وعودٌ في مهب الريح

لم يحظَ البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، أمس الاثنين، بالقدر نفسه من النقاش الذي رافق البرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية، وما تضمنته من وعود بتحسين دخل المغاربة، وحماية قدرتهم الشرائية، وتطوير الخدمات الاجتماعية، وتوفير فرص الشغل للشباب.
وبين الوعود التي رفعتها أحزاب الأغلبية خلال الحملة الانتخابية والالتزامات التي تضمنها البرنامج الحكومي، برزت انتقادات اعتبرت أن التصريح الحكومي لم يستحضر عددا من التعهدات التي شكلت ركائز أساسية في الخطاب الانتخابي لهذه الأحزاب.
وبحكم أن أول ما يؤرق ملايين المغاربة اليوم هو تأمين أساسيات قففهم بالنظر إلى موجة الغلاء التي أنهكت جيوبهم وغيرت ترتيبات أولوياتهم؛ فقد كنا ننتظر من رئيسة الحكومة أن تقدم لنا خطة واضحة لخفض الأسعار واستعادة عافية القدرة الشرائية المغربية، حيث ظل التصريح الحكومي حبيس العموميات، إلى درجة أن كلمة “الغلاء” ذُكِرت مرة واحدة على لسان المنصوري.
وحول الأسواق وضبط المتدخلين فيها ومحاصرة الوسطاء و”الشناقة”، فقد سبق أن تعهد حزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة، بإحداث شركات جهوية لتوزيع المنتجات الفلاحية، وبشكل أكثر دقة تعهد “الجرار” في حملته الانتخابية بإحداث ست شركات جهويـة للتوزيـع الفالحـي فـي المناطـق الفالحيـة الكبـر: سـوس، تادلـة، الغـرب، اللوكـوس، دكالـة عبـدة، والشـرق، وهو ما لم يرد في برنامج “حكومة المنصوري”. لا نفهم، هل هذه إشارة بأن نستعد إلى 5 سنوات من تحمل كلفة فوضى أسواق الجملة وتوزيع المنتجات الأساسية في الموائد المغربية؟
وإذا كان بطالة الشباب تشكل اليوم أحد أبرز المرتكزات التي يجب استحضارها عند صياغة أي سياسة عمومية، خصوصاً في الشق الاجتماعي، فإنه كان من المفترض أن يتضمن البرنامج الحكومي إشارة صريحة إلى وعد إحداث مليون منصب شغل، الذي التزم به على الأقل حزبي الأصالة والمعاصرة، القائد للحكومة وحزب التقدم والاشتراكية، أيام الجولات الانتخابية.
والغريب في هذا الجانب، هو أن العرض الذي تقدمت به رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، أمام نواب الأمة، أمس الإثنين، لم يتضمن، ولو لمرة واحدة، عبارة “مناصب الشغل”، مع أن الحملة الانتخابية للأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية الحكومية قامت كلها على تقليص البطالة وخلق الشغل للشباب.
والشغل يقود مباشرة إلى السياسة الحكومية في المجال الضريبي، ففي الحملة الانتخابية، صورت قيادات “الجرار” التزام إعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15.000 درهم (حوالي 12.500 درهم صافية وبذلك تعفى الأغلبية الساحقة من الأجراء) على أنه ثورة اجتماعية ومكسب تاريخي للشغيلة، غير أن البرنامج الحكومي لم يتطرق لهذا الوعد بالتفصيل، وظل مقتصراً على ما هو عام؛ حيث نص التصريح الحكومي: كـمـا سـنـطـلــق إصلاحا تدريـجـيـا للضـريـبـة على الــدخل لـرفـع الـدخـل الصـافي للأجــراء وتــشـجـيـع الـتـشغـيـل الـمصــرح بـــه.
