رأي

الأسود… والديوك

الأسود… والديوك

قبل أن يتقرر موعد مباراة المغرب وفرنسا في الدور ربع النهائي، كان قد خرج علينا من الجانبين من يريد أن يوقظ الأشباح… تراه يفتش في دفاتر التاريخ، وتراه يستحضر كلمات من قبيل الثأر والانتقام وتصفية الحسابات ورد الصاع صاعين، وكأن كرة القدم، في عرفه، قد جاءت لتواصل وتقترف ما عجزت السياسة عن مواصلته واقترافه. لكن الحقيقة أجمل من هذه الصورة المشوشة بكثير. فالمباراة التي تنتظرها الكرة الأرضية برمتها ليست مباراة ثأر… إنها مباراة حياة.

كرة القدم لم تبتكر لتكون وسيلة انتقام، بل ابتكرت لتجمع. لم توجد لتغذي الثارات القديمة، بل لتدفنها، ولتمنح البشر تسعين دقيقة ينسون فيها اختلافاتهم، ويتفقون على شيء واحد: أن الجمال يمكن أن ينبجس من قدم لاعب، وأن الفرح قد يولد من تمريرة كرة.
لهذا، أرفض أن أحمل هذه المباراة ما لا تحتمل. هي مباراة كرة قدم بين شعبين صديقين. إذ ليس منطقيا أن نختزل قرونا من التاريخ في تسعين دقيقة، مهمتها أن تفرحنا وتبهجنا وتسلينا، ولا أن أطلب من اثنا وعشرين لاعبا أن يحملوا فوق أكتافهم أوزار أجيال قد مضت، لها ما لها وعليها ما عليها.

كرة القدم ليست محكمة… وليست بيانا سياسيا… إنها آخر الاحتفالات الجميلة التي ما زال العالم يعرف كيف يجتمع حولها.
المغرب – فرنسا، قمة عمالقة حلت قبل أوانها. ولو خير عشاق الكرة في مباراة لا يتمنون مشاهدتها الآن في هذا الدور، لعينوا لنا هذه المباراة. بالذات كان على الأسود والديوك أن يتريثوا قليلا وأن لا يتقابلوا الا في النهائي.

كل شيء في هذا اللقاء يجلب المتعة. منتخبان يعرف كل منهما الطريق إلى المرمى. نجوم من الطراز الرفيع. مدرستان كرويتان مختلفتان. مدربان ألمعيان. جماهير تصنع الحياة في المدرجات. ورهان يجعل الخطأ الصغير يودي بصاحبه إلى الخروج وخسارة بطولة كاملة.
ثم هناك الحكايات التي كتبها القدر في خلفية المشهد. وما أكثرها… إليكم حكاية أشرف حكيمي وكيليان مبابي. صديقان اقتسما غرفة الملابس، والضحكات، والانتصارات بقميص باريس سان جيرمان، قبل أن يفرقهما قميصا الوطن.

غدا، سيكون كل واحد منهما منافسا للآخر. سيسابق مبابي الريح كما نعرفه، وسيطارده حكيمي كما لو أنه يعرف خطواته قبل أن يبدأها. ليس لأن بينهما خصومة… بل لأن الصداقة الحقيقية لا تعفي أصحابها من شرف التنافس.

وأكاد أجزم أن أجمل صورة في المباراة قد لا تكون هدفا، بل عناقا بينهما بعد صافرة النهاية. عناقا يقول للعالم إن كرة القدم تستطيع أن تصنع منافسة شرسة، دون أن تفسد صداقة جميلة.

وإذا كان التاريخ حاضرا في الخلفية، فإنه لا ينبغي أن ينزل إلى أرضية الملعب. فالتاريخ مكانه الكتب… أما كرة القدم، فمكانها العشب.
وما يجمع المغرب وفرنسا اليوم أكبر بكثير مما قد تفرقه النتائج. بين البلدين ملايين القصص المشتركة. عائلات تقاسمت الضفتين. طلاب عبروا البحر بحثا عن العلم. فنانون ورياضيون ورجال أعمال صنعوا جسورا لا تستطيع مباراة، مهما كانت عظيمة، أن تهدمها.

ولهذا، فإن احترام أحد المنتخبين للآخر ليس مجاملة… بل اعتراف متبادل بالقيمة. فرنسا تعرف أنها تواجه منتخبا لم يعد ضيفا على الكبار، بل صار واحدا منهم. والمغرب يعرف أنه يواجه مدرسة كروية صنعت مجدها بالموهبة والعمل والاستمرارية.

أما داخل المستطيل الأخضر… فلا مكان إلا للحقيقة. هناك أحد عشر أسدا… وأحد عشر ديكا. كل طرف يريد أن يكون له القدح المعلى. كل طرف يحلم بأن يواصل الرحلة. كل طرف مستعد لأن يترك آخر قطرة عرق فوق العشب.

وهكذا يجب أن تكون المباريات الكبيرة… ندية حتى آخر ثانية… واحتراما حتى آخر مصافحة.

غدا سيهتف المغاربة للمغرب… وسيهتف الفرنسيون لفرنسا… لكنني أتمنى أن يصفق الجميع لكرة القدم. لأن المباريات العظيمة لا تقاس بعدد الأهداف فقط، بل بعدد الذكريات التي تتركها في القلوب.

وأحسب أن ليلة الأسود والديوك ستصبح واحدة من تلك الليالي التي سيعود إليها عشاق اللعبة بعد سنوات، لا ليتذكروا من انتصر فقط، بل ليتذكروا كيف يمكن لمباراة واحدة أن تجمع التاريخ والصداقة، والندية والاحترام، والشغف والجمال، في تسعين دقيقة.

وعندما يطلق الحكم صافرة النهاية، سيتأهل منتخب، ويودع آخر، وستبقى الصداقة بين حكيمي ومبابي كما هي، وستبقى الجسور بين الشعبين أقوى من أي نتيجة. لأن الفائز الأكبر، في النهاية، يجب أن يكون… كرة القدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News