سياسة

يخرج من معركة ليدخل أخرى.. من يريد الإطاحة بوهبي من رأس الوزارة والحزب؟

منذ تشكيل حكومة عزيز أخنوش، وقبلها منذ تنصيب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة، لا يختفي هذا الأخير، الذي يحمل حقيبة العدل، عن ساحة جدل إلا ليظهر داخل جدل أكبر، حتى بات اسمه على رأس لائحة المرشحين للإقالة، سواء تعلق الأمر بمغادرة الحكومة أو الحزب أو جماعة تارودانت التي يرأسها “عن بعد”.

وراء كل إخفاق أو زلة لرجل السياسة يوجد بالضرورة مستفيد، لكن المستفيدين من زلات عبد اللطيف وهبي، وهي أكثر من أن تحصى، كثر، منهم الذين يركبون معه “الجرار” ويتحينون الفرص للانقضاض على مقوده، ومنهم أولئك المترقبون لإنحراف مسار الحزب عن سكة الانسجام مع مكونات الحكومة، لإيجاد موطئ قدم داخل الأغلبية، وملء الفراغ الذي قد يتركه شغور موقع “البام”، في حال سقوط وهبي “المؤجل”.

وبينما يواصل وهبي المضي في حقل الألغام، التي يصنعها بلسانه أكثر مما يصنعها خصومه، تتواتر الأحاديث عن اقتراب إعفائه أو استقالته من مناصبه، الأمر الذي يرفع أسهم “المطالبين برأسه”، حتى لو كانوا يُخفون هذا المطلب.

آخر المناسبات التي كادت تعصف بعبد اللطيف وهبي، الجدل الذي رافق مباراة الولوج إلى مهنة المحاماة، وذلك بعد إطلاق “الراسبين” والممتعضين مما شابها من “خروقات” اتهامات ثقيلة لوزير العدل بالمحاباة وترشيح كفة أبناء المقربين والأعيان لولوج مهنة “البذلة السوداء”.

انتظر الجميع أن يتنازل عبد اللطيف وهبي وأن يسقط بعد حملة المطالبة برحيله، إثر وصول “فضيحة” المباراة إلى العالمية، غير أنه وقف منتصبا مرة أخرى، ورفض التنازل حتى بالاستجابة لمطلب فتح التحقيق الذي لا يزال يتردد إلى اليوم، من طرف المتضررين، وهو ما يُعد حلقة إضافية في مسلسل نهاية سياسية قد تنعش آمال المترقبين والذين ينتظرون وهبي عند المنعرج.

بدوره، لا يستبعد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الحبيب استاتي زين الدين، في تصريحه لـ”مدار21″، “النهاية السياسة” لوهبي، قائلا “لا أدعي، باستحضار البرودة العلمية التي يتعين أن تميز تحليلات الباحث في علم السياسة، استحالة الاستغناء عن خدمات وزير، أو دفع الأمين العام للحزب إلى الظل، لأن شواهد عدة تؤكد أن الأمر حدث عديد المرات، وفي قضايا أقل شأنا من الاختلالات وزلات اللسان التي صدرت عن وزير العدل. هو نفسه صرح مرات عدة بأنه مستعد للتنحي عن المسؤولية متى طلب منه ذلك، لكن بأي كلفة سياسية؟”.

“الإخوة الأعداء” داخل “البام”

بالرغم من أن حزب الأصالة والمعاصرة خرج في مناسبات للتأكيد على تماسكه الداخلي، ورفض التهجم على قياداته، بمن فيهم الأمين العام للحزب عبد اللطيف وهبي، إلا أن وضعية هذا الأخير داخل الحزب لم تعد مريحة بالقدر نفسه الذي كانت عليه بعد تمكنه من الأمانة العامة، حتى أن تقارير إعلامية تحدثت عن قرب إزاحته من الأمانة العامة للحزب، وأن فاطمة الزهراء المنصوري، الحاملة لقبعات كثيرة، أولى المرشحين لهذه المهمة.

