المغرب يترشح لاحتضان مقر المركز الاستشاري لحل المنازعات الاستثمارية الدولية

أكد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، أن العدالة أضحت، في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة، تتجاوز مفهومها التقليدي القائم على فض النزاعات وتطبيق القانون، لتضطلع بدور محوري في تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الثقة في المعاملات الاقتصادية وجلب رؤوس الأموال، وتوفير الشروط الملائمة لتشجيع الاستثمار ودعم المقاولات، ولا سيما الصغرى والمتوسطة.
وأوضح وهبي، خلال مشاركته، الثلاثاء بإسطنبول، في أشغال المائدة المستديرة العالمية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول المساواة في الولوج إلى العدالة، أن هذه المقاربة تستند بالمملكة المغربية إلى رؤية ملكية جعلت من تطوير العدالة وتعزيز الأمن القانوني والقضائي ركيزتين أساسيتين لتحسين مناخ الأعمال.
وقال وزير العدل، في كلمة حول موضوع «العدالة ومناخ الأعمال: تقليص العراقيل، وتخفيف الإجراءات الإدارية، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة»، إن المغرب، وعيا منه بالدور المحوري الذي تضطلع به العدالة في مواكبة التحولات الاقتصادية وتعزيز جاذبية الاستثمار، جعل من تحديث المنظومة القانونية والقضائية أحد المداخل الأساسية لتحسين مناخ الأعمال، من خلال إطلاق إصلاحات متواصلة تروم تطوير الإطار التشريعي المنظم للنشاط الاقتصادي، وتيسير المعاملات، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتوفير الضمانات اللازمة لاستقرار المقاولة واستمراريتها.
واستعرض المسؤول الحكومي الجهود التشريعية التي بذلها المغرب لتحديث منظومة الأعمال، من خلال مراجعة وتطوير عدد من النصوص القانونية ذات الصلة، وفي مقدمتها مدونة التجارة، ولا سيما الكتاب الخامس المتعلق بمساطر صعوبات المقاولة، إلى جانب التشريعات المنظمة للشركات، والقانون المتعلق بالضمانات المنقولة بغية تسهيل ولوج المقاولات إلى التمويل، والنصوص المنظمة للوساطة والتحكيم باعتبارهما وسيلتين بديلتين لفض المنازعات.
وأوضح وهبي أن هذه الإصلاحات تعكس توجها نحو توفير إطار قانوني أكثر ملاءمة لمتطلبات النشاط الاقتصادي، وتعزيز آليات الوقاية من الصعوبات التي قد تواجه المقاولات، وتطوير الوسائل الكفيلة بتسوية النزاعات المرتبطة بالأعمال.
وأضاف أن الدينامية الإصلاحية امتدت إلى المساطر القضائية، من خلال إصلاح قانون المسطرة المدنية، في إطار السعي إلى تحديث إجراءات التقاضي، وتيسير الولوج إلى العدالة، وتعزيز فعاليتها وشفافيتها. كما شملت مراجعة الإطار القانوني المنظم للمهن القانونية والقضائية، باعتبارها شريكا أساسيا في ضمان جودة الخدمات القانونية، وتأمين المعاملات، وترسيخ الأمن القانوني والقضائي، بما يعزز ثقة المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين في المنظومة القضائية.
وشدد وزير العدل على أن هذه الجهود لا تنحصر في تحديث النصوص القانونية فحسب، بل تتوخى أيضا تطوير دور العدالة في مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، والانتقال نحو مقاربة تستحضر خصوصيات المقاولة وحاجياتها، وتوازن بين متطلبات النجاعة الاقتصادية وضرورة احترام القانون وحماية الحقوق والمصالح المشروعة.
وأكد أن العدالة، وفق هذا التصور، لا تقتصر على التدخل بعد نشوء النزاع، بل تسهم كذلك في توفير الشروط القانونية والمؤسساتية الكفيلة بالحد من مخاطره، وتعزيز استقرار المعاملات، والمساهمة في الحفاظ على استمرارية المقاولات باعتبارها بنية اقتصادية واجتماعية في الآن نفسه.
وفي هذا السياق، أبرز وهبي الأهمية الخاصة التي تحظى بها المقاولات الصغرى والمتوسطة ضمن هذه التوجهات، بالنظر إلى حاجتها إلى بيئة قانونية واضحة، ومساطر إدارية وقضائية مبسطة، وآليات سريعة وفعالة لتسوية النزاعات.
وأشار إلى أن العمل على تقليص العراقيل الإجرائية، والحد من الأعباء المرتبطة بالتقاضي، وتطوير الوسائل البديلة لحل النزاعات، يندرج ضمن الجهود الرامية إلى تمكين هذه المقاولات من ممارسة أنشطتها في ظروف أكثر استقرارا، وتعزيز قدرتها على الاستمرار والتطور، وتوسيع مساهمتها في خلق الثروة وفرص الشغل وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
التعاون الدولي
وعلى مستوى التعاون الدولي، أكد وزير العدل أن تدويل المبادلات الاقتصادية، وتنامي الاستثمارات والمعاملات العابرة للحدود، وتزايد تشعب الروابط القانونية ذات العنصر الأجنبي، تفرض تعزيز التعاون بين الدول وتطوير آليات التعاون القانوني والقضائي، بما يستجيب لمتطلبات الاقتصاد الدولي، ويسهم في توفير بيئة قانونية واضحة ومستقرة قادرة على مواكبة تطلعات المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين.
وأوضح أن أهمية هذه الآليات تتزايد بالنظر إلى تعدد الأنظمة القانونية وتباين القواعد الوطنية المنظمة للمعاملات الاقتصادية، وما يثيره ذلك من تحديات تتعلق بتنازع القوانين والاختصاص القضائي، والاعتراف بالأحكام والقرارات الأجنبية وتنفيذها، فضلا عن ضمان فعالية آليات تسوية المنازعات ذات الطابع الدولي.
وفي هذا الإطار، أفاد وهبي بأن انخراط المغرب في منظومة التعاون القانوني الدولي يندرج ضمن توجه يروم تعزيز انفتاح نظامه القانوني على المعايير والآليات الدولية، من خلال المصادقة على عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالقانون التجاري الدولي، والتجارة الدولية والخدمات، وتسوية المنازعات، والتعاون القضائي.
وأوضح أن هذه الممارسة الاتفاقية تعكس وعيا بأهمية الأطر القانونية المشتركة في تيسير المبادلات الاقتصادية، وتدعيم الأمن القانوني، والحد من تنازع القوانين الوطنية، وتعزيز الثقة في العلاقات التجارية والاستثمارية واستقرار المعاملات العابرة للحدود.
وأضاف أن هذه الالتزامات الدولية تتكامل مع شبكة مهمة من الاتفاقيات الثنائية التي أبرمها المغرب مع عدد من الدول في مجالات متعددة، مبرزا أن هذه الشبكة الاتفاقية، إلى جانب الاتفاقيات متعددة الأطراف والتشريعات الوطنية ذات الصلة، تشكل أحد المكونات الأساسية للإطار القانوني الذي يؤطر العلاقات الاقتصادية الدولية للمملكة.
وتابع أن هذا الإطار يسهم في تحديد حقوق الأطراف والتزاماتها، وتوضيح الضمانات القانونية المتاحة لها، وتوفير آليات مؤسسية وإجرائية لمعالجة المنازعات التي قد تنشأ عن معاملاتها.
ولفت وزير العدل إلى أن أهمية هذا الإطار لا تقتصر على تكريس الالتزامات الاتفاقية، بل تمتد إلى تحقيق التكامل بين القواعد الدولية والقواعد الوطنية، بما يقتضيه ذلك من تنسيق بين مختلف مصادر القاعدة القانونية، ومراعاة خصوصيات النظام القانوني الوطني ومتطلبات الوفاء بالالتزامات الدولية.
المغرب يعزز حضوره
وفي سياق متصل، أبرز وهبي مساهمة المغرب من خلال استضافته المكتب الإقليمي لمؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص بإفريقيا، مشيرا إلى أن هذه الخطوة توفر آفاقا لتعزيز التعاون بين دول القارة في مجال القانون الدولي الخاص، وتطوير آليات التعاون القانوني والقضائي، ولا سيما في الميدان التجاري.
