رأي

الملكية المغربية.. استمرارية تُربك أوهام النهايات

الملكية المغربية.. استمرارية تُربك أوهام النهايات

في خرجة إعلامية مشحونة بنوازع الشر وموسومة بشرود واضح عن مقتضيات العمل الصحفي الرصين، نشرت صحيفة Le Monde  الفرنسية الأسبوع الماضي مقالا متحاملا يتحدث عن ما أسمته الصحيفة،المعروفة لدى الشعب المغربي منذ  زمن بعيد بهذيانها ومهنيتها الهزيلة،  “أجواء نهاية حكم” بالمغرب، في محاولة بئيسة ومكشوفة لرسم صورة سوداوية لا علاقة لها بالواقع.

فقد اعتمد المقال، المكتوب بحبر من الجهل والحقد الدفين، على مقارنات سطحية وتفسيرات متعسفة، متجاهلاً أن المغرب اليوم يعيش حركية استثنائية يقودها جلالة الملك محمد السادس شخصياً، سواء من خلال القرارات الكبرى أو من خلال المشاريع التي دشنت في العامين الأخيرين، والتي يعرفها ويقدرها المواطن المغربي  المعنى الأول والأخير بها.

لقد بلغ العمى المهني  بالجريدة الفرنسية إلى درجة التغافل عن كون حضور جلالة الملك  لا يستقيم أن  يُقاس بعدد الخرجات الإعلامية، بل بوزن القرارات وحجم الأوراش التي تُطلق على امتداد ربوع المملكة من الشمال إلى أقصى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق.

وعندما يتم تعميم الحماية الاجتماعية لتشمل ملايين المواطنين المغاربة، وعندما يتم افتتاح مراكز استشفائية جامعية جديدة وتجهيز مستشفيات إقليمية، وعندما تنطلق مشاريع استراتيجية مهيكلة في قطاع الطاقات المتجددة والغاز الأخضر، فذلك حتما هو الحضور الملكي الفعلي.

وحين يتم إعطاء الانطلاقة لمناطق صناعية جديدة مرتبطة بأكبر شركات السيارات والطيران، فذلك دليل على قيادة مباشرة لمسار اقتصادي صاعد يرسم ملامح المستقبل المشرق للمغرب.

إنها بضع شارات كافية لتكذيب أطروحة “الغياب” التي روّج لها المقال المخدوم في الجريدة التي بات خروجها عن النص وتمردها عن الضوابط المهنية أمرا مألوفا كلما تطرقت للقضايا والمؤسسات الاستراتيجية لبلد يشق طريق التنمية الشاملة بنجاح مبهر اسمه المملكة المغربية المتجذرة في تاريخ عريق يزعج المسكونين بهواجسهم الكولونيالية المقيتة.

ونظرا لكون الصحيفة لا تفهم، بل بالأحرى تتجاهل ، أبجديات النظام السياسي بالمغرب وتاريخه، فلا بأس بتذكيرها كون جلالة الملك هو رمز لوحدة الأمة وضامن لاستمرار مؤسساتها، وكل انتقال في تاريخ المغرب كان سلساً ومستقراً، لأن الملكية مؤسسة متجذرة في الشرعية التاريخية والدينية والشعبية.

 فلا غرابة إذن، والحالة هذه،  أن أي محاولة للتلويح بفزاعة “نهاية الحكم” لا تعكس سوى النوايا السيئة والحقد الدفين من طرف بعض الأقلام الغربية في التشويش على تجربة مغربية متفردة، أثبتت قدرتها على الإصلاح في الاستقرار، وعلى الجمع بين الأصالة والتجديد.

أما عن القول بتركيز القرار في يد دائرة ضيقة من المقربين، فذلك اختزال تبسيطي يتجاهل أن المغرب بعد دستور 2011 يعيش تحولات حقيقية: حكومة بسلطات موسعة، برلمان حقيقي ، مجتمع مدني فاعل، قضاء في مسار إصلاح، وبالتالي فالهندسة الدستورية لم تُقصِ هذه المؤسسات، بل ضمنت التوازن بينها وأمنت سيرها في إطار الشرعية والفعالية والنجاعة.

ومن يقرأ الواقع المغربي بعين موضوعية، سيرى أن البلاد، بكل مستوياتها المسؤولة ، لا تنكر وجود تحديات او صعوبات في بلوغ الأهداف التنموية المرجوة، بل تعترف بها وتواجهها بجرأة وبخطط واضحة، عكس ما تحاول Le Monde تصويره.

إن أزمة الماء مثلاً ليست ملفاً مغلقاً أو مهملًا، بل ورش استراتيجي فتحه جلالة الملك منذ سنوات، فالمغرب اليوم يبني أكبر محطات تحلية مياه البحر في القارة، من الدار البيضاء إلى أكادير، مع مشروع الربط المائي بين الأحواض المائية لتعزيز الأمن المائي الوطني.

 وهذه المشاريع الضخمة ليست ردود أفعال آنية، بل رؤية استباقية تؤكد أن الدولة تشتغل بعقلانية وبمقاربات تضامنية تحمي حقوق أجيال المستقبل.