وفي الوقت الذي أعلن فيه المكتب السياسي لحزب “البام”، ضمن بلاغ له، رفضه “الحملة الشرسة” التي انتقلت من مناقشة قرارات وتدابير وزراء الحزب في مجال القطاعات التي يشرفون عليها إلى “التهجم على حياتهم الخاصة”، وتضامن أعضاء المكتب “المطلق مع قيادات حزبنا، ويشدون على أيديهم، ويدعونهم إلى التمسك أكثر من أي وقت مضى بخيار الإصلاح الحداثي”، إلا أن عدم تخصيص الأمين العام بالتضامن يتضمن إشارات لا تقل أهمية، لا سيما وأنه كان أكثر من تعرض للانتقادات، منذ تشكيل الحكومة.

وتعكس هذه المعطيات أن أول المستفيدين من سقوط وهبي قد يكونون ضمن الحزب الذي يرأسه، لا سيما مع الطموح الكبير الذي تظهره المنصوري، الشخصية القوية داخل الحزب، التي ترأس المجلس الوطني وتحمل حقيبة السكنى وتترأس مجلس مدينة مراكش، وما تتوفر عليه من حنكة سياسية ورزانة ترفع أسهمها في السباق “الخفي” على زعامة “البام”. إضافة إلى أنصار تيار الشرعية داخل الحزب، الذين سيكونون أول المرحبين بتنحي عبد اللطيف وهبي.

في هذا السياق يؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الحبيب استاتي زين الدين، لـ”مدار21″ أنه “في الظروف الحالية، سيكون التساؤل حول المستفيد من داخل الحزب من قرار الاستقالة أو إعفاء عبد اللطيف وهبي إن حدث في غير محله”، مشيرا إلى أنه “سياسيا، القرار في حدّ ذاته لو تم سيعدّ إعلانا صريحا لهزيمة الحزب من الداخل، ومن ثمة، فالاستفادة من شغور المهمة لا ينبغي أن يعد انتصارا”.

وتابع استاتي ضمن التصريح نفسه: “بل العقل السليم يفرض أن تكون مناسبة لتقييم مشاركة الحزب في الحكومة ومدى استفادته منها، من الناحية السياسية، لتوسيع قاعدته الانتخابية أو تضييقها، ومدى تكريسه للقيمة النوعية التي وعد بها لتعزيز الثقة في مشهد سياسي وطني ظل الحزب نفسه يردد أنه يشكو من عديد الأعطاب، وفي مقدمتها ابتعاد الخطاب السياسي والحزبي عن الممارسة اليومية، على نحو يشوش على رهان تقوية الجبهة الداخلية في سياقات وطنية ودولية موسومة بالتقلب وعدم اليقين”.

وأفاد أستاذ العلوم السياسية أن “النقاش الحزبي الداخلي صحي، والنقد الذاتي شرط للاستمرارية، لكن المطلوب في نظري أن يتم ذلك بعيدا عن منطق التموقع أو تصفية الحسابات، وأن يتم التحلي بالشجاعة السياسية للاعتراف بالأخطاء والتطلع إلى خدمة هذا البلد الذي نعتز بالانتماء إليه بروح وطنية صادقة، ولا سيما أن التحولات الجارية تفرض التعبئة والإعلاء من المصلحة الوطنية بالدرجة الأولى”.

بين المعارضة والأغلبية.. من المستفيد؟

المسار الذي قطعه عبد اللطيف وهبي، قبل وصوله إلى حمل حقيبة العدل، لم يكن بالسلاسة الكافية لجعله مقبولا بالقدر نفسه من المعارضة والأغلبية على حد سواء، ذلك أن الرجل أطلق سهام النقد في كل الاتجاهات خلال الحملة الانتخابية، وتجاه كل خصومه السياسيين بمن فيهم حتى رئيس الحكومة الحالي.

وفي الوقت الذي تُستبعد فيه التأويلات بشأن استفادة حلفاء وهبي داخل الحكومة من سقوطه السياسي، لما لذلك من تأثير على الحكومة التي تباشر أوراش مهمة، فإن هذه التأويلات لا تنطبق على أحزاب المعارضة، التي تُمني النفس بالدخول إلى الحكومة إذا سنحت الفرصة، وعلى رأسها حزبا الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية، اللذين تركا حلم دخول الحكومة على مضض، ولن يتوانيا عن لعب دور المنقذ في حال خروج “البام”، بعد إعفاء أو استقالة أمينه العام.