وحتى استبشر المغاربة خيراً بوعد إعفاء من لا تتجاوز فاتورة كهرباء مسكنه 100 درهماً من الأداء، لكن البرنامج الحكومي لم يكن واضحاً في هذا الجانب وجاء بصيغة مغايرة لتلك الذي قدمها للناخبين طيلة أيام الحملة الانتخابية. فالحكومة تقترح إقرار تعويض اجتماعـي تلقائي يعادل فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم، للمسكن الرئـيسـي للأسـر الــمستحـقـة، دون طلب ورقي أو تنقل إداري.
وفي مجال التعليم، انتظرنا أن ينعكس شعار “تغيير المسار” الذي رفعه الحزب المتصدر للانتخابات والقائد للأغلبية الحكومية، على خيارات إصلاح تعليم أبناء المغاربة؛ فكيف نرفع شعار “تغيير المسار” وعند تقديم بوصلة السياسات العمومية في مجال التعليم، نجد أن رئيس الحكومة تؤكد مواصلة العمل وفق نموذج “مدارس الريادة”، الذي لا نتوفر، إلى حدود اليوم وبعد 3 سنوات من تطبيقه، على تقييم رصيد وموضوعي يقدم نقاط قوته ويرصد أوجه ضعفه وقصوره.
أما الوعد الذي دفع آلاف الشباب إلى التفكير في أنه “يكمل دينو” ويخطط للزواج، بعدما وعد الأمين العام لحزب الاستقلال كل شاب متزوج بمنحة تبلغ 5000 آلاف درهم، فإنه لا ننتظر الحملة الانتخابية لـ2031 لنسمع نفس جواب بركة حين سئل عن وعد تسقيف أرباح شركات المحروقات بأنه لا يقود الحكومة وأن تنزيل برنامج الحزب يحتاج أن تكون في القيادة وليس جزءاً فقط من الأغلبية الحكومية.
ومن الناحية السياسية، كنا ننتظر أن تترجم التقدمات والانتصارات التي يحققها المغرب في سياسته الخارجية وقضيتنا الوطنية الأولى إلى اختيارات حكومية وسياسية ذات معنى؛ فعلى الأقل كان من المفترض أن يعين وزير من برلماني ونخب الأقاليم الصحراوية المغربية.
وعلى مستوى التركيبة الحكومية؛ ما المانع أمام “حكومة المنصوري” لإحداث وزارة خاصة بالحكم الذاتي؟ ألم تكن فرصة لبعث إشارة حكومية قوية على انسجام عمل السلطة التنظيمية وتشكيلتها مع التقدم الديبلوماسي في ملف وحدتنا الترابية الذي يقوده الملك محمد السادس، خاصة بعد القرار 2797 الذي كرس واقعية ومصداقية مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية لحل الأزمة المفتعلة؟
هنا، وفي هذه الفكرة بالضبط، فالأمر لا يتعلق بسن شروط استوزار خاصة، أو إعطاء الأولوية لمن لهم انتماء جغرافي للأقاليم الصحراوية، وإنما نتساءل عن مدى استحضار هذا البعد في تشكيل الحكومة، وعن الفرص التي كان يمكن استثمارها لتعزيز الحضور السياسي والمؤسساتي لهذه الأقاليم في مرحلة تتسم بتطورات مهمة في مسار قضية الصحراء.
وفي مستوى آخر، فغياب قضايا الجالية المغربية المقيمة بالخارج عن أولويات الحكومية خلال الولاية الجديدة التي ستدوم خمس سنوات لا معنى له إلا أن مغاربة العالم سيعيشون على وقع نفس المشاكل والتحديات التي تواجه أكثر من 5 ملايين مغربي مقيم خارج بلده الأم، فالحكومة تقترح عليهم: سياسة دامجة لمغاربة العالم، تضمن مشاركتهـم المواطنة والتواصل الدائم معهم والاستجابة لحاجياتهم، وتـــيـسـيـر مساهــمتـهـــم في تـنـمـية وطـنـهم. هكذا دون تفاصيل ودون تقديم تصورات واضحة لتحقيق هذه النوايا.




