حوارات | فن

من الركح للعزلة.. العنقاوي يروي رحلة عمر بين التصفيق والتهميش

من الركح للعزلة.. العنقاوي يروي رحلة عمر بين التصفيق والتهميش

بعد أكثر من خمسة عقود قضاها فوق خشبة المسرح وأمام الكاميرا، خرج الفنان المسرحي، محمد العنقاوي، عن صمته للحديث عن واقع يصفه بـ”المؤلم” يعيشه الفنان المغربي، كاشفاً تفاصيل ما يعتبره تهميشا وإقصاء طالاه لسنوات.

وانتقد العنقاوي، في حوار صريح مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، منظومة الدعم المسرحي، وسياسات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، موجهاً رسائل مباشرة إلى وزارة الثقافة، مستحضرا تجربة عمرها عقود في خدمة المسرح المغربي، ومعبراً عن أسفه لما آلت إليه أوضاع القطاع والفنانين الرواد.

وقال إن المسرح المغربي فقد الكثير من بريقه برحيل عدد من رواده، فيما يعيش من تبقى منهم أوضاعا صعبة، في ظل تراجع مكانة الركح، واعتماد صيغة للدعم لا تستجيب، بحسب رأيه، لحاجيات الفنانين، إلى جانب تأثير انتشار الإنترنت على الإقبال على العروض المسرحية.

وانتقد العنقاوي السياسة المعتمدة في الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، معتبرا أنها تقوم على إعادة تدوير الوجوه نفسها التي أصبحت تحتكر فرص العمل، بينما يتم إقصاء عدد من الممثلين ذوي التجربة والخبرة وإبعادهم بشكل شبه كامل عن الساحة الفنية.

وفي حديثه عن الدعم الموجه للفرق المسرحية، اعتبره “مهينا” للمسرح، ولا يرقى إلى مستوى حفظ كرامة الفنان، وأن توزيعه يتم في كثير من الأحيان وفق منطق المحسوبية والزبونية، مضيفا: “لا أعتبره دعما، لأن الدعم الحقيقي هو الذي يحفظ كرامة الفنان ويضمن له ظروفا لائقة للاشتغال”.

وأوضح في السياق ذاته، أن إلزام الفرق بتقديم خمس أو ستة عروض في جهات مختلفة، دون توفير الإمكانيات الكافية، يثقل كاهلها بمصاريف التنقل والإقامة والتجهيزات التقنية، ما يجعل الاستمرار في العمل أمرا بالغ الصعوبة.

وأكد أن ما يدفعه إلى مواصلة العمل الفني، رغم كل الظروف، هو عشقه للمسرح وارتباطه بالجمهور، مشيرا إلى أن اللقاء المباشر مع المتفرجين ظل دائما مصدر شغفه، غير أنه يشعر بأن هذا الجانب لا يحظى بالاهتمام الكافي من الجهات الوصية.

وانتقد العنقاوي الجمع بين الهواة والمحترفين ضمن منظومة الدعم نفسها، معتبرا أن ذلك أفرغ الاحتراف من معناه، لكون الهاوي، بحسبه، يقبل بأي مبلغ لممارسة شغفه، بينما يحتاج الفنان المحترف إلى دعم يضمن استمرارية عمله وكرامته.

وكشف المتحدث ذاته، أنه سبق أن خاض عدة وقفات احتجاجية أمام وزارة الثقافة ومسرح محمد الخامس، أملا في أن تجد مطالبه آذانا صاغية، غير أنه يعتبر أن المسؤولين يكتفون، أحيانا، بمنح الفنان المحتج عرضا أو عرضين فقط لامتصاص غضبه، بدل معالجة الإشكالات الحقيقية التي يعيشها القطاع.

وانتقد العنقاوي أيضا غياب الحوار مع الوزارة، قائلا إن “الوزير الحالي، محمد المهدي بنسعيد، يرفض استقبال عدد من الفنانين والاستماع إلى مطالبهم”، مضيفا أن الوزراء السابقين كانوا أكثر انفتاحا على التواصل مع أهل المهنة، ويحرصون على اللقاء بهم والاستماع إلى انشغالاتهم.

وتحدث بأسف عن واقع المهنة، مستحضرا تجربة ابنته التي كانت ترغب في دخول المجال الفني، لكنه رفض ذلك بعدما عاين حجم المعاناة التي يعيشها الفنانون، لتختار لاحقا مسارا مهنيا بعيدا عن عالم الفن.

وعبر عن أسفه لما آلت إليه الساحة الفنية، قائلا إن جيل الرواد لم يبخل بالعطاء وأسهم في بناء الحركة المسرحية، لكنهم فوجؤوا بفضاء لا يتسع للجميع، مضيفا: “كانت لنا مكانتنا على الشاشة، لكننا أُبعدنا، وحتى أدوار الآباء والأجداد أصبحت تُسند إلى ممثلين شباب”.

ولم يخف العنقاوي انتقاده للمحتوى الفني المعروض حاليا، معتبرا أن جزءا كبيرا منه لا ينسجم مع قيم المجتمع المغربي ولا يراعي خصوصية الأسرة المغربية، على عكس أعمال الرواد التي كانت، بحسب قوله، تحترم ذوق المشاهد وتحمل رسائل فنية وإنسانية.

واختتم حديثه بكلمات مؤثرة، قال فيها: “أبلغ اليوم 76 سنة، وأستعين أحيانا بعكاز أثناء المشي، ومع ذلك ما زلت أتعرض لمعاملة لا تلقي بي، يؤلمني أن يُعامل فنان أفنى عمره في خدمة المسرح المغربي بهذه الطريقة”.

رابط الحوار:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News