رأي

اكتبوا سطركم من المجد

اكتبوا سطركم من المجد

هناك مباريات تلعب من أجل ثلاث نقاط، وأخرى تلعب من أجل التأهل، ثم هناك مباريات تُخاض لتصبح جزءاً من ذاكرة الشعوب. مباراتنا غدا ضد هولندا هي من أجل هذين الهدفين الأخيرين، لذلك فهي ليست مجرد مباراة في دور الـ32، بل موعد مع التاريخ، وامتحان لجيل اختار أن يجعل المستحيل ممكناً، والحلم مشروعاً وطنياً.
اليوم يقف أسود الأطلس على عتبة جديدة. نكون أو لا نكون. نستمر، فنؤكد أن ملحمة قطر لم تكن مصادفة، بل بداية عصر كروي جديد، أو نرضى من الغنيمة بالإياب كما قال امرؤ القيس، فنغادر مرفوعي الرؤوس، على أمل أن يكون الموعد الأكبر فوق أرض المغرب سنة 2030.

صحيح أن هولندا من عمالقة كرة القدم العالمية، وأن اسمها وحده يكفي لاستحضار تاريخ طويل من الإبداع ومن الأسماء الكبرى، لكن المغرب لم يعد ذلك المنتخب الذي يدخل مثل هذه المباريات بعقدة الأسماء الكبيرة. لقد صار بدوره اسماً كبيراً، منتخباً تسهر من جرائه الفرق وتختصم… المنتخب الخامس في التصنيف العالمي الذي ترفع له القبعة في العالم بأسره. الفريق الذي استحق مكانته بالعرق والجهد والتخطيط وبعد الرؤية.

في قطر، دخل المغرب، كما نتذكر جميعاً، ثمن النهائي كمفاجأة جميلة، تراقبه العيون بشيء من الفضول، وترى فيه معظم التحليلات أملاً لن يطول أمده، إلى أن أثبت لهم العكس. أما اليوم، فإن المغرب يدخل هذا الموعد وهو أحد المرشحين للكأس، لا بناء على إنجازات الأمس فقط، بل لأنه صاغ شخصية البطل، وصار منافسوه يستعدون له كما يستعدون لأقوى المنتخبات.

وليد الركراكي لم يمنح المغاربة آنذك مجرد إنجاز تاريخي، بل منحهم ثقة جديدة في أنفسهم، وساهم في ترسيخ ثقافة الانتصار مقنعا العالم بأن المغرب قادر على معانقة الكبار دون خوف. واليوم، لا يطلب من محمد وهبي أن يقلد وليد، فالتاريخ لا يكرر نفسه، والرجل هو الأسلوب. ولذلك يُطلب منه أن يضيف لمسته الشخصية ، وأن يحمل الشعلة التي أوقدها من سبقه، حتى يبقى وهجها مشتعلاً.

إنها اذن مباراة تحتاج إلى رجال يؤمنون بأن النجاح يتحقق بالقلوب الذكية التي لا تهاب أي فريق. كما أنها مباراة يحتاجها وطن بأكمله، كونه ينتظر أن يرى رايته ترفرف مرة أخرى بين كبار العالم، ليتأسس ويترسخ تقليد جديد اسمه المغرب.

ولمَ لا تشكل إنجازات هذا المنتخب تلك الشرارة التي تطلق نهائيا قطار النهضة الشاملة ببلادنا؟ ذلك هو الرهان الحقيقي من كل هذا المسار الكروي.
فيا أسود الأطلس… يا بونو، يا حكيمي، يا آيت بوعدي، يا أوناحي، يا دياز، يا صيباري… يا كتيبة الفخر، ويا كل اللاعبين ممن سيخوضون هذه الملحمة، سواء كنتم أساسيين أو بدلاء .

لا تحملوا معكم إلى الملعب ثقل التوقعات، بل قوة الإيمان. لا تنظروا إلى اسم المنافس، بل إلى العلم الذي يرفرف على صدوركم. العبوا بعقولكم، وقاتلوا بقلوبكم، واربحوا اللقاء بأذهانكم قبل أن تربحوه بأقدامكم. وثقوا، وأنتم تلعبون، أن أمةً بأكملها ستعيش معكم كل تمريرة، وكل تدخل، وكل تسديدة، لأنها لا ترى فيكم مجرد لاعبين، بل ترى فيكم صورة المغرب الذي لا يليق به إلا النصر.

وتذكروا أن الأوطان لا تطلب من أبنائها المستحيل… إنها تطلب منهم فقط أن يقاتلوا حتى آخر نفس. فإذا فعلتم، فسيصفق لكم الوطن في كل الأحوال، أما إذا انتصرتم، فستضيفون صفحة جديدة إلى كتاب المجد الكروب المغربي الذي بدأ في قطر… ولم تكتمل كل سطوره بعد.

واعلموا أيضاً أن المغاربة لا يعشقون كرة القدم لأنها لعبة مثيرة فحسب، بل لأنها أصبحت مرآة لأجمل ما فيهم؛ للوحدة حين تختلف الآراء، وللانضباط حين تشتد الصعاب، وللإيمان حين تبدو الأحلام بعيدة. ما صنعتموه من زخم وطني، وما غرستموه في النفوس من ثقة وروح جماعية، سوف لن يبقى حبيس الملاعب، بل ينبغي له أن يمتد إلى مدارسنا وجامعاتنا، وإداراتنا ومقاولاتنا، ومستشفياتنا ومختبراتنا، وإلى كل ورش من أوراش الوطن. الأمم تبنى بالموهبة والموهوبين،ولكن بالخصوص بالقيم التي يجسدونها كقدوات : العمل، والانضباط، والإخلاص، وروح الفريق، والثقة بالنفس.

ولذلك ،فأنتم لا تقدمون للمغاربة كرة قدم جميلة فحسب، بل تقدمون لهم درساً في بناء الإنسان. لقد أصبحت الكرة، معكم، أكثر من رياضة؛ أصبحت مدرسة للمواطنة، وسردية لوطن يؤمن بأن النجاح ليس ضربة حظ، بل ثمرة رؤية، وعمل، وانضباط، وتضحية. فاكتبوا غداً سطركم من المجد، فالمغاربة فيكم صورة المغرب الذي يحلم، ويعمل، ثم ينجح. وإذا ما نحن نجحنا غدا في أن ننقل هذه الروح من الملاعب إلى كل مجالات الحياة، فلن يكون ما تصنعونه اليوم نهاية قصة، بل بداية نهضة وطن بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News