هل أصبح المشهد الحزبي يتغذى من برامج “حزب الأحرار”

عرف التنافس السياسي في المغرب تحولات مهمة، حيث تراجعت الأيديولوجيات وانكمش الصدام حول الهويات الفكرية، منتقلا بذلك نحو التأسيس لمفهوم جديد للتنافس الحزبي تحكمه “النجاعة التدبيرية” و”القدرة التواصلية”.
وفي قلب هذا التحول، برز حزب التجمع الوطني للأحرار ليس فقط كقائد للأغلبية الحكومية، بل كمختبر لإنتاج “فكر سياسي” عصري، ومصدرا للإيحاء الانتخابي والتنظيمي لباقي الهيئات السياسية، التي وجدت نفسها مدفوعة — وعيا أو اضطرارا أحيانا— إلى محاكاة أساليبه لضمان تنافسيتها.
وهو ما يمكن رصد أبعاده الرئيسية من خلال المحددات التالية:
الانتقال من “الموسمية الحزبية” إلى “الدينامية المتواصلة”
من خلال مجموعة من المحطات الانتخابية السابقة، يمكن التأكيد أن النمط السائد في العمل الحزبي المغربي اتسم بـ”الموسمية”، حيث تنشط الماكينات الحزبية مع اقتراب الحملات وتدخل في نوع من “الجمود التنظيمي” بعد ذلك. غير أن وعي “الأحرار” بهذا المعطى دفعه لكسر هذه القاعدة من خلال ابتكار نموذج حزبي نموذجي؛ يقوم على استراتيجية التواصل الميداني المستمر والمبكر (نموذج “100 يوم_ 100 مدينة”، وكل المسارات التواصلية الجهوية).
هذا الأسلوب كان بمثابة إلهام تنظيمي للعديد من الأحزاب الأخرى —من الأغلبية والمعارضة على حد سواء— التي وجدت نفسها أمام حقيقة نسخ تجربة الأحرار خطابا وممارسة، فضلا عن إعادة هيكلة تنظيماتها الموازية.
خطاب برغماتي غني “بالأجندة الاجتماعية”
نجح الحزب في فرض “جدول أعمال” سياسي جديد يركز على لغة الأرقام، المخططات القطاعية، والنتائج الملموسة، مستمدا قوتة من تفاعله العميق وإيمانه مع الورش الملكي لـ”الدولة الاجتماعية”. هذا التموقع جعل من قضايا مثل التغطية الصحية الإجبارية، الدعم الاجتماعي المباشر، وتأهيل قطاعي الصحة والتعليم، المحاور المركزية التي يدور حولها النقاش العمومي.
اليوم، نجد أن البرامج الانتخابية والخطابات السياسية لأغلب الأحزاب المنافسة أصبحت “تتغذى” من نفس هذه المفاهيم، حيث تحول النقاش الحزبي المرافقة للانتخابات المقبلة، من ماذا سنفعل؟ وماهي الوعود التي سنقدمها ؟ إلى كيف سيتم تنزيل هذه الأوراش وبأية نجاعة؟، وهي ترجمة صريحة للفلسفة البرغماتية التي يتبناها الأحرار.
دمقرطة “التواصل السياسي”
شكلت المقاربة التواصلية التي اعتمدها “الأحرار” خلال السنوات الأخيرة، نقطة تحول في تاريخ التواصل السياسي المغربي، حيث قدم الحزب رؤية مبتكرة تجمع بين تفعيل الحقوق الدستورية المرتبطة بالمشاركة السياسية وبين الانفتاح على وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة التي تواكب الأجيال الجديدة والأنماط الحديثة للتواصل.
غير أن هذا النجاح التواصلي، لم يكن مجرد نموذج ملهم لبعض الأحزاب السياسية فقط، بل شكل مصدر قلق انتخابي كذلك لمجموعة حزبية أخرى، والتي وجدت في المفاهيم الإصلاحية التي أسسها الأحرار، أرضية خصبة لتطوير مفرداتها السياسية والإنتخابية ووجدت في محاكاة نموذج الأحرار شرطا أساسيا للبقاء ضمن دائرة الضوء والمنافسة.
ولعل ما يؤكد هذا التعريف، هو خرجات بعض القيادات الحزبية في المعارضة كما في الأغلبية والتي لا تستطيع أن تأخذ مسافة سياسية كافية للتعبير عن نفسها، بقدر ما تبقى سجينة السياسات والبرامج التي جاء بها الأحرار.
وهي مؤشرات تدفعنا للقول بأن حزب التجمع الوطني للأحرار نجح فعلا في “تحديث قواعد الأداء السياسي” ببلادنا وتوجيهها نحو زوايا أكثر نجاعة وفعالية.
يوسف وقسو، باحث في القانون الدستوري