وبالرغم من أن كلام عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، نابع من رجل يمارس المعارضة ويستغل كل الهفوات لمهاجمة خصومه السياسيين، إلا أن إشاراته الأخيرة بخصوص عبد اللطيف وهبي، خلال الجلسة الافتتاحية للدورة العادية للمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، وهو الذي سبق أن ترأس الحكومة، قد تحمل معاني كثيرة، ذلك أنه وجه رسالة لوهبي قائلا: ”من خلال ما وقع، استخلصت أنك تشارك في الحكومة بدون ثقة.. ويبدو أن الشعب لا يثق فيك أو فقد الثقة فيك. وممارسة السياسة بدون ثقة صعبة”.

في هذا الإطار، يعلق الحبيب استاتي، في إشارة إلى الجدل الذي تثيره قرارات عبد اللطيف وهبي: “صحيح النقاش مرتبط بعضو في الحكومة، كما ارتبط في محطات مختلفة بأسماء أخرى، لكن المفروض أن تتحمل الحكومة في شخص رئيسها المسؤولية السياسية عن الأفعال والقرارات الصادرة عنها، وتقييم الأداء في نهاية المطاف لا يرتبط بقطاع أو قطاعات وزارية بعينها، وإنما بقدرة الأغلبية الحكومية على تدبير الحاجيات وإدارة المخاطر والأزمات”.

وحول استفادة أحزاب المعارضة من سقوط وهبي، يضيف أستاذ العلوم السياسية نفسه “إذا لم يحدث هذا الانسجام والتضامن، يفترض أن تشكل المعارضة قوة ضغط للتنبيه والنقد البناء لإصلاح ما يمكن إصلاحه في الوقت والسياق المناسبين. وحتى لو افترضنا أن حزبا خرج أو أخرج من الائتلاف، سيظل المشكل هو نفسه، سواء استفادت أحزاب المعارضة من ذلك أو لم تستفد”.

ويتساءل استاتي في هذا السياق: “هل الحكومة تشتغل بمنطق الفريق الواحد المنسجم والقادر على التواصل بكفاءة، أم بمنطق الجزر المتناثرة والصراع والتنافس الظاهر أو الخفي؟”، مضيفا: “طبعا، إذا ظل تفكير حزب أو أحزاب معينة شديد الارتباط فقط بالمشاركة في حد ذاتها دون رؤية مشتركة واضحة ومسؤولة، فالسيناريو نفسه، ومعه السؤال عينه، سيتكرر في كل تجربة”.

خصوم من تارودانت!

يدير عبد اللطيف وهبي جماعة تارودانت من مدينة الرباط، ما جعله محط انتقادات العديد من الفاعلين المدنيين والسياسيين، الذين طالما انتقدوا تغيبه المستمر عن جلسات المجلس، لا سيما من طرف المعارضة التي طالبت بتوسيع حالة التنافي لتشمل الجمع بين المناصب الوزارية ورئاسة المجالس الترابية، بل هناك من تعداها إلى المطالبة بتنافي بين المناصب والأمانة العامة للأحزاب السياسية.

ويتضح من ذلك أن المعارضة داخل جماعة تارودانت، إضافة إلى أعضاء من داخل حزب “البام” نفسه، قد ترجح كفتهم، إذا تخلى وهبي، تحت الضغط، عن منصب رئاسة الجماعة المذكورة، لا سيما مع ما يقال عن “إهماله” المستمر لشؤون هذه المدينة التي تراهن بشكل كبير على فرص التنمية، وهو الأمر نفسه بالنسبة للعديد من الفاعلين المدنيين، الذي يعلقون الآمال على تواجد رئيس قريب إلى هموم الساكنة.

وحول ما يقال عن “حالة التنافي” والدعوة إلى أن تشمل عبد اللطيف وهبي، يوضح الحبيب استاتي بأن “القانون لا يحسب الأمر كذلك، ويسمح للذي في حالته بترأس المجلس الجماعي، مضيفا في السياق نفسه “ما أتفق بشأنه هو أنه لا بد من إعادة النظر في هذه المفارقات غير الصحية أو لنقل ليست سليمة من الناحية الأخلاقية”.

ويضيف أستاذ العلوم السياسية مفسرا “مستقبلا، يستحسن أن يتفرغ المسؤول الحكومي لمهمته لاعتبارات عدة، وبالقدر نفسه يستحسن أن ينأى الأمين العام للحزب عن المشاركة الشخصية في الحكومة حتى يظل قرار الاستقالة أو الإعفاء من مهمة معينة محصورا في جزء كبير منه بوظيفة شخص ينتمي لحزب، وليس بالحزب برمته أو من يقوده مباشرة”.

