رأي

منتخب كرة القدم… الطريق إلى القمة لا يُعبّد بالانتصارات وحدها

منتخب كرة القدم… الطريق إلى القمة لا يُعبّد بالانتصارات وحدها

ليس مستغربا أن يحزن المغاربة، وأن يتسلل القلق إلى نفوسهم بعد خروج المنتخب الوطني من منافسات كأس العالم 2026، والحزن هنا ليس على هزيمة في مباراة، وإنما على حلم اقترب كثيرا، حتى خُيّل إلينا أنه صار في متناول اليد.

ولابد من التذكير أن الزمن الذي كنا نحتفل فيه بالمشاركة فقط، قد ولى، وجاء زمن أصبح فيه المغاربة يغضبون لأن منتخبهم لم يواصل طريقه نحو الأدوار الأخيرة، وهذا في حد ذاته أكبر دليل على حجم التحول الذي عرفته كرة القدم الوطنية.

ان المنتخب لم يرفع فقط مستواه الفني، بل رفع سقف أحلام شعب بأكمله، ونقل الطموح من دائرة الأمنيات إلى دائرة الإمكان.

ومن حق المغاربة، بل من واجبهم، أن يناقشوا اختيارات المدرب محمد وهبي، وأن ينتقدوا طريقة اللعب، وأن يتساءلوا عن أسباب الإقصاء، بما فيها أي دور محتمل للجامعة الملكية لكرة القدم ورئيسها فوزي لقجع، فالرياضة كيغرها من المجالات، لا تتطور في ظل التصفيق الدائم، كما أنها لا تستقيم وسط حملات الهدم والتشكيك، والنقد البناء هو الوجه الآخر للمحبة بلغة المشاعر، أما التجريح والانفعال فهما أقصر الطرق إلى إفساد أي تجربة ناجحة.

لكن وسط هذا الغضب المشروع، ينبغي ألا تغيب عنا الحقيقة الأهم، فالمغرب اليوم لم يعد له منتخب يبحث عن مكان بين الكبار، بل أصبح رقما صعبا في كرة القدم العالمية، ينافس دولا سبقته بعقود في الاستثمار في التكوين، والبنيات التحتية، واكتشاف المواهب، وصناعة المنظومات الرياضية المتكاملة، وما تحقق لبلادنا لم يكن ضربة حظ، ولا ثمرة جيل عابر، وإنما نتيجة رؤية وعمل واستثمار متواصل.

وإذا كانت كرة القدم تقاس بالأهداف والانتصارات، فإنها تقاس أيضا بما تعكسه من قيم وهوية، وفي هذا الجانب قدم المنتخب الوطني درسا بليغا للعالم، حيث حمل لاعبوه معهم صورة المغرب كما يحب المغاربة أن تُرى، شباب يعتزون بوطنهم، ويسجدون شكرا لله عند الفرح، ويرفعون العلم الوطني بفخر، ويعلنون تضامنهم مع الشعب الفلسطيني دون تردد أو مزايدة.

تلك المشاهد لم تكن مجرد لقطات املتها في لحظة نشوة، بل كانت تعبيرا عن ثروة المغرب اللامادية، وعن منظومة قيم لا تُصنع في ملاعب كرة القدم وحدها، وإنما في الأسرة والمدرسة والمجتمع.

ومع ذلك، فلا وجود لمنظومة بشرية كاملة، فالمنتخب الوطني، مهما بلغت إنجازاته، لاشك انه لا يخلو من نواقص تستوجب التقييم الهادئ والمراجعة الصادقة، فهناك تفاصيل تقنية، وخيارات تكتيكية بلغة أهل الاختصاص، وجوانب تنظيمية كذلك، يمكن أن تجعل هذا المشروع أكثر قوة وصلابة إذا أُحسن التعامل معها بعيدا عن الانفعال.

إن الأمم التي تصنع أمجادها لا تهدم ما بنته عند أي تعثر، ولا تحول الإخفاق إلى محاكمة شاملة، وإنما تثمن المنجز، ثم تفتح ملفات النقص دون خوف أو مجاملة، وهذا ما يحتاجه المنتخب الوطني اليوم.

هناك حاجة لأن نحافظ على الثقة في المشروع، وأن نواصل البناء، وأن نصحح الأخطاء، لأن الطريق إلى القمة لا يُعبّد بالانتصارات وحدها، وإنما أيضا بحسن إدارة لحظات الإخفاق.

لقد منحنا هذا المنتخب ما هو أكبر من نتائج المباريات، منح المغاربة الثقة في أنفسهم، وأقنع العالم بأن المغرب قادر على منافسة الكبار، وقدم نموذجا مشرفا للرياضي المغربي والإنسان المغربي عموما، ولذلك فإن الواجب اليوم ليس أن نختار بين التثمين أو النقد، بل أن نجمع بينهما، أي أن نثمن ما تحقق لأنه يستحق التثمين، وننتقد ما ينبغي انتقاده لأن ذلك هو السبيل الوحيد إلى مزيد من التقدم.

والمنتخبات الكبيرة لا تُعرف بأنها لا تخسر، وإنما بأنها تعرف كيف تحول الخسارة إلى بداية جديدة، والمنتخب الوطني الذي نجح في صناعة الحلم قبل أربع سنوات بقطر، وكرسه بوصوله إلى ربع نهاية كأس العالم 2026، مطالب اليوم بأن يواصل صناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News