطابي.
وخيرا فعلت مكونات المعارضة حين تجاوزت خلافاتها لإطلاق مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول “الوقائع المتعلقة بمختلف أشكال الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي ولقطاع تربية المواشي بصفة عامة”، ودعوتها لرؤساء فرق الأغلبية البرلمانية للتوقيع على طلب تشكيل اللجنة، وذلك حتى يتبين الرأي العام موقف جميع الأطراف.
ويتطلب تشكيل لجان تقصي الحقائق أن يتم تقديم طلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين، ما يعني ضرورة انخراط أطراف الأغلبية البرلمانية لإنجاح المبادرة، وهو أمر يضع هذه الأخيرة أمام المرآة فيما يتعلق بالقيام بأدوراها الرقابية، خاصة حين يتعلق الأمر بالمال العام.
ومن بين أكثر الأمور التي تفرض ضرورة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول دعم المواشي هو هذا التضارب الحاصل بشأن قيمة الدعم العمومي، الأمر الذي خلق تشويشا لدى الرأي العام، خاصة بعد تداول أرقام ضخمة وحديث عن استفادة أسماء مرتبطة بأحزاب الأغلبية وإنشاء شركات بغرض الاستفادة من “الوزيعة”، وغيرها من المعطيات المقلقة.
وحتى لو كانت هناك أسماء من الأغلبية “تورطت”، بشكل أو آخر، في تلاعبات تخص الاستفادة من هذا الدعم، فإنه من غير المقبول أن تضع أحزاب تتصدر المشهد السياسي المغربي كامل رصيدها على المحك من أجل التستر على أشخاص بعينهم، خاصة وأنها تراهن على صدارة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ومن المؤكد أن التخلف عن الانخراط في مبادرة المعارضة للتوقيع على طلب تشكيل لجنة تقصي الحقائق سيشكل أحد النقاط السلبية في حصيلة هذه الأغلبية، وسيمنح مكونات المعارضة نقاط إضافية مستحقة خلال السباق الانتخابي المقبل، المرتقب بعد ثلاثة أشهر من الآن، والذي سيحدد معالم الحكومة المقبلة.
تشكيل لجنة تقصي الحقائق ليس مجرد ترف سياسي في السياق الراهن أو مناسبة لاستعراض القوة بين الأغلبية والمعارضة، بل هو من صميم أدوار نواب الأمة، الذين عليهم أن يكونوا ضمير هذا البلد وخط الدفاع الأول عن المواطن المغربي ومصالحه، وإلا فلا معنى لتدبيج الخطابات الداعية إلى المشاركة الانتخابية ما دام أن ثقة الناخبين تُمتهن عند كل اختبار.