وأكد أن الاتفاقيات التي تؤطر التعاون القانوني والقضائي تكتسي أهمية خاصة في هذا المجال، بالنظر إلى دورها في تيسير الإجراءات والمساطر العابرة للحدود، وتعزيز التنسيق بين الدول، وتسهيل الاعتراف بالأحكام القضائية الأجنبية وتنفيذها.
كما تطرق وزير العدل إلى مبادرة ترشيح المغرب لاستضافة مقر المركز الاستشاري لحل المنازعات الاستثمارية الدولية، المندرج في إطار الإصلاح الذي تقوده لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، معتبرا أن هذه المبادرة تندرج ضمن التوجه الرامي إلى تعزيز انخراط المملكة في المنظومة الدولية الحديثة لتسوية المنازعات الاستثمارية، والمساهمة في تطوير آلياتها المؤسسية والقانونية، بما يواكب التحولات التي يعرفها الاستثمار الدولي وتنامي الحاجة إلى مقاربات أكثر فعالية في تدبير المنازعات والوقاية منها.
وأوضح وهبي أن أهمية هذه المبادرة تبرز بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن يضطلع به المركز في مواكبة الدول وتعزيز قدراتها على فهم آليات تسوية المنازعات الاستثمارية الدولية، وتطوير خبراتها في التعامل معها، وترسيخ ثقافة مؤسساتية تقوم على الاستباق والوقاية والتدبير الفعال للمخاطر القانونية المرتبطة بالاستثمار.
وأضاف أن أهمية المبادرة لا تقتصر على توفير الدعم والخبرة في مجال تسوية المنازعات، بل تمتد إلى تعزيز انخراط الدول في التحولات التي تعرفها المنظومة الدولية، والتي باتت تقوم بصورة متزايدة على مأسسة آليات تسوية المنازعات، وتطوير أدوات الوقاية منها، وتعزيز التكامل بين الأطر الاتفاقية والمؤسسات الدولية والتشريعات الوطنية.
وأشار إلى أن هذا التوجه من شأنه أن يسهم في تمكين الدول من تطوير سياساتها وأطرها القانونية والمؤسساتية، وتحسين قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية، والتعامل مع المنازعات الاستثمارية ضمن مقاربة متكاملة تراعي متطلبات الأمن القانوني ومقتضيات التنمية الاقتصادية.
العدالة الفعالة
وخلص وهبي إلى أن تحسين مناخ الأعمال يقتضي اعتماد مقاربة متكاملة لا تفصل بين تحديث التشريعات، وتبسيط الإجراءات، ونجاعة القضاء، وتطوير آليات التعاون الدولي.
وأكد أن العدالة الفعالة ليست مجرد ضمانة لحماية الحقوق، بل تشكل أيضا عنصرا أساسيا في بناء الثقة، ودعم المقاولة، وتشجيع الاستثمار، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية ومقتضيات سيادة القانون.
وأعرب وزير العدل عن تطلعه إلى أن تشكل أشغال المائدة المستديرة مناسبة لتبادل التجارب والخبرات، وتعميق النقاش حول الإصلاحات الكفيلة بتقليص العراقيل الإدارية والقضائية، وتطوير آليات تسوية النزاعات، وتعزيز دور العدالة في دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة.
وشدد في ختام كلمته على أن الرهان المطروح لا يتعلق فقط بتحديث منظومات العدالة، بل بترسيخ مكانتها باعتبارها إحدى الدعائم الأساسية للتنمية والثقة والاستقرار، مبرزا أن الدول تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها، وصون حقوق المتعاملين الاقتصاديين، واستقطاب الاستثمار، وتحويل التحديات إلى فرص للتنمية المشتركة، كلما كانت العدالة أكثر نجاعة واستباقا وتفاعلا مع محيطها الدولي.
وأكد وهبي أن المسؤولية الجماعية تقتضي الانتقال من إرادة الإصلاح إلى فعل مؤسساتي مستدام، يجعل من العدالة الفعالة ركيزة لاقتصاد أكثر ثقة وتنافسية.





