وجهة نظر

الاكتظاظ الحرج للسجون

يعتبر اكتظاظ السجون من بين المعضلات الكبرى التي تعاني منها العدالة الجنائية المغربية إسوة بأغلب دول العالم، ومن خلال الإحصائيات المتداولة يوجد أكثر من 11 مليون سجين في العالم، من بينها ثلاثة ملايين معتقل احتياطي يعيش أغلبهم ظروفا مأسوية تتنافى مع متطلبات العيش الكريم وتشكل خطرا على سلامة موظفي السجون. ويختلف قياس الاكتظاظ باختلاف الأنظمة مما يجعل من الصعب تبني نمط معين، إلا أن المؤشر المعتمد في الغالب يعتمد أساسا السعة المعلنة وقت تشييد سجن ما أو حينما تتساوى أو تتعدى الساكنة السجنية 120 في المائة حسب تعريف المفوضية الأوروبية للمشاكل الجنائية.

والمغرب إسوة بأغلبية الدول يحتل مركزا متقدما من حيث ساكنة سجونه التي ناهزت 90000 أي بنسبة 150 في المائة وبمعدل 236 سجين لكل 100 ألف نسمة، إلا أن هذه الإحصائيات لا يمكن أن تحجب المجهودات التي تبدلها الدولة لمواجهة هذه الآفة التي تعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية القوة الاقتصادية الرئيسية في العالم التي تسجل أعلى معدل للسجناء وفقًا لإحصاءات السجون. بحيث يقبع بسجونها مليونان و74000 سجين بمعدل 630 سجين لكل 100000 نسمة في الوقت الذي لا تتعدى فيه ساكنة السجون بالهند نصف مليون سجين أي بمعدل 35 في المائة.
فإذا كانت أسباب اكتظاظ السجون جد معقدة فإن عواقبها جلية للعيان , وتعتبر السياسة الجنائية التي تعتمد العقوبة الحبسية كأساس لمواجهة الجريمة من بين الأسباب المؤدية إلى اكتظاظ السجون ولو أن عوامل هذه الأخيرة  تتعدى حدود العدالة الجنائية إلى مجالات أخرى يستحيل الإحاطة بها في موضوع واحد لعلاقته بجوانب متعددة , وبالتالي فإن بلورة سياسة جنائية تتبنى استراتيجية شمولية تعتبر العقوبة الحبسية الملاذ الأخير لمواجهة الجريمة هي الأساس و ذلك بالاعتماد على تطوير برامج ومشاريع حول الجريمة والعدالة الجنائية وإيجاد بدائل من شأنها احترام الحقوق الأساسية للمحرومين من الحرية وحماية موظفي السجون بطريقة تتفادى التبسيط والسطحية في التعامل مع الآفة من قبيل الاقتصارعلى الزيادة في السجون الذي انتهجته بعض الدول.

إن مواجهة الاكتظاظ بالسجون يقتضي كمبدأ عام احترام مبدأ قرينة البراءة  و ذلك بالحد من استخدام الحبس الاحتياطي الذي ينتهك المبدأ المذكور  مع مساهمة كافة المتدخلين في مجال العدالة الجنائية و كذا المصالح الصحية و الاجتماعية لتنزيل استراتيجية  ناجعة  عمادها  إرساء جو من الثقة في الوسط القضائي و تمكينه من إعمال سلطته التقديرية في اللجوء إلى ظروف التخفيف بكل استقلالية دونما تشكيك في نواياه من أي جهة  كيفما كان مصدرها, مرورا بالتدابير و الوسائل البديلة  من قبيل الإفراج المبكر ,الإفراج المشروط  , الإقامة الجبرية ,استخدام الأجهزة الإلكترونية , العفو , التخفيف من العقوبة لحسن السلوك أو المشاركة في البرامج التعليمية أو إعداد تدابير بديلة لمجموعات خاصة مثل النساء الحوامل و أمهات الأطفال الصغار و المسنين و دوي الاحتياجات الخاصة . فضلا عن تبني تدابير رامية إلى إلغاء تجريم الأفعال الغير العنيفة وتبني إجراءات العدالة التصالحية في الإجراءات الجنائية. وتقليص الفترة بين بداية الإجراءات ونهايتها مع الحكم النهائي.