أما بخصوص رهانات التشغيل، فالمغرب لم يتعامل معها بخطاب شعبوي، بل بخلق بنية تحتية صناعية حقيقية، فالمناطق الصناعية في القنيطرة وطنجة، والاتفاقيات مع شركات عالمية في صناعة السيارات والبطاريات الكهربائية والطيران، ليست سوى جزء من إستراتيجية جعلت من المغرب أكبر مصدر للسيارات في إفريقيا، وجعلت من اليد العاملة المغربية طرفاً أساسياً في الصناعات العالمية المتقدمة.

فالاكيد ان هذه الاستثمارات الأجنبية القياسية لم تأتِ صدفة، بل جاءت نتيجة الثقة التي يضعها المستثمرون في استقرار المغرب ومصداقية مؤسساته.

وفي مجال الطاقات، المغرب اختار طريقاً طموحاً حين استثمر في الشمس والرياح، واليوم صار مرجعاً قارياً في التحول الطاقي. محطات “نور” في وارزازات وميدلت ، والمشاريع الجديدة في الرياح والهيدروجين الأخضر، ليست مجرد مشاريع تقنية، بل إعلان عن دخول المغرب مرحلة جديدة يجمع فيها بين الاستقلال الطاقي، وحماية البيئة، والتحول إلى مصدر للطاقة النظيفة نحو أوروبا وإفريقيا. إ

نها قفزة إستراتيجية تجعل المملكة رقماً صعباً في مستقبل الطاقة العالمية.

كل هذه المشاريع الملموسة، من الماء إلى التشغيل فالطاقة، لا يمكن لعاقل أن يصنفها في خانة “أجواء نهاية حكم”. بل على العكس، هي إشارات قوية على أن المغرب دخل مرحلة تأسيس لحقبة جديدة، عنوانها تقوية الاقتصاد الوطني، وتوسيع العدالة الاجتماعية، وترسيخ الحضور الإقليمي والدولي.

إن المقالات التي تتحدث عن “الأفول” تكشف جهلاً بواقع بلدٍ يبني نفسه من الداخل، ولا ينتظر شهادة حسن السلوك من أقلام غربية اعتادت أن تنظر للآخرين من زاوية ضيقة كولونيالية.

والحقيقة أن ما كتبته Le Monde ليس تحليلاً سياسياً بارداً، بل هو انعكاس لانزعاج قديم ومتجدد من نجاح المغرب في كسر الصورة النمطية التي تريد بعض اللوبيات الفرنسية الإبقاء عليها، فحين يُبنى أكبر مشروع لتحلية مياه البحر في القارة، وحين تصبح المملكة رائداً في الطاقات المتجددة ومركزاً صناعياً لإفريقيا وأوروبا معاً، ينهار الخطاب الكلاسيكي الذي يقدم المغرب كبلد تابع أو هش. لهذا تلجأ الصحيفة إلى مفردات “الأفول” و”النهاية”، في محاولة يائسة لتقزيم إنجازات ملموسة على الأرض.

إن الهجوم على حضور جلالة الملك ليس سوى ستار يخفي خلفه خوفاً من أن يتحول المغرب إلى قوة صاعدة مستقلة القرار، فاللولبيات الإعلامية، ومن ضمنها Le Monde، تجد صعوبة في تقبّل أن المغرب اليوم يختار شركاءه بميزان المصلحة الوطنية، سواء تعلق الأمر بالاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة أو العمق الإفريقي، وهذا الانفتاح المتوازن يزعج من تعود أن يرى المغرب مجالاً طبيعياً للنفوذ الفرنسي، ولذلك يخرج خطاب “النهاية” كتعويض نفسي عن خسارة واقعية في الميدان،  ومهما حاولت بعض الأقلام الاستعمارية المتأخرة أن تُسقط فشلها الإعلامي على المغرب، ستظل الإنجازات شاهدة، وسيبقى التاريخ يكتب بلغة الوقائع لا بلغة التمنيات.

فالحقيقة أن ما أزعج Le Monde ليس غياب الملك، بل حضور المغرب كقوة صاعدة في محيط مضطرب. حين ينجح المغرب في أن يكون شريكاً استراتيجياً لأوروبا وأفريقيا والولايات المتحدة في آن واحد، ويثبت نفسه كفاعل في الأمن والهجرة والطاقات، يصبح من الطبيعي أن يلجأ البعض إلى أسلوب “المقال التشويهي” لتقزيم هذا الحضور، لكن الواقع أقوى من الدعاية، والمغرب اعتاد أن يرد على مثل هذه الادعاءات بإنجازات تُرى على الأرض، لا بشعارات جوفاء ومزخرفة.

وفي الختام، نأمل أن تتمكّن الصحافة الكولونيالية، التي تمثلها في هذه الحالة جريدة لوموند الفرنسية، من إظهار الحد الأدنى من مقومات الممارسة الصحفية المهنية المستقلة والموضوعية، تلك التي لا تكف  عن التباهي بها في كل حين. ونقول لكل من يستهويه الانخراط في هذه الموجة الممسوخة من المقالات التي تنسب زورا إلى العمل الصحفي: إن الحضور الحقيقي لجلالة الملك ــ ذلك الحضور الذي يثير قلق الأعداء والخصوم حقا ــ ليس مجرد حضور سياسي أو إعلامي عابر، بل هو حضور سرمدي راسخ في قلوب ووجدان جميع المغاربة، ضمن عقد لا ينفرط، يتجدد على الدوام في إطار دينامية شاملة، متواصلة ومترابطة عبر الأزمنة والأبعاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News