حصيلة الحكومة في قطاع التربية الوطنية (2021-2026): قراءة تحليلية في أبرز المنجزات

شكّل إصلاح منظومة التربية الوطنية ببلادنا إحدى الأولويات الاستراتيجية للحكومة خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2021 و2026، بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي أشرف على تدبير هذا القطاع لما له من أهمية بالغة في بناء صرح الدولة الاجتماعية، وتحسين جودة التكوين والارتقاء به، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الاستثمار في التعليم يمثل المدخل الأساسي لبناء الدولة الاجتماعية وتحقيق التنمية المستدامة. وفي هذا الإطار، باشرت الحكومة مجموعة من الإصلاحات الهيكلية المهمة التي مست الجوانب المالية والبيداغوجية والإدارية والاجتماعية، وهو ما انعكس على طبيعة التدخل العمومي داخل القطاع.
أولًا: الرفع من ميزانية التعليم ببلادنا
اعتمدت الحكومة مقاربة قوامها توفير الإمكانات المالية الكفيلة بإنجاح الإصلاح، وهو ما تجسد في الزيادة المهمة التي عرفتها ميزانية قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي، حيث انتقلت من حوالي 58 مليار درهم سنة 2021 إلى ما يقارب 99 مليار درهم برسم سنة 2026، أي بزيادة تناهز 41 مليار درهم، وبنسبة تقارب 71%، وهو تطور يعكس القناعة بأن أي إصلاح حقيقي للتعليم يظل رهينًا بتعبئة الموارد المالية الكافية، بما من شأنه تنزيل إصلاح فعال ومنتج.
وقد مكنت هذه الاعتمادات المالية المهمة من تمويل مشاريع إصلاحية كبرى، شملت تأهيل المؤسسات التعليمية، وتطوير البنيات التحتية التربوية، وتعزيز برامج الدعم الاجتماعي، وتحسين الوضعية المهنية لنساء ورجال التعليم، إضافة إلى تمويل الأوراش البيداغوجية الجديدة، وفي مقدمتها مشروع مؤسسات الريادة بالسلكين الابتدائي والثانوي الإعدادي.
ثانيًا: مشروع “مؤسسات الريادة” وانعكاساته الإيجابية
يُعد مشروع “مؤسسات الريادة” أحد أبرز المشاريع الإصلاحية التي أطلقتها الحكومة، باعتباره يركز، لأول مرة، بشكل مباشر على معالجة التعثرات الدراسية، والرفع من مستوى التحصيل الدراسي لدى التلاميذ، والاشتغال على التمكن من التعلمات الأساس، وتقليص الفوارق الفردية والجماعية بين المتعلمين، بهدف بلوغهم مستوى التمكن من غايات المنهاجين الدراسيين بالسلكين الابتدائي والثانوي الإعدادي، عوض الاقتصار على الإصلاحات الإدارية أو التنظيمية المحدودة الأثر.
وقد اعتمد المشروع مقاربة “التدريس وفق المستوى المناسب”، التي تقوم على تشخيص المكتسبات الحقيقية للمتعلمين قبل برمجة عمليات الدعم التربوي، بشقيه القبلي والبعدي، ثم الانتقال إلى المعالجة والتثبيت، بما يضمن تقليص الفوارق داخل القسم الدراسي، وتحسين وتيرة التمكن من التعلمات بمختلف أصنافها.
وشهد المشروع توسعًا سريعًا، إذ انتقل من 626 مؤسسة ابتدائية في مرحلته التجريبية إلى أكثر من 4600 مؤسسة تعليمية، مع انطلاق تجربة مؤسسات الريادة بالسلك الإعدادي، وهو ما يعكس نجاح التجربة وثقة الوزارة في قدرتها على تحسين جودة التعلمات والارتقاء بها، تحقيقًا لمدرسة الجودة للجميع.
ويمثل هذا المشروع تحولًا في فلسفة الإصلاح التربوي المغربي، إذ انتقلت الدولة من التركيز على تعميم الولوج إلى المدرسة إلى جعل جودة التعلمات محورًا رئيسيًا للسياسة التعليمية.
ثالثًا: تفعيل الحوار الاجتماعي في قطاع التعليم وانعكاساته الإيجابية
أدركت الحكومة أن نجاح أي إصلاح تربوي يظل رهينًا بتحفيز العنصر البشري، لذلك أولت أهمية خاصة للحوار الاجتماعي القطاعي، الذي أفضى إلى إقرار نظام أساسي جديد لموظفي وزارة التربية الوطنية سنة 2023، وحّد مختلف الفئات المهنية داخل إطار قانوني ومسار مهني موحدين، وساهم في تسوية مجموعة من الملفات الفئوية التي ظلت عالقة لسنوات، ومن أبرزها ملف خارج السلم للمقصيين منه، وملف الزنزانة 10، وملف أطر التوجيه والتخطيط التربوي، والممونين، وغيرها من الملفات الفئوية بالقطاع.
كما أقرت الحكومة، بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، زيادة عامة في أجور الشغيلة التعليمية بلغت 1500 درهم صافية شهريًا، مع تحسين عدد من التعويضات المهنية المرتبطة بمهام التصحيح والحراسة وغيرها، وبذلك ارتفعت ميزانية القطاع من 58 مليار درهم سنة2021 إلى 99 مليار درهم سنة 2026 .
وتعكس هذه الإجراءات إرادة سياسية لإعادة الاعتبار لهيئة التدريس، وتحسين جاذبية مهنة التعليم، بما يسهم في استقرار المنظومة التربوية والرفع من مردوديتها.
رابعًا: تعميم التعليم الأولي رافعة لتحقيق الإنصاف بين جميع المغاربة
واصلت الحكومة تنزيل الورش الملكي السامي المتعلق بتعميم التعليم الأولي، من خلال إحداث آلاف الأقسام الجديدة، وتوسيع العرض التربوي، ورفع نسبة التغطية إلى مستويات متقدمة مقارنة بالسنوات السابقة، حيث ارتفعت نسبة التمدرس بهذا السلك من 72.5% سنة 2021 إلى حوالي 85% خلال الموسم الدراسي 2025-2026، أي بزيادة قدرها 12.5 نقطة مئوية، مما يعكس التقدم المحرز في تنزيل هذا الورش، الذي من شأنه تجسيد مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص للجميع، والحد من التعثر الدراسي منذ السنوات الأولى للتمدرس.
ويكتسي هذا الورش أهمية استراتيجية، بالنظر إلى ما أثبتته الدراسات التربوية من أن الاستثمار في التعليم الأولي ينعكس إيجابًا على المسار الدراسي للمتعلمين، ويقلص من نسب التعثر والانقطاع عن الدراسة مستقبلًا.
خامسًا: الدعم الاجتماعي رافعة أساسية لمحاربة الهدر المدرسي
عملت الحكومة على توسيع برامج الدعم الاجتماعي الموجهة للتلاميذ، عبر تعزيز خدمات النقل المدرسي، والمطاعم المدرسية، والداخليات، والمدارس الجماعاتية، مع استهداف الوسط القروي والمناطق ذات الهشاشة الاجتماعية بشكل أكبر.
وقد ساهمت هذه البرامج في تحسين ظروف التمدرس والحد من الانقطاع المبكر عن الدراسة، خاصة بالنسبة للفتيات بالعالم القروي، وهو ما ينسجم مع أهداف العدالة المجالية وتكافؤ الفرص.
سادسًا: التحول الرقمي بقطاع التربية الوطنية رافعة لحكامة تربوية أكثر نجاعة
شهد قطاع التربية الوطنية خلال هذه المرحلة تسريعًا لوتيرة التحول الرقمي، سواء على مستوى تدبير الموارد البشرية، أو الخدمات الإدارية، أو تتبع الأداء التربوي، أو تطوير المنصات الرقمية الخاصة بالتكوين والتقويم.
كما عملت الوزارة على اعتماد مؤشرات جديدة لتقييم الأداء التربوي، وربط التدبير بالنتائج، بما ينسجم مع مبادئ الحكامة التربوية الجيدة والنجاعة في تدبير المرفق العمومي.
قراءة تحليلية للحصيلة الحكومية (2021-2026) بقطاع التربية الوطنية
تكشف القراءة الموضوعية لحصيلة الحكومة خلال الفترة 2021-2026 أن قطاع التربية الوطنية عرف تحولًا نوعيًا مقارنة بالمراحل السابقة، سواء من حيث حجم الاستثمارات العمومية، أو طبيعة الإصلاحات المنجزة، أو الجرأة السياسية في معالجة عدد من الملفات التي ظلت عالقة لسنوات خلال عهود الحكومات السابقة.
ويمكن اعتبار هذه المرحلة، بحق، بداية انتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق الإصلاح الهيكلي، حيث لم تعد المقاربة الحكومية تقتصر على معالجة الإكراهات الآنية، بل اتجهت نحو بناء نموذج جديد للحكامة التربوية قائم على الاستثمار، وتحسين جودة التعلمات، وتثمين الرأسمال البشري.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الحكومة، بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، نجحت في إحداث دينامية إصلاحية حقيقية داخل قطاع التربية الوطنية، من خلال الجمع بين تعبئة الموارد المالية، وإطلاق أوراش بيداغوجية مبتكرة، وفي مقدمتها مشروع مؤسسات الريادة، وتحسين أوضاع الموارد البشرية، وتعزيز البعد الاجتماعي للمدرسة العمومية المغربية.
ورغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بجودة المخرجات التعليمية وتقليص الفوارق المجالية، فإن الحصيلة المسجلة تؤشر على تحول استراتيجي كبير، من شأنه أن يشكل قاعدة صلبة لمواصلة الإصلاح خلال السنوات المقبلة، لاسيما أن حزب التجمع الوطني للأحرار يمتلك برنامجًا سياسيًا واعدًا في قطاع التربية الوطنية، يقوم على مرتكزات تروم مواصلة الإصلاح من خلال تعميم مؤسسات الريادة بالسلكين الابتدائي والثانوي الإعدادي، إلى جانب تعميم تدريس اللغة الأمازيغية بالتعليم الابتدائي، بالإضافة إلى تعميم تدريس اللغة الإنجليزية بالسلك الثانوي الإعدادي، وذلك في إطار الحرص على مواصلة تنزيل خارطة الطريق 2022-2026.
كما أن الالتزام الثاني الذي يتضمنه البرنامج الانتخابي لحزب التجمع الوطني للأحرار، والمتمثل في تحسين جودة الخدمات العمومية، يتضمن إجراءات مرتبطة بالخدمة الاجتماعية العمومية في مجال التعليم، ومن أهمها مواصلة دينامية الرفع من جودة التعليم، والاستمرار في الحد من الهدر المدرسي، ولاسيما بالعالم القروي.