والملاحظ أن إساءة استعمال بعض التدابير قد يفضي الى نتائج عكسية كما هو الشأن بالنسبة إلى إطلاق السراح المبكر أو الإفراج الجماعي الذي تلتجأ إليه بعض الدول بين الفينة والأخرى لتخفيف حدة الاكتظاظ في السجون والذي يعالج فقط عواقب الاكتظاظ عوض التصدي لأصل الظاهرة. ذلك أن الاستسلام للإفراج الجماعي على نطاق واسع الذي يتعامى الضحايا تكون نتائجه جد مأساوية. و في هذا الصدد يؤكد عالم الإجرام كزافيي بيبان Xavier Bébin       في كتابه ” Quand la justice crée l’insécurité   ”  “حينما تتسبب العدالة في اختلال الأمن ” بأن إطلاق سراح 5000 سجين دفعة واحدة بمقتضى مرسوم عفو سنة 1981 أدى إلى ارتفاع معدل الجريمة ب20 في المائة السنة الموالية أي أدى إلى رفع نسبة الإجرام في سنة واحدة بفرنسا من 53.5 إلى 63 في الألف , مضيفا بأن هذه الظاهرة نفسها سجلت بالولايات المتحدة حينما  قضت أعلى هيئة قضائية بإطلاق سراح جماعي لسجناء   , فبكل سجين أطلق سراحه بالطريقة المذكورة ترتكب 15 جريمة خطيرة إضافية سنويا  أي أن إطلاق سراح السجناء بصورة جماعية يؤجل المشكل و لا يساهم في حله .

ولعل أهم النواحي الواجب إيلاءها الأهمية للقضاء على معضلة الاكتظاظ الحرج يمكن تلخيصها فيما يلي:

• تجنب الالتجاء الى العدالة الجنائية، أو تفادي معالجة بعض القضايا البسيطة جنائيا وتعزيز آليات المصالحة والوساطة وتعويض الضحية.
• تنفيذ عقوبات غير حبسية، والاقتصار على السجن بالنسبة للجرائم العنيفة التي تسبب ضررًا اجتماعيًا خطيرًا.
• التأكد من أن الحرية الشخصية مكفولة كقاعدة عامة أثناء المساطر القضائية والإدارية واعتبار الحرمان من الحرية استثناء من القاعدة كتدبير وقائي مع مراعاة معايير الدقة والضرورة القصوى والتناسب والظرفية.
•الاقتصار على حبس الأشخاص في حدود القدرة الاستيعابية للسجون مع الزيادة في عدد المنشآت السجنية للضرورة القصوى مع احترام المعايير الدولية في هذا الصدد والأخذ بعين الاعتبار وضعية ساكنة السجون الموجودة في وضعية هشة.
• الحد من تسييس الأحكام.

إن الإحصائيات الرسمية المتواترة لنزلاء السجون المغربية توحي بأن السياسة المتبعة في هذا الصدد لا تساعد على إيجاد حلول مستدامة من شأنها التخفيف من آفة اكتظاظ السجون رغم المجهودات المبذولة للحد من الظاهرة التي استفحلت في منظومتنا السجنية و التي عرت على واقع  مفاده أن اللجوء إلى استخدام السجن كأداة للترهيب لم تعد تجدي نفعا و يكشف عن محدودية الدولة في مكافحة الجريمة  وأنه لا مناص من إحداث تغييرات هيكلية على السياسة الجنائية و نظام العقوبات تماشيا مع الفصل 23 من الدستور الذي ينص على وجوب تمتع كل شخص معتقل بظروف اعتقال إنسانية .

– باحث ومحامي بهيئة المحامين بالقنيطرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *