رغم الإصلاحات.. دراسة تكشف استمرار الفجوة بين التكوين المهني وسوق الشغل بالمغرب

خلصت دراسة أكاديمية حديثة إلى أن منظومة التكوين المهني بالمغرب انتقلت خلال السنوات الأخيرة من نموذج إداري تقليدي إلى مقاربة جديدة تقوم على الحكامة التشاركية والجهوية واستشراف حاجيات سوق الشغل، غير أن هذه الإصلاحات ما تزال تواجه تحديات بنيوية تحد من قدرتها على تحقيق المواءمة الكاملة بين التكوين والتشغيل والتنمية الترابية.
الدراسة، التي حملت عنوان “التكوين المهني في المغرب في مواجهة الإصلاحات: التحولات المؤسساتية وإعادة هيكلة الحكامة وتحديات قابلية التشغيل”، أنجزها الباحثان مها بولارطال وجمال تسولي مستايكد من كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، ونشرت في فاتح يونيو 2026، ضمن المجلد الخامس، العدد الثالث من المجلة العلمية التي احتضنت البحث.
وأوضحت الدراسة أن الإصلاحات التي عرفها القطاع لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد تغييرات تنظيمية أو مؤسساتية، بل باعتبارها انتقالا تدريجيا نحو نموذج جديد للحكامة يعتمد على تحليل حاجيات التكوين، وإشراك الفاعلين الاقتصاديين، وتعزيز الجهوية، واستشراف المهن المستقبلية، بما يتيح مواءمة أفضل بين منظومة التكوين ومتطلبات الاقتصاد الوطني.
وأكد الباحثان أن هذا التحول يستند إلى مراجعة شاملة لمسار إصلاح التكوين المهني منذ إحداث مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل سنة 1974، مرورا بالميثاق الوطني للتربية والتكوين، والرؤية الاستراتيجية 2015-2030، والقانون الإطار 51.17، وصولا إلى خارطة الطريق لسنة 2019 والاستراتيجية الوطنية للتكوين المهني لسنة 2021، التي اعتبراها أبرز محطات إعادة بناء حكامة القطاع.
وأبرزت الدراسة أن السياق الدولي يشهد تحولات متسارعة بفعل العولمة والتطور التكنولوجي وظهور مهن جديدة، وهو ما جعل التكوين المهني يتحول إلى رافعة استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، في وقت تؤكد فيه المنظمات الدولية باستمرار أهمية بناء منظومات تكوين قادرة على مواكبة التغيرات وتقليص الفجوة بين المهارات المكتسبة واحتياجات سوق الشغل.
وفي الحالة المغربية، سجل الباحثان أن إصلاحات القطاع استهدفت الانتقال من منطق يركز على التأهيل المهني التقليدي إلى مقاربة ترتكز على تنمية الكفاءات وتعزيز قابلية التشغيل والتكيف مع التحولات الاقتصادية، إلا أن العديد من التقارير الوطنية والدولية ما تزال ترصد فجوة واضحة بين المهارات التي تفرزها منظومة التكوين وتلك التي يطلبها المشغلون، وهو ما ينعكس في استمرار بطالة الشباب وصعوبات إدماج الخريجين في سوق العمل.
ورأت الدراسة أن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2015-2030 شكلت منعطفا مهما بعدما وضعت التكوين المهني ضمن مشروع شامل لإصلاح المنظومة التربوية، داعية إلى توسيع العرض التكويني، واعتماد المقاربة بالكفاءات، وتعزيز التكوين بالتناوب داخل المقاولات، فضلا عن إرساء حكامة جهوية تعتمد على شبكات جهوية ومراصد لمواءمة التكوين مع خصوصيات الاقتصاد المحلي.
كما اعتبرت أن القانون الإطار 51.17 منح هذه التوجهات بعدا قانونيا، من خلال إدماج التكوين المهني داخل المنظومة الوطنية للتربية والتكوين، وترسيخ مبادئ اللامركزية والتعاقد والشفافية والمساءلة، مع اعتماد نظام معلوماتي وطني لتدبير القطاع، بما يسمح باستخدام البيانات الرقمية في التخطيط والتقييم وتحسين الحكامة.
وفي تقييمها لمسار الإصلاح، أشارت الدراسة إلى أن أكبر تحول عرفه القطاع يتمثل في الانتقال من إصلاحات مؤسساتية متفرقة إلى إعادة هيكلة شاملة للحكامة، بعدما أصبح النقاش يركز على جودة التدبير، وتوزيع الاختصاصات، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، أكثر من التركيز على توسيع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات.
وسجل الباحثان أن تعدد الفاعلين داخل المنظومة، رغم ما يوفره من إمكانات، أدى تاريخيا إلى نوع من التجزؤ وضعف التنسيق بين المؤسسات، وهو ما انعكس سلبا على العدالة المجالية وعلى قدرة المنظومة على الاستجابة السريعة لمتطلبات الاقتصاد الوطني، داعيين إلى اعتماد حكامة استراتيجية متعددة المستويات، تمنح الجهات دورا أكبر في تحديد الحاجيات، مع الحفاظ على التوجيه الاستراتيجي على المستوى الوطني.
وفي السياق ذاته، اعتبرت الدراسة أن الاستراتيجية الوطنية للتكوين المهني لسنة 2021 أعادت تعريف أدوار مختلف المتدخلين، من خلال إنشاء لجان وطنية وجهوية وقطاعية، وإرساء منظومة لرصد حاجيات سوق الشغل تعتمد على قواعد البيانات والخرائط التوقعية، بما يسمح بالانتقال من تدبير يعتمد على الاستجابة الظرفية إلى حكامة قائمة على استشراف المهارات المستقبلية.
غير أن الباحثين نبها إلى أن هذا النموذج الجديد يظل معرضا لعدة اختلالات، من بينها استمرار التوتر بين المركزية والجهوية، وتفاوت قدرات الجهات على تنفيذ السياسات العمومية، وضعف مشاركة المقاولات الصغرى والمتوسطة في تحديد حاجيات التكوين، فضلا عن محدودية استغلال المعطيات المتوفرة في صناعة القرار.
وأفردت الدراسة حيزا مهما لمدن المهن والكفاءات، معتبرة أنها تمثل أبرز ابتكار مؤسساتي في خارطة الطريق لسنة 2019، لأنها تقوم على مقاربة ترابية تجعل العرض التكويني مرتبطا بالأولويات الاقتصادية لكل جهة، سواء في الفلاحة أو الصناعة أو السياحة أو الرقمنة أو الذكاء الاصطناعي، مع اعتماد حكامة ثلاثية تضم الدولة والجهات والقطاع الخاص.
وأوضحت أن نجاح هذه المؤسسات لن يرتبط فقط بتحديث البنيات التحتية أو اعتماد مناهج جديدة، وإنما بقدرتها على إنتاج معلومات دقيقة حول حاجيات الاقتصاد الجهوي، وضمان التنسيق بين مختلف الفاعلين، وتوفير آليات دائمة لتقييم جودة التكوين وملاءمته مع التحولات الاقتصادية.
ورغم ما تحقق من إصلاحات، شددت الدراسة على أن الاختلالات البنيوية لا تزال قائمة، إذ يستمر ضعف التنسيق بين المؤسسات، وتتواصل الفجوة بين العرض التكويني ومتطلبات سوق الشغل، كما أن تعدد المتدخلين قد يؤدي أحيانا إلى بطء اتخاذ القرار بدل تعزيز النجاعة، خاصة في غياب آليات واضحة لتوزيع المسؤوليات.
وخلص الباحثان إلى أن مستقبل التكوين المهني بالمغرب رهين بالانتقال من حكامة تفاعلية تستجيب للحاجيات الحالية إلى حكامة استباقية قادرة على توقع المهن المستقبلية، من خلال تقوية أنظمة المعلومات، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، وإشراك المقاولات بشكل أوسع، وتمكين الجهات من إنتاج واستثمار البيانات المتعلقة بالمهارات، بما يجعل التكوين المهني رافعة فعلية للتشغيل والتنمية الجهوية المستدامة.