معركة “البذلة السوداء”

تُعّد “المعركة” التي يخوضها عبد اللطيف وهبي ضد أصحاب “البذلة السوداء”، سواء من المحامين الممارسين أو الراغبين في الولوج إلى المهنة، من أكبر الجبهات التي فتحها وزير العدل على نفسه، لا سيما مع الاحتجاجات التي تكررت ضد الوزير والتي طالب خلالها المتضررون برحيله في أكثر من مناسبة خلال الأشهر الأخيرة، ما يجعل هؤلاء أيضا ضمن أكبر المستفيدين من سيناريو ابتعاده عن حقيبة العدل.

وبالرغم من أن الجدل الذي أثير حول المقتضيات الضريبية التي تضمنها قانون المالية لسنة 2023 بخصوص مهنة المحاماة، والتي خيضت ضدها احتجاجات قوية بلغت حد تعميم “الشلل” على محاكم المملكة من طرف المحامين، انتهى بتدخل الحكومة في شخص رئيسها لإقرار تعديلات على القانون، إلا أن العلاقة بين وهبي وهيئات المحامين لا تمر بفترة جيدة، ولعل ذلك ما يعكسه رفض الكثير منهم لبلاغ جمعية هيئات المحامين بالمغرب الذي ساند وهبي بعدما أثير حول “خروقات” مباراة الولوج إلى مهنة المحاماة.

وإضافة إلى الإجراءات الضريبية، لا يزال العديد من الطلبة “الراسبون” في امتحان الولوج إلى مهنة المحاماة يطالبون برحيل عبد اللطيف وهبي، بعد رفضه فتح تحقيق بشأن “الاختلالات” المسجلة من طرف المتضررين، وإطلاقه لتصريحات مستفزة أثارت الغضب، خاصة مع تباهيه بالغنى وقدرته المادية على تدريس ابنه بالخارج، وحديث عن تعرضه لضغوط لتخفيض عدد الناجحين، الأمر الذي رأى الطلبة والعديد من المهتمين أنه يستدعي فتح تحقيق.

وسيكون هؤلاء الطلبة من بين أكثر الفئات التي سترحب بإزاحة وهبي، على أمل تعويضه بوزير يستجيب لمطلبهم بإعادة المباراة أو على الأقل عدم تكرار نفس سيناريو المباراة الماضية. وإضافة إلى هؤلاء توجد فئات مهنية أخرى داخل الوزارة غير راضية عن وهبي، وعلى رأسها كُتّاب الضبط والمنتدبين القضائيين وكذا العدول.

تيار المحافظين..

وإضافة إلى هؤلاء يعد عبد اللطيف وهبي من الوزراء المرفوضين لدى التيار المحافظ، لا سيما مع التعديلات المهمة التي يعتزم تنزيلها بخصوص مدونة الأسرة والمتعلقة بالمرأة بشكل عام، والتي يرى المحافظون أنها تنهل من المرجعية الحداثية لوزير العدل، وهو ما يؤشر على معركة مرتقبة للوزير مع هذا التيار، الذي سيكون هو الآخر من أول من يتنفس الصعداء برحيله عن الحكومة. ولعل أول من يمثل هذا التيار هو حركة التوحيد والإصلاح التي أعلنت في أكثر من مناسبة رفضها لأي تعديلات قد تمس بتماسك الأسرة المغربية.

ولعل آخر ما أثار به وزير العدل في الآونة الأخيرة الجدل هو حديثه عن معادلة شهادة المرأة لشهادة الرجل، الأمر الذي يعتبره المحافظون معاكسة لما ورد في آيات قرآنية وأحاديث شريفة. إضافة إلى العديد من التعديلات الأخرى التي ستثير الجدل مع وصول القوانين المتعلقة بها إلى البرلمان.

وسط كل هذه الزوابع التي يثيرها عبد اللطيف وهبي في كل مناسبة، يتكاثر “المطالبون برأسه”، الأمر الذي يسائل مدى قدرة هذا الرجل على الصمود لوقت أطول داخل الحكومة والحزب والجماعة التي يرأسها، أم أنه سيخرج أقوى من كل هذه المعارك ليستمر في تقلد مناصبه السياسية والتأكيد على جدارته بها في وجه هؤلاء الطامحين إلى الاستفادة من سقوطه.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *