أورنج: الأمن السيبراني لم يعد خيارا بل ضرورة استراتيجية ملحة

في ظل تسارع وتيرة التحول الرقمي الذي يشهده المغرب، وتزايد اعتماد المؤسسات العمومية والخاصة على الحلول التكنولوجية في تسيير خدماتها وأنشطتها، يبرز الأمن السيبراني كأحد أبرز التحديات الاستراتيجية المطروحة اليوم، إذ مع اتساع رقعة الرقمنة، تتنامى في المقابل المخاطر والتهديدات السيبرانية التي قد تستهدف البيانات الحساسة والبنيات التحتية الحيوية، مما يجعل من حماية الفضاء الرقمي أولوية لا تقبل التأجيل.
وفي هذا السياق، أجرت جريدة “مدار21” حوارا مع نهاد مشكور، مديرة قسم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لدى أورنج المغرب، التي تقدم رؤية شاملة حول تطور التهديدات السيبرانية، ودور الفاعلين التكنولوجيين في تعزيز مناعة المؤسسات، إلى جانب إبراز أهمية إدماج الأمن السيبراني منذ المراحل الأولى لتصميم البنيات التحتية الرقمية.
ويسلط هذا الحوار الضوء على مقاربة متكاملة تعتمدها أورنج المغرب، تجمع بين التكنولوجيا والخبرة التشغيلية والذكاء الاصطناعي، بهدف دعم قدرات الصمود الرقمي لدى المؤسسات، ومواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها هذا المجال على المستويين الوطني والدولي، في ظل تصاعد التهديدات وتعقدها بشكل متزايد.
ويأتي هذا الحوار بعد مشاركة “أورنج” في الدورة الثالثة عشرة من المعرض الدولي للتكنولوجيا (SIT) بمراكش كشريك رسمي، بهدف تبادل الخبرات وفتح النقاش حول رهانات الأمن السيبراني والسيادة الرقمية والانتقال الرقمي بالمملكة، إذ تؤكد مشكور أن الأمن السيبراني أصبح اليوم الركيزة الأساسية لضمان الثقة في العالم الرقمي.
وأكدت ضمن الحوار أن أورنج المغرب تدرك الدور المحوري الذي يلعبه الأمن السيبراني كعامل داعم للثقة والتنافسية والسيادة الرقمية، من خلال مواكبة المؤسسات ببنيات تحتية آمنة وخبرات وكفاءات مستمدة من تجربتها في حماية شبكاتها ومنصاتها الحيوية، مضيفة أنه أمام التهديدات السيبرانية التي أصبحت أكثر تعقيدا، ترى أورنج المغرب أن التصدي لها يتطلب تعبئة جماعية وشاملة لمختلف الفاعلين في المنظومة الرقمية.
وفي ما يلي نص الحوار:
لماذا أصبح الأمن السيبراني اليوم قضية استراتيجية وحاسمة؟
نحن نعيش في خضم اقتصاد تكاد معظم أنشطته مرتكزة على الرقميات، كالأبناك، الإدارات، المستشفيات، المقاولات الصناعية، الموانئ أو حتى المحلات التجارية، وهذا التحول يخلق فرصا رائعة ولكنه في نفس الوقت يوسع مجال تعرضه لتهديدات سيبرانية. ففي يومنا هذا، يمكن لأي هجوم سيبراني أن يوقف سلسلة إنتاج، أو تعطيل خدمة عمومية، أو تعطيل نشاط بنك أو اختراق بيانات ومعلومات غاية في الحساسية والأهمية.
واعتبارا لكل ذلك، فقد أصبح الأمن السيبراني رهانا أساسيا لاكتساب القدرة على الصمود الاقتصادي، وضامنا لاستمرار النشاط أو حتى حماية السيادة الوطنية، ونحن لدى أورنج المغرب، نرى ضرورة إدراج عنصر الأمن السيبراني أثناء إعداد تصميم البنيات التحتية الرقمية عوض إضافته لاحقا.
ما هو الدور الذي تضطلع به أورنج المغرب داخل هذه المنظومة؟
دور أورنج المغرب اليوم لا يقتصر على تزويد آليات وأدوات الربط والاتصال فقط، بل يتعدى ذلك بكثير، إذ تتلخص مهمتنا في مواكبة المقاولات والمؤسسات في مسار انتقالها الرقمي عبر تزويدها بالبنيات التحتية، والحلول والخبرات الضرورية التي تؤهلها للعمل والتطور داخل بيئة رقمية موثوقة وآمنة، ونحن نتدخل ونواكب زبناءنا على امتداد سلسلة القيمة بأكملها: الشبكات، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، والبيانات والذكاء الاصطناعي.
ونحتل اليوم مكانة متميزة لأننا نشغل كل يوم بنيات تحتية حساسة تنقل، تحتضن وتؤمن وتحمي معطيات وبيانات ملايين الزبناء، إذ قد قادتنا هذه المسؤولية إلى تطوير خبرات متطورة بمجال السلامة، والمراقبة، والقدرة على الصمود وتدبير المخاطر السيبرانية.
ونضع اليوم مهاراتنا التشغيلية، المكتسبة أثناء حماية بنياتنا التحتية، في خدمة زبنائنا، كما لا نقتصر على اقتراح التكنولوجيات فحسب؛ بل نعمل على تقاسم تجربة ملموسة شيدناها على امتداد سنوات استغلالنا للشبكات والمنصات الحيوية.
وترتكز هذه المقاربة، أيضا، على قوة مجموعة أورنج وعلى خبرتها وحلول Orange Cyberdefense المبتكرة، والمشهود لها بمجال مواكبة المؤسسات العمومية والخاصة أمام التهديدات السيبرانية التي تزداد تعقيدا وشراسة يوما بعد يوم، لذلك طموحنا واضح وبسيط نختزله في تمكين زبنائنا من الابتكار والانتقال بكل ثقة وسلاسة.
ما أبرز التهديدات السيبرانية الأكثر شيوعا التي ترصدونها اليوم؟
نحن نلاحظ أربعة أصناف من التهديدات، أول تهديد هو برمجيات طلب الفدية، التي تعطل أنشطة مقاولة بتشفير بياناتها مقابل طلب فدية، فيما يتجلى التهديد الثاني في هجمات حجب الخدمة الموزعة “DDos” وهي هجمات إلكترونية تعتمد على تعطيل الخدمة وجعلها غير متاحة من خلال إغراقها بحجم هائل من طلبات المرور.
أما التهديد الثالث يتمثل في اختراق الهوية عن طريق التصيد الاحتيالي أو سرقة كلمة المرور، إضافة إلى ذلك نلاحظ في الآونة الأخيرة ارتفاعا في عدد الهجمات التي تستهدف محيطات الحوسبة السحابية والبنيات الحيوية.
وما يمكن ملاحظته اليوم، على وجه الخصوص، هو تزايد تعقيد الهجمات السيبرانية، حيث يلجأ المهاجمون السيبرانيون اليوم لاستعمال التشغيل الآلي، والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتطورة للرفع من فعاليتهم.
هل المغرب معرض بشكل خاص للتهديدات السيبرانية؟
بالتأكيد، المغرب معرض اليوم بشكل قوي للتهديدات السيبرانية، وقد تفاقم هذا التعرض خلال السنوات الأخيرة مع تسريع وتيرة الانتقال الرقمي للمملكة، إذ ساهمت مضاعفة الخدمات الرقمية، واعتماد الحوسبة السحابية والشهرة المتزايدة للمغرب بالمحافل والتظاهرات الدولية الكبرى، في تعرض المغرب لهذه التهديدات.
ومنذ كأس العالم 2022 بقطر، وفي سياق المواعيد الكبرى التي يحتضنها المغرب ويستعد لها، لاحظنا ارتفاعا ملحوظا للهجمات السيبرانية التي تستهدف لمقاولات، والمؤسسات والبنيات التحتية الحيوية، ولدى أورنج المغرب، ترصد فرقنا ارتفاعا ظهر على وجه الخصوص عند بداية سنة 2026، إذ تضاعف حجم الهجمات على البنيات التحتية التي نقوم بتشغيلها بثلاث مرات، مما يعكس كثافة التهديدات والتعقيد المتزايد للهجمات.
وتفسر هذه الوضعية على وجه الخصوص بارتفاع هجمات حجب الخدمة الموزعة “DDos”، وحملات التصيد الاحتيالي ومحاولات اختراق البيانات،
ومع ذلك، فما هو إيجابي من كل ذلك هو أن هذه الوضعية تعكس بلدا في أوج انتقاله الرقمي، بلدا يستفيد من جاذبية أكثر ويحتل مكانة إستراتيجية أكثر بالاقتصاد الرقمي الجهوي.
والرهان المطروح اليوم لم يعد يتعلق بمدى معرفة هل نحن معرضون أم لا؟، بل بكيفية تضافر الجهود بشكل جماعي ومشترك لتعزيز قدرتنا على الصمود أمام التهديدات التي أصبحت دائمة ومستمرة ولا مناص منها.
ما الذي تقوم به أورنج المغرب على أرض الواقع لمساعدة زبنائها لتعزيز حمايتهم من المخاطر والتهديدات السيبرانية؟
تستند مقاربتنا على مبدأ بسيط، يقضي بضرورة دمج الأمن السيبراني بمختلف مراحل تطوير البنية التحتية وتشغيلها، ونحن نواكب زبناءنا ابتداء من مرحلة تقييم مستوى الخطر، وبعدها استعمال أدوات الحماية الملائمة لرهاناتهم.
ويشمل هذا كلا من حماية الشبكات، والولوج، ومحطات العمل، وبيئات الحوسبة السحابية والتطبيقات الحيوية، كما نقترح حلولا متطورة للحماية من هجمات حجب الخدمة الموزعة “DDos”، وتأمين الولوج الآمن عبر نموذج SASE والمراقبة المستمرة للتهديدات.
وتكمن قيمتنا المضافة أيضا في التجربة التي اكتسبناها خلال حمايتنا لبنياتنا التحتية، إذ نفس متطلبات وشروط السلامة، والجاهزية والقدرة على الصمود التي نطبقها على شبكاتنا والمنصات السحابية الخاصة بنا ومراكز بياناتنا تغذي الحلول التي ننفذها لدى زبنائنا.
وبمعنى آخر، نحن نضع رهن إشارتهم المهارة المشهود لنا بها بمجال تدبير البنيات التحتية الحيوية، معززة بخبرتنا اليومية في مواجهة التهديدات المتزايدة باستمرار، ونحن نعتمد أيضا على خبرات وحلول Orange Cyberdefense، ولاسيما ما يتعلق باستخبارات التهديدات السيبرانية، وخدمات الأمن السيبراني المُدارة، والاستجابة للحوادث السيبرانية والممارسات الفضلى المتداولة على الصعيد العالمي، إلى جانب أننا نهدف بالأساس إلى تعزيز مستدام لقدرتهم على الصمود الرقمي كي يتمكنوا من الانكباب والتركيز على مهنهم بكل طمأنينة وأمان.
هل سبق لأورنج المغرب أن تعرضت فعلا لهجمات سيبرانية خطيرة؟
بالفعل. وكما هو الشأن لدى كبار الفاعلين العالميين، نحن نواجه يوميا العديد من محاولات الهجوم والاختراق، وتتجلى مسؤوليتنا في القدرة على الكشف عن هذه الهجمات السيرانية واحتوائها وحماية بنياتنا التحتية نحن وزبنائنا.
ونلاحظ ارتفاعا قويا للهجمات السيبرانية، فمنذ بداية سنة 2026، تضاعف حجم الهجمات على بنياتنا التحتية بثلاثة أضعاف، إذ إن هذا التطور يبين بالملموس على أن التهديدات السيبرانية أضحت اليوم دائمة ومستمرة وعلى أنها تستهدف بشكل متزايد البنيات الرقمية الإستراتيجية.
وهذا المعطى يعزز ويقوي يقظتنا ويبرر الاستثمارات المستمرة التي نرصدها لتعزيز قدراتنا على الكشف، والمراقبة والوقاية من هجمات حجب الخدمة الموزعة DDoS ومواجهة حوادث الأمن السيبراني.
ما الذي يضيفه الذكاء الاصطناعي إلى مجال الأمن السيبراني؟
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي سلاحا قويا لدى المدافعين، إذ يمكن من رصد وتحليل الملايين من وقائع الأمن السيبراني في حينها وتحديد السلوكات المشبوهة أسرع بكثير من التحليل البشري. كما أنه يساهم في تحسين الكشف، وتسريع التجاوب مع الأحداث وتقليص زمن التعرض للتهديدات.
ومع ذلك، فالمهاجمون أنفسهم يستعملون الذكاء الاصطناعي للتشغيل الآلي لبعض الهجمات وإضفاء مزيد من المصداقية على محاولات التزوير، واليوم نشهد سباقا تكنولوجيا حقيقيا حيث أصبحت القدرة على الابتكار عاملا حاسما وضروريا.
ما هي نظرتكم لمفهوم السيادة الرقمية وأهميتها في الوقت الراهن؟
السيادة الرقمية أصبحت اليوم رهانا رئيسيا بالنسبة للمقاولات والدول على حد سواء، فهي لا تتعلق بمعرفة مكان وجود البيانات فحسب، ولكن تتعلق أيضا بمعرفة من يحميها، وتحت أي إطار قانوني تتم استضافتها وكيف يمكن ضمان توفرها وجاهزيتها بشكل مستمر.
ولدى أورنج المغرب، نحن واثقون على أن السيادة الرقمية تعتبر رافعة أساسية للثقة والتنافسية، إذ من خلال بنياتنا المحلية، ومراكز البيانات المتوفرة لدينا، وخدماتنا السحابية وقدراتنا الدفاعية بمجال الأمن السيبراني، نساهم في تزويد المؤسسات المغربية بمحيط آمن يمكنها من مواصلة ضبط أصولها الرقمية الإستراتيجية، والسيادة الرقمية ليست عائقا أمام الابتكار؛ بل تعتبر واحدا من المحفزات الرئيسية لبلوغ الانتقال الرقمي على أكمل وجه.
ما الذي تنصحون به صناع القرار المغاربة لتعزيز الأمن السيبراني و السيادة الرقمية؟
اعتبار الأمن السيبراني استثمارا استراتيجيا عوض النظر إليه كعبئ مالي إضافي، إلى جانب وضع العنصر البشري في قلب هذه المقاربة بما أن قسطا كبيرا من الهجمات السيبرانية يستغل الأخطاء البشرية أو السلوكيات غير الآمنة، إضافة إلى أنه لا بد من تبني مقاربة شمولية تجمع بين العمليات والتكنولوجيات والكفاءات.
ويجب أن نعتبر الأمن السيبراني ليس منتوجا نشتريه مرة واحدة، بل مقاربة مستدامة تقوم على التحسين، والاستباق والتكيف مع المتغيرات.







