“العقوبات البديلة” تُشعل فتيل مواجهة بين وهبي والتامك بسبب اكتظاظ السجون

أشعل قانون العقوبات البديلة فتيل مواجهة بين المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك، ووزير العدل، عبد اللطيف وهبي، وذلك بسبب خصاص الموظفين لتطبيق هذا القانون الذي تُعول عليه الحكومة للتقليص من الأرقام المتزايدة للساكنة السجنية التي تجاوز تعدادها 102 ألف نزيل وفق إحصائيات رسمية.
وبينما قلّل المندوب العام لإدارة السجون من تأثير قانون العقوبات البديلة الذي صادق عليه البرلمان مؤخرا في الحد من معضلة “اكتظاظ السجون” التي تحد من جهود أنسنة المؤسسات السجنية بالمملكة، دافع وزير العدل عن جدوى تطبيق هذا القانون الرامي لتجاوز الإشكالات التي تطرحها العدالة الجنائية خاصة ما يرتبط بالعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة في علاقتها بمعضلة الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية.
وفي معرض ردّه الانتقادات التي طالت قانون العقوبات البديلة من طرف مندوب إدارة السجون، قال وهبي خلال المناقشة العامة لمشروع ميزانية وزارة العدل، إن “المغرب ليس البلد الوحيد الذي قرر اعتماد العقوبات البديلة بل يجري تطبيقها في أكثر من 90 دولة، ما يعني أنه لسنا أول من سنها حتى يمكن إصدار أحكام حول فشلها أو نجاحها”.
واعتبر وهبي أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، أنه “إذا كانت العقوبات البديلة ستخفف على شخص واحد في المغرب وسأعمل على إقرارها فما بالك إذا تعلق الأمر بـ2000 مواطن أو أكثر”، مسجلا أن “الحكم على هذا القانون بأنه سيأتي بنتائج إيجابية أم سلبية يتوقف على مدى قدرتنا على الإبداع والتفكير في اللجوء إلى العقوبات البديلة من أجل التخفيف من معاناة المواطنين، وهذا هو التحدي”.
ومضى وزير العدل في الدفاع عن القانون الذي صاحبه جدل كبير بفعل مقتضى “شراء أيام السجن” الذي حملته الصيغة التي صدّق عليها البرلمان وقال: “لم نلجأ لإقرار العقوبات البديلة من أجل التقليص من أرقام الساكنة السجنية، بل اعتبرنا أن هذه العقوبات ستكون هي إحدى الوسائل لمعالجة الوضعية الراهنة”.
وعبّر المسؤول الحكومي عن استغرابه من قلّة طلبات العفو والإفراج المقيد التي تتوصل بها وزارة العدل، في حين أن مديري السجون من حقهم اللجوء لهذا الإجراء، مشيرا إلى أن الوزارة قامت بإطلاق خدمة طلب العفو عبر الهاتف والتطبيق الإلكتروني للأسرة، لكن تم إيقافها بعد شن حملة إعلامية لإسقاطها.
وأوضح وهبي أنه تم منح مهمة الإشراف للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بهدف ضبط سلطة قاضي تطبيق العقوبات في إطار تنفيذه للعقوبات البديلة نظرا لكون قراراته غير قابلة للطعن وفق القواعد العامة المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية.
في مقابل ذلك، قلل المندوب العام لإدارة السجون من تأثير قانون العقوبات البديلة في التقليص من معضلة اكتظاظ السجون، معلنا عن توجسه من صعوبات تطبيقه لاسيما أنه لن يستفيد منه إلا 4 آلاف سجين سنويا، وهذا الرقم لن يحل مشكل الاكتظاظ بالسجون، مبرزا أن هذا الرقم هو نفسه عدد الذين ينالون البراءة.
وكشف التامك خلال مناقشة ميزانية مندوبية السجون برسم 2024، أنه لتنفيذ قانون العقوبات البديلة “يلزمنا منذ البداية 4 آلاف موظف للسهر على هذه العملية دون الحديث عن الجانب التقني”، مضيفا أن إدارة السجون تعاني من نقص حاد في الموارد البشرية يصل إلى 12 ألف موظف، في الوقت الذي تخصص 1000 منصب مالي فقط للمندوبية سنويا.
وبعدما أشاد التامك بالدينامية التي تميزت بها سنة 2023 في الجانب التشريعي المرتبط بقطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج، والتي أثمرت عن المصادقة على مشروع قانون العقوبات البديلة في الغرفة الأولى للبرلمان، اعتبر المندوب العام لإدارة السجون أن أثر هذه العقوبات في التخفيض من عدد السجناء يبقى نسبيا.
ويرى التامك أنه ومن خلال استقراء تجارب عدد من الدول تبين أن هذه الأخيرة لازالت تسجل ارتفاعا في ساكنتها السجنية رغم تفعيلها للعقوبات البديلة، معتبرا أن مشروع القانون المنظم للمؤسسات السجنية، سيرفع من سقف تحديات المندوبية العامة على مستوى أنسنة ظروف الاعتقال، الشيء الذي سيزيد من صعوبة ربح هذا الرهان دون إيجاد حلول فعالة لظاهرة الاكتظاظ”.
وشدد المندوب العام لإدارة السجون، على أن طبيعة هذه الظاهرة المعقدة تستدعي تبني حلول عملية في إطار مخطط مندمج يشمل الجوانب التشريعية والقضائية والإدارية، مؤكدا ضرورة العمل على تجويد الترسانة القانونية الجنائية وضمان مواكبتها لتطور المجتمع المغربي ووتيرة نمو الجريمة تبعا للمتغيرات السوسيو اقتصادية مع استحضار متطلبات استباب الأمن.
ودعا التامك إلى معالجة ظاهرة الجريمة بشكل عام ووضع آليات لتعزيز التكفل بالسجناء المفرج عنهم للحيلولة دون عودتهم إلى الجريمة وهو ما يقتضي قيام القطاعات الحكومية المعنية بأدوارها على مستويات التربية والتعليم والتكوين والإدماج المهني والتكفل بالإدمان وتشجيع مبادرات جمعيات المجتمع المدني في مجال إعادة الإدماج.
وطالب مندوب إدارة السجون بتمكين كافة الفاعلين المعنيين بتنفيذ السياسة الجنائية من الإمكانيات والموارد اللازمة قصد تجويد تدخلاتهم، إضافة إلى مواصلة تعزيز الطاقة الإيوائية لحظيرة السجون وتحديثها “والتي تبقى حلا لا محيد عنه في ظل الالتزامات الحقوقية لبلادنا على الصعيد الدولي”.





