بنعليلو: الفساد يضيع حقوق المواطنين قبل الأموال وحماية المبلغين أولوية

دعا محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، إلى إعادة بناء العلاقة بين منظومتي حقوق الإنسان ومكافحة الفساد على أسس أكثر عمقاً وتكاملاً، معتبراً أن التطورات الدولية الراهنة تفرض تجاوز المقاربة التقليدية التي تحصر هذه العلاقة في نطاق ضيق.
وأوضح بنعليلو، خلال مشاركته اليوم الخميس، في لقاء نظمته المملكة المغربية بقصر الأمم بجنيف تحت شعار “حماية حقوق الإنسان من خلال الوقاية من الفساد”، أن النقاش حول الفساد وحقوق الإنسان ينبغي ألا يظل محصوراً في الحديث عن الأموال المهدورة أو الخسائر الاقتصادية، بل يجب أن ينصرف إلى الأثر المباشر للفساد على أصحاب الحقوق، وما يترتب عنه من ضياع لفرص التنمية وتقويض للحقوق الأساسية.
وأكد المتحدث أن المقاربة الجديدة تقتضي استحضار مختلف أوجه الفساد، بما في ذلك الفساد المرتبط بالنوع الاجتماعي، باعتباره عائقاً أمام تحقيق المساواة والإنصاف المؤسساتي، مشدداً على ضرورة الانتقال من سؤال “كيف نحارب الفساد؟” إلى سؤال أكثر جوهرية يتمثل في “كيف نحمي حقوق الإنسان عبر مكافحة الفساد؟”.

واعتبر بنعليلو أن العالم يوجد اليوم أمام “لحظة فكرية جديدة وجدية” تستدعي الانتقال من مجرد الاعتراف بوجود علاقة بين حقوق الإنسان والفساد إلى إعادة بناء هذه العلاقة وفق أسس معيارية أكثر عمقاً، من خلال تطوير القرارات الأممية ذات الصلة في آليات مكافحة الفساد وآليات حقوق الإنسان، وضمان التقائية المؤشرات والمسارات الأممية في هذا المجال.
وفي هذا السياق، شدد على أن التزامات الدول في مجال حقوق الإنسان لا تقتصر على احترام الحقوق وحمايتها وإعمالها، بل تشمل أيضاً الوقاية من الفساد باعتبارها جزءاً من واجب العناية الملقى على عاتق الدول، ومن التزاماتها الإيجابية الرامية إلى ضمان الحماية الفعلية لحقوق الإنسان.
وأضاف رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن هذا الالتزام يمتد كذلك إلى حماية الفضاء المدني بمختلف مكوناته، وتوفير قنوات آمنة للتبليغ عن الفساد، مع الاعتراف بالمبلغين عن الفساد بصفتهم مدافعين عن حقوق الإنسان.
ودعا بنعليلو إلى الانتقال من منطق مكافحة الفساد في صورته التقليدية إلى منطق “النزاهة المؤسساتية”، القائم على إدماج آليات حقوق الإنسان في مختلف مجالات عمل هيئات مكافحة الفساد عبر العالم، بما يسمح بصياغة سياسات عمومية تأخذ بعين الاعتبار البعدين معاً.
وأكد أن القرارات الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان والتطورات المرتبطة بتنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تبرز الحاجة إلى تعزيز الانسجام بين مختلف المسارات الأممية، سواء في جنيف أو فيينا أو نيويورك، بالنظر إلى الترابط القائم بين هذه القضايا.

وأشار إلى أن الربط البنيوي بين منظومتي النزاهة وحقوق الإنسان يستند إلى مبدأ التكامل المنهجي في قراءة الصكوك الدولية باعتبارها منظومة موحدة ومتكاملة، موضحاً أن وفاء الدول بالتزاماتها في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لا يكتمل إلا بربطه بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان، لأن الغاية النهائية من الالتزامين معاً هي حماية الكرامة الإنسانية.
وأضاف أن الفصل التقليدي بين مساري مكافحة الفساد وحقوق الإنسان أصبح أقل قدرة على تفسير تعقيدات الواقع، ما يفرض التفكير في تطوير نموذج لـ”الحكامة الوقائية القائمة على حقوق الإنسان”، مع فتح النقاش مستقبلاً حول ضمان الحق في الإنصاف لضحايا الفساد.
كما دعا إلى تجاوز الاعتراف النظري بالعلاقة بين الوقاية من الفساد وحقوق الإنسان نحو بناء شراكات مؤسساتية فعلية تدمج بين منظومتي مكافحة الفساد وحقوق الإنسان، عبر إرساء آليات تعاون تجمع هيئات النزاهة وهيئات مكافحة الفساد على المستويين الدولي والوطني.
وأكد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن المرحلة الحالية تستدعي إيجاد فضاءات أكثر انتظاماً للحوار والتعاون والتكامل بين هذه المؤسسات، بما يسمح بتطوير مقاربات مشتركة وشراكات عملية في المجالات ذات الاهتمام المشترك.
واعتبر بنعليلو أن تعزيز المقاربات الأممية المتخصصة القادرة على مواكبة هذا التقاطع بين الحقوق والنزاهة يمر عبر تطوير التعاون بين الآليات القائمة وتشجيع المبادرات الدولية التي تساهم في بناء فهم أكثر تكاملاً لهذه العلاقة، بما يمكن من استيعاب المخاطر التي تهدد الإنسان وحقه في بيئة خالية من الفساد.
وفي ختام مداخلته، شدد على أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الفاعلين في مجال حقوق الإنسان والمبلغين عن الفساد والعاملين في مجال الوقاية منه على بناء بيئة مؤسساتية تجعل انتهاك الحقوق أكثر صعوبة وكلفة، وتجعل النزاهة الخيار الأكثر تحفيزاً ومردودية، بحيث يصبح الامتثال لقواعد النزاهة الوجه المباشر لضمان حقوق الإنسان.
وأشار المسؤول إلى أن المملكة المغربية تنظر إلى الوقاية من الفساد باعتبارها جزءاً من مشروع أشمل لحماية الإنسان وصون حقوقه، مستحضراً تأكيد الملك محمد السادس أن محاربة الفساد هي قضية الدولة والمجتمع معاً.
وأضاف أن المغرب حرص على بناء جسور مؤسساتية بين منظومتي النزاهة وحقوق الإنسان، ليس فقط من زاوية التنسيق التقني، وإنما تعبيراً عن وعي مشترك بعمق الترابط بين الفساد وحماية حقوق الإنسان، معتبراً أن المبادرات التي يشهدها المغرب اليوم، بتوجيهات ملكية، تعكس إرادة واضحة لبناء مقاربات أكثر تكاملاً في مجال حماية وتعزيز حقوق الإنسان.







